الموقع الشخصي للدكتور مصعب عزَّاوي

القدس العربي - 08-07-2015

في السابع عشر من يونيو المنصرم  انبرى جوش إرنست السكرتير الصحفي للبيت الأبيض مصرحاً بأن الولايات المتحدة " تشعر بالقلق جراء الحكم ذي الدوافع السياسية بإعدام الرئيس مرسي و بعض الأشخاص الآخرين، و  تبدي تحفظها حول الإجراءات القانونية المتعلقة باعتقال و إصدار أحكام بحق رموز سياسية في مصر، مع تحفظها على الكيفية التي تمت بها الإجراءات القانونية بحق أولئك الأشخاص، و التي تمت بمخالفة مطلقة لكل المعايير الدولية، و التي تشكل تهديداً يدمر الاستقرار الذي ينشده جميع المصريين" ويحق لقارئ الخطاب السالف أن يتساءل عن كيفية انعتاق نظام الحكم العسكري في مصر من وزر مخالفة إرادة البيت الأبيض، و الانطلاق بسيرورة لا يحكمها عقال لدفع عجلة الزمن في المجتمع المصري إلى ما قبل ثورة 25 يناير، و العودة إلى توطيد أركان الدولة الأمنية العسكرية في مصر، و قدرات تغولها على الإنسان المصري، و حريته، و قوته، و أحلامه بالعيش الكريم، نظراً للعلاقة المرهفة التي تحكم علاقة قيادات الجيش المصري منذ اتفاقية كامب ديفيد المشؤومة في العام  1978 التي حولت دفة تدريب و تسليح الجيش المصري إلى الإدارة الأمريكية، و رهنت صياغة استراتيجيات الجيش، و عقيدته الحربية لرضا الإدارة الأمريكية نفسها التي أعطت لنفسها حق تمكين ذلك الارتباط بقوة المعونة الأمريكية للجيش المصري المقدرة بحوالي  مليار و نصف دولار أمريكي، و ما ارتبط بها من فساد و إفساد الدولة الأمنية العميقة الذي شمل المجتمع المصري عمقاً و سطحاً، و لم يكن الجيش المصري كجزء طبيعي من المجتمع المصري ليفلت من مفاعيله.

 

و لكي لا يضطر القارئ الكريم إلى إجهاد عقله النقدي التحليلي في استنباط أسس تلك المعادلة التي يبدو عدم استقامتها ظاهراً، فإن التفسير يفصح عن نفسه في تقرير قدمته إدارة الرئيس أوباما في الثاني عشر من مايو الماضي في خفوت إعلامي مطلق، و دون أن تطلب من أي أذرعها الإعلامية التصريح به في مؤتمراتها الصحفية شبة اليومية، حيث أوضح التقرير بأن" التقييم العام لمسار الحريات و الديموقراطية في مصر هو سلبي"، و على الرغم من ذلك يصل التقرير في خلاصته إلى أنه "على الرغم من سلسة الانتهاكات و تفكيك بنية المجتمع و الحريات في مصر، فإن مصر ذات أهمية استراتيجية لمصالح الولايات المتحدة، و هو ما يقتضي عدم الانتقاص من المساعدات العسكرية السنوية للجيش المصري". 

لم تنحز الإدارة الأمريكية لصالح الشعب المصري في ثورة 25 يناير إلا ليقينها بقدرتها على استبدال بيدق عسكري ظل قادراً على القيام بدوره الوظيفي في تحجيم إمكانيات الشعب المصري مثل مبارك، بآخر من أولئك الذين ارتبطوا و خلال سنوات طويلة عتاداً، و تدريباً، و تسليحاً بشبكة إدارة المصالح الأمريكية في المنطقة و عالمياً. و هو الذي حدث عند التفاف قيادة الجيش المصري على إرادة الشعب الثورية، فحرمته من توطيد شرعيته الثورية، و تأسيس عقد اجتماعي جديد يقوم على أهداف الثورة المصرية، وليس شرعية المجلس العسكري، فكان ما كان من مسار لم تتوقف سلسلة الكوارث المتلاحقة التي جلبها إلى اللحظة المعاشة راهناً.

و بالفعل لم تفلح الكيانات الثورية في نقل طموحاتها من حيز الممكن إلى حيث الواقع، لعدم تمكنها من تشخيص نفسها من خلال كيان سياسي عياني مشخص قادر على خوض غمار اللعبة السياسية وفق الضوابط التي حددتها إدارة المجلس العسكري، متقاطعاً ذلك مع تنطع تيارات سياسية متفاوتة الإرادات و الأهداف في تقديم نفسها كممثل للحامل الاجتماعي للثورة المصرية ، و لم يكن يجمعها سوى إيمانها بالإسلام السياسي مصدراً للإيديولوجيا و الممارسة، و انعدام خبرتها في الإدارة الفعلية لمجتمع مستنزف، و  مدنف مضعف، جراء عقود الفساد و الإفساد الطويلة التي كابدها. و تحقق في نهاية المطاف ما أراده العسكر في مصر من تحييد الفئات الثورية التي قادت ثورة 25 يناير، و من والاها من تيارات الإسلام السياسي عقيدياً أو براغماتياً، وتصوير انقلاب 30 يونيو العسكري  بأنه إرادة شعبية هي في جوهرها تشخيص لتوجع المجتمع المصري من انسداد الآفاق لحياة طبيعية كان ينشدها في ثورة 25 يناير.

  و في ذلك السياق يحضر تبرير وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر لدور الولايات المتحدة  في الانقلاب على حكم سلفادور الليندي في تشيلي في العام 1973، بأن ميل بلد ما للذهاب في طريق مخالف للمصالح الأمريكية بسبب’’ عدم وعي شعب ذلك البلد‘‘ هو ’’فيروس‘‘ لابد من القضاء عليه و إلا أصابت ’’ عدواه‘‘ المنطقة، وهو الاستئصال الذي تم القيام به فعلاً بانقلاب عسكري دموي مهول، مدبر أمريكياً، أنتج حكماً عسكرياً فاشياً، و مئات الآلاف من الضحايا المباشرين و غير المباشرين. وها هو التاريخ يعيد نفسه من خلال المنظار الأمريكي إلى مصر التي انتصار ثورتها وقود لا ينضب لشحذ همم الثائرين في غير موضع عربي، و كل المقهورين من العرب من المحيط إلى الخليج الذين يتوقون للالتحاق بهم، و هو ما سوف يهدد المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة في استمرار تموضع المنطقة العربية كمنجم للموارد الأولية الرخيصة، و سوقاً لتصريف نتاجات الاقتصاد الأمريكي، و تجمعاً من المقموعين المقهورين الذين لا يمكن لهم تهديد استقرار الاستطالات الاقتصادية و العسكرية الأمريكية على الحدود الشمالية الشرقية لمصر المكلومة، و هنا يكمن أس التراجيديا التاريخية و فصل المقال.

 

د. مصعب قاسم عزّاوي

كاتب سوري مقيم في لندن