الموقع الشخصي للدكتور مصعب عزَّاوي

في تحقيق استقصائي محكم صدر منذ سويعات قليلة قدمت صحيفة الغارديان البريطانية تحليلاً معمقاً حول دور الحكومات الأوربية في تصدير المتطرفين إلى سورية، بالاستناد إلى توثيق لعدد كبير من حالات سماح الحكومات الأوربية، ممثلة بجهازها الأمني أساساً، بسفر الآلاف من مواطنيها العاقدين على التوجه للمساهمة في الحرب في سورية، بجوازات سفر مطلوب إحضار أصحابها بناءً على سجلات الشرطة الدولية الإنتربول، أو وصول أصحابها من المطارات الأوربية بحقائبهم الشخصية التي تحتوي أسلحة و ذخائر، أو في بعض الحالات إخلاء سبيل أولئك بعد ترحيلهم من تركيا إلى البلد التي قدموا منها، بتجاهل مطلق لتعليلات الهيئات القضائية والشرطية التركية لأسباب ترحيلهم المتعلق أساساً بكونهم مقاتلين أجانب في سياق الحرب الدائرة في سورية. أو حتى سماح الدول الأوربية التي يحملون جنسياتها لهم بالاستحصال على جوازات سفر جديدة، غير تلك المسجلة على لائحة الشرطة الدولية، و الوكالات الشرطية التركية، ليتمكنوا باستخدامها من الدخول إلى تركيا مجدداً بعد ترحيلهم لأول مرة، و العبور منها إلى سورية حتى وصل عددهم بحسب مصادر صحيفة الغارديان البريطانية إلى حوالي 31000 مقاتل أجنبي معظمهم من دول الاتحاد الأوربي.
ويورد التقرير الاستقصائي أمثلة متعددة عن تواطؤ الأجهزة الأمنية الغربية في دول تمثل معظم أعضاء الاتحاد الأوربي. و قد يكون المثالان الأكثر أهمية قصتا إبراهيم البكراوي، وعمر إسماعيل مصطفى؛ فالأول أحد المسؤولين عن تفجيرات مطار بروكسيل الأخيرة الذي تمّ اعتقاله في شهر يونيو في العام 2015 في غازي عنتاب في تركيا لكونه مقاتلاً أجنبياً متوجهاً للحرب في تركيا، وعرضت السلطات التركية آنذاك ترحيله إلى البلد الذي يحمل جنسيته أي بلجيكا، التي اعتقدت بعدم وجود أساس لذلك الادعاء، ورفضت طلب ترحيله إليها، فاضطرت الحكومة التركية ترحيله  إلى هولندا بدلاً من بلجيكا ليعود إلى تلك الأخيرة لاحقاً، دون أن تكترث الحكومة البلجيكية بالتحقيق في ما قدمته السلطات التركية عن ذلك الشخص، وأسباب ذهابه إلى تركيا. و الثاني أي عمر إسماعيل مصطفى الذي حذرت السلطات التركية من ارتباط اسمه بخلية من المواطنين الفرنسيين من أصول مغاربية تشتغل بالتنسيق مع المتطرفين الإسلاميين في سورية بين العامين 2014 و 2015، وهو ما لم تعره السلطات الفرنسية أي اهتمام حتى انقلب المذكور ليكون أحد عناصر المجموعة الداعشية التي اقتحمت دار باتاكلان للموسيقى في باريس في 13 نوفمبر المنصرم.

 

وخلاصة رأي الأتراك، وخلاصة التحقيق الصحفي هو أنّ الحكومات الأوربية أرادت التخلص من المتطرفين الإسلاميين في بلدانهم، بتسهيل خروجهم إلى المحرقة السورية للتخلص منهم بشكل نهائي، بدل الاضطرار إلى زجهم في سجونها، وهو السياسة المضمرة التي تمّ توطيدها واقعياً بتمنع الأوربيين منذ العام 2012 عن تقديم أي قوائم فعلية للسلطات التركية لأسماء من يُشك بارتباطاته بأنشطة متطرفة من مواطنيها لأجل منعهم من دخول الأراضي التركية، وبالتالي الحيلولة دون وصولهم إلى سورية. و هو ما يعني فعلياً أن كل التطبيل الإعلامي الأوربي و الأمريكي عن تقصير الأتراك في منع تدفق المقاتلين الأجانب عبر حدودها إلى سورية، ما هو إلا سياسة ممنهجة لذر الرماد في العيون، و إشاحة البصر عن حقيقة السياسة الأوربية المتعمدة في تسهيل عبور مواطنيها إلى المحرقة السورية.

ولكن التدقيق المتمعن في الخلاصة الآنفة الذكر يومي إلى أنها جزء من الحقيقة فقط، و لا تمثل الصورة الكلية لأهداف الأوربيين من تخليق تلك الجلجلة، بغض النظر عن أي أضرار جانبية لابد من مكابدتها وفق القاموس السياسي الغربي الذرائعي حتى نقي العظم، من قبيل تراجيديا باريس في نوفمبر الماضي، ومأساة بروكسل الأخيرة، لتحقيق الأهداف الأكثر جوهرية من تلك المنهجية السياسية و الأمنية.

لقد التقط الساسة الأوربيون المزاج العام الذي تشكل عقب أحداث الحادي عشر من أيلول في العام 2001 في الولايات المتحدة، و الذي أفصح عن نفسه في تنازل جمعي لكل مكونات المجتمع الأمريكي عن كل أساسيات العقد الاجتماعي المتمثلة في سيادة القانون ،و المسؤولية القانونية للسلطة التنفيذية تجاه التشريعية و القضائية، من خلال تقديم تفويض مطلق الصلاحية لحكومة جورج بوش الابن في تغول أدواتها التنفيذية على كل حيوات مواطنيها المسلمين داخل الولايات المتحدة، و هياجها الهوسي المنفلت من كل عقال على المستوى العالمي متمثلاً بغزو أفغانستان، وتهشيم العراق، وهو المزاج الذي يراود الكثير من الساسة الأوربيين امتطاء صهوته في بلدانهم، مع معرفتهم المسبقة بصعوبة ذلك لرسوخ المعايير الديموقراطية، وصلابة قوى المجتمع المدني في أوربا، بما يتجاوز تلك الموجودة في الولايات المتحدة لعوامل تاريخية معقدة تتعلق بتاريخ نشوء الديموقراطيات الأوربية ومفاعيل الحربين العالميتين على أرض قارتها. فأتت أحداث باريس لتمكن إدارة الرئيس أولاند من تحقيق ذلك الحلم صعب المنال في الاستحصال على صلاحيات طوارئ مطلقة من البرلمان الفرنسي، و لأول مرة بهذا الشكل في تاريخ الجمهورية الفرنسية الخامسة، بما مكنه فعلياً دون الاستناد إلى قرار قضائي بمداهمة حوالي 3500 منزل عائد لمسلمين مقيمين في فرنسا حسب الناشط ياسر اللواتي و الصحفي الأمريكي المرموق جلين جرينولد، و التي لم تتمخض عن سوى إجراءات قضائية تقل عن عدد أصابع اليد الواحدة، حتى بدى أنها تهدف فقط إلى ترهيب الجالية المسلمة في فرنسا، ودفعها عنوة باتجاه التطرف غريزياً لمواجهة ما تعرضت له من إذلال و احتقار، بما يسهم في تغذية عديد أولئك الفرنسيين المسلمين العازمين على السفر للجهاد في المحرقة السورية انتقاماً لكرامتهم المهدورة، و بما يعني التخلص منهم بشكل مؤقت أو دائم بالنسبة للحكومة الفرنسية؛ بالإضافة لما لم يتم تغطيته إعلامياً في الإعلام الأخطبوطي الغربي المعولم، من مئات المداهمات لمنازل ناشطين نقابيين، وبيئيين، فرنسيين أباً عن جد ليس لهم أي علاقة بالإسلام قريباً أو بعيداً، ومصادرة أجهزة الحاسوب الخاصة بهم، و دون أي سبب منطقي لإذلالهم سوى مخالفتهم لتوجهات و سياسات الحكومة الفرنسية. و الأهم من ذلك كله، حظر كل التظاهرات الشعبية التي كان يعتزم المشاركة بها مئات الألوف من الفرنسيين تزامناً مع قمة المناخ التي عقدت في باريس في ديسمبر المنصرم، ومداهمة منازل و أماكن اجتماعات الناشطين الفرنسيين المسؤولين عن تنظيم تلك التظاهرات، و الغالبية الساحقة منهم من الفرنسيين البيض غير المسلمين، إلى درجة أنه لم يُسمع إعلامياً و طوال مدة قمة المناخ تلك لأي صوت مناهض لصوت الشركات العولمية الكبرى التي كان لها جناح خاص في القمة و ممثلون إعلاميون يصولون و يجولون؛ و هو ما كانت نتيجته تمخض جبل قمة المناخ التاريخية عن فأر لا يعني سوى هلاك البشرية من الناحية البيئية.

إن الواقع الذي خلفته أحداث باريس و بروكسيل مكّن الحكومات الأوربية جميعها من اللعب على أوتار المزاج المتطرف سواء بطريقة خبيثة  مخاتلة كما هو الحال في فرنسا وبريطانيا، أو قبيحة فجة كما هو الحال في بولونيا و التشيك و هنغاريا، و تحويل أنظار شعوب تلك الحكومات عن اقتصاد دولها المتهالك جراء تغول الشركات العابرة للقارات عليه، وتمنُّعِها عن سداد أي ضرائب عن أرباحها لتلك الحكومات، التي لا تملك إلا الانصياع لتلك الشركات الوحشية التي تمول حملات سياسييها الانتخابية.

وهو الواقع نفسه الذي مكّن الساسة الأوربيين من استبدال مهمتهم وواجبهم الجوهري في مواجهة التمييز، و العنصرية، و الفقر، و التهميش الذي يعاني منه كل المسلمون، و خاصة أبناء الجيل الثاني و الثالث منهم في جميع الدول الأوربية بمستويات مختلفة، بمهمة جديدة تتمثل في زيادة النفقات الأمنية على حساب دافعي الضرائب الأوربيين، ورمي كل الحريات المدنية التي دفعت الشعوب الأوربية سيولاً من الدماء للوصول إليها، إلى حظيرة الاستبداد المقنع، لصالح تعملق الشركات الأمنية على شاكلة بلاك ووتر سيئة الصيت، المرتبطة بشكل مباشر بالتكتلات الاقتصادية العابرة للقارات التي تتحكم من خلال تبرعاتها بسياسات من تقودهم إلى سدة الحكم.

و لأن البعرة تدل على البعير و أثر الأقدام على المسير، فإن الواقع يشي بأنها ليست مؤامرة كبرى تحتاج إلى فك شيفرتها، وإنما سياسة ممنهجة لغض النظر عما يتوقع، ويراد وقوعه، في تواطؤ مريب مع كل الخبث الداعشي، ومن ولاه، ولف لفه.

 

د. مصعب قاسم عزّاوي

كاتب سوري مقيم في لندن