الموقع الشخصي للدكتور مصعب عزَّاوي

يدور الحديث حالياً في الأوساط العلمية التخصصية والشعبية المهتمة بشؤون الصحة العامة عموماً والبيئية خصوصاً ، عن نموذج من التلوث البيئي أصبح يحتل كثيراً من الاهتمام لرصده بدقة أكبر والوقوف بوضوح أكثر في وجه آثاره السلبية التي تتناول المحيط الحيوي عموماً بشقيه البيئي الطبيعي والإنساني ؛ هذا النموذج الجديد من التلوث هو التلوث الكهرومغناطيسي ، والذي يمثل في وجهه الأول الضريبة الباهظة الثمن لمنجزات الوعي الاستهلاكي والتي يجب أن لا يكون ضحيتها المجتمع كله .

 تشير الأبحاث التي أجريت مؤخراً في جامعة امبريال كولج – لندن وتناولت علاقة الإشعاعات الكهرمغناطيسية الناجمة عن مرور التيار الكهربائي في دارة معينة صغيرة كانت أم كبيرة مولدة بذلك حقلاً كهرمغناطيسياً قد يشمل مساحة كبيرة محيطة بتلك الدارة ويتعلق ذلك أساساً بشدة التيار وتواتره حين مروره في هذه الدارة .

وتناولت الدراسة المصادر الثلاثة التي أصبحت تشكل خطراً عضوياً على حياتنا الحاضرة وهي أسلاك ومحولات الكهرباء ذات التوتر العالي ؛ وأجهزة الهاتف المحمول ،وشاشات الحواسب وعتاده غير المطابق للمواصفات المرتبطة بشروط السلامة.

وكانت النتيجة المؤلمة للدراسة التي عملت على تحليل البيانات الصحية لآلاف من المرضى وتحليل العلاقة التي وضحت ازدياداً مضطرداً لحالة التناسب الطردي بين الأسباب الثلاثة المذكورة وبين زيادة السرطانات عموماً وسرطان الدم خصوصاً وبالتحديد عند الأطفال وذلك بتحريض وتوجيه ودعم جماعات وأحزاب البيئة في الاتحاد الأوربي .

ولا تخفى على أحد منا حقيقة التعتيم الذي تسعى إليه الشركات الاحتكارية الكبرى التي تسوق تلك المنتجات المهتمة بزيادة التلوث الكهرومغناطيسي ،وسعيها إلى إغلاق كل الطرق لوصول الحقيقة إلى المستهلك ، وبدلاً من ذلك تعمل على تهييج كل وسائل الوعي الاستهلاكي ضمن نفس الإنسان العادي بحيث تعمل على خلق وعي جديد يرى بأن هذا المنتج الجديد يمثل حاجة عضوية لا يمكن الحياة دونها على الإطلاق وأنه بعدم تكامله معها سيكون متخلفاً عن الركب الحضاري وموكب العولمة ( البائس ) ،وهذا هو المنهج العام للشركات الاحتكارية الكبرى لتحويل الإنسان من كائن فاعل نقدي في هذا العالم إلى مجرد مستهلك تستطيع اللعب بعواطفه وأهواءه وقيادته إلى الجهة التي تراها مناسبة لإنفاق أمواله و ( تبذيرها ) .

 

تحليل علمي :

سنحاول فيما يلي عرض مجموعة من الحقائق والتحليلات العلمية وبشكل مبسط محاولين تتبع جوهر العملية الإمراضية التي تقود إلى زيادة وقوع السرطانات عند أولئك المتأثرين بذلك التلوث الكهرمغناطيسي .

ويقوم التفسير العلمي الأول على كون الحقل الكهرمغناطيسي ،الذي أشرنا إلى كيفية تكونه أعلاه يمثل مساحة من الفضاء تتولد فيها جاذبية ناجمة عن هذا الحقل الذي يشبه وبكثير من البساطة تجربة صنع المغناطيس الكهربائي عن طريق صنع وشيعة من سلك كهربائي وربطها ببطارية صغيرة وجعلها بالتالي تجذب برادة الحديد ؛ عن طريق الحقل المغاطيسي المتولد عنها ، ولكن الحقل الكهرمغناطيسي في حالة مسببات التلوث البيئي الكهرمغناطيسي يتميز باتساع المساحة التي يستطيع أن يشملها والتي قد تصل في حالات كابلات التوتر العالي حتى 500 م2 ، وتستطيع هذه الجاذبية التي ولدها الحقل الكهرمغناطيسي جذب كل الجزئيات الدقيقة المنتشرة في الهواء الذي ينتشر من خلاله هذا الحقل وهذه الجزئيات الدقيقة هي أساساً عبارة عن مجموعة متباينة العناصر عمادها دخان السيارات وأبخرة المصانع والصناعات المختلفة وتسمى هذه الجزئيات الدقيقة طبياً بضبوطات التلوث . وأهم سمة لهذه الجزئيات الدقيقة وخاصة في المدن المزدحمة والمكتظة بالأكداس الهائلة من السيارات العاملة بمحركات الديزل ، أنها مواد أثبت علمياً تأثيرها السرطاني الذي سنبحث فيما يلي كيف يؤدي الحقل الكهرمغناطيسي من خلاله جذبه لهذه الجزئيات إلى زيادة وقوع السرطان .

ويمكن توضيح ذلك من خلال معرفتنا بكون هذه الجزئيات تتعرض عند وقوعها في حقل جاذبية الحقل الكهرومغناطيسي إلى تأثر بقوته الجاذبة فيزداد تركيزها ولكنها أيضاً تتأثر بقوته الكهربائية مما يكسبها شحنة كهربائية ساكنة وذلك يجعلها أكثر قدرة على الالتصاق بجسم الإنسان زيادة على تكاثرها من حوله جراء الجاذبية التي تعرضت لها ، وإن أكثر جهازين يتعرضان للتأثير المباشر لزيادة التصاق هذه الجزئيات المسرطنة الدقيقة هما الجلد والجهاز التنفسي ،فزيادتها على الجلد أدت وتؤدي إلى التسارع المذهل في وقوع سرطان الجلد الذي أثبتت الأبحاث ترابطه الدقيق مع زيادة الملوثات وخاصة ذات المصدر النفطي على سطح الجلد بالإضافة إلى أنها أثبتت أن الملوثات زاد تركيزها بمقدار 20 –30 ضعفاً عند أولئك المتأثرين بالتلوث الكهرمغناطيسي .

أما زيادة التصاقها بالجهاز التنفسي فهي ذات تأثير بائس مزدوج فأولاً تؤدي من خلال تأثيرها المباشر على مخاطية الطرق التنفسية إلى زيادة وقوع سرطان الطرق التنفسية ومن ضمنها الرئة والقصبات وخاصة إذا ترافق ذلك مع التدخين ؛ وثانياً وهو يمثل درجة عالية من الخطورة التي تتمثل بإمكانية عبور هذه الجزيئات من خلال جدر الأسناخ الرئوبة إلى الأوعية الدموية لتدور مع الدم في مختلف نسج الجسم ، ويعتبر النسيج المولد للدم هو من أكثر النسج حساسية للتأثر بالمواد المسرطنة ذات المصدر النفطي والتي تمثل العماد الأساسي للجزئيات الدقيقة التي يجذبها إليه الحقل الكهرمغناطيسي ،وهذا ما يفسر زيادة وقوع سرطان الدم عند الأطفال المتأثرين بمثل هذا الحقل إلى 13 ضعفاً وقد وضحت ذلك الدراسة التي أشرنا إليها سابقاً وأجريت في بريطانيا .

ومع اختلاف المظهر بين الأسباب الثلاثة المولدة للتلوث الكهرمغناطيسي أي كابلات ومحولات الكهرباء ذات التوتر العالي ، الهواتف المحمولة ،وعتاد وشاشات الحواسب غير المطابقة لشروط السلامة ،فإن الجوهر للأزمة والمشكلات الناجمة عنهم يتمثل أولاً وقبل كل شيء في السعي المحموم للشركات الاحتكارية ومروجيها للربح السريع والفاحش وغير الأخلاقي في معظم  الأحيان – وجهل المستهلك بحقيقة الأمر وتحوله تدريجياً إلى كائن استهلاكي منفعل فقط ومتلقي نسي في إطار هزيمته الشاملة كإنسان معنى أن يكون إنساناً فاعلاً وناقداً ومنتمياً إلى مجتمع يحبه ويدافع عنه ليحتمي به في وقت الشدة ، دون أن يقع في شرك الوعي الاستهلاكي البائس والانعزالية والأنانية واستقالة العقل .

وينبغي أن نشير إلى أن التوجهات والرؤى التي تستهدف حماية المواطن من هذا التلوث يجب أن توضع في إطار مؤسسي شامل وليس في إطار رؤى فردية التي قد تكون مصيبة ومخلصة ولكنها في معظم الحالات مقصرة عن الإلمام بالحاجة الشاملة للمجتمع الذي يجب أن تشترك فئاته وشرائحه كافة في حماية صحتها ومستقبلها ومستقبل أطفال الوطن الذين يشكلون اللبنة الأولى لصونه من كل الشرور .

 

وفي العموم يجب أن تتناول التوجهات محاولة التعديل أو إزالة الأسباب المؤثرة من خلال زيادة المسافة بين كابلات الكهرباء التي تنقل التوتر العالي وكذلك المحولات وبين الساكنين قربها ، بالإضافة إلى وضع شروط صارمة تتناول الصفات الفنية لعتاد الحواسب الذي يجب أن يطابق المواصفات العالمية وتنوير المستخدم للهاتف الجوال حول الأخطار التي يمكن أن يتأثر بها باستعماله وتحذيره من عدم جواز استخدام الهاتف الجوال في التجمعات المكتظة بالسكان وفي الأماكن المغلقة غير المهواة وفي الأماكن التي يتواجد فيها هاتف عادي سلكي وفرض غرامة في حال مخالفة ذلك ، مما يحمي الآخرين من خطر قد يقبل به مستخدم الهاتف الجوال .

وبالإضافة إلى ذلك يجب السعي وبشدة وكما اتخذت الخطوات الجبارة سابقاً في منع الإعلام الذي يروج للتدخين ، فيجب كذلك الحد من كل الإعلام والدعاية الجائرة التي تروج لتلك المنتجات الاستهلاكية المتهمة بتسبب التلوث البيئي الكهرمغناطيسي .

 

وأخيراً ، نقول إن عملية الدفاع عن البيئة والصحة العامة ومن ضمنها محاربة التلوث الكهرمغناطيسي تمثل عملية طويلة وشاقة تستدعي تكامل الجهود بين الأفراد المهتمين ومؤسسات المجتمع المدني والهيئات الحكومية من أجل تضافر الطاقات للدفاع عن الوطن وصحة أبنائه وسلامة بيئته لأن هذا الوطن يمثل بسلامته سلامة مستقبلنا ووجودنا الذي لا يمكن أن يقبل أحد بتهديده وبأي شكل كان .

 

مصعب قاسم عزّاوي