الموقع الشخصي للدكتور مصعب عزَّاوي

العربي الجديد - 28-08-2015

بحسب تقرير صدر حديثاً عن المعهد المركزي لدراسات المناخ، و هو منظمة علمية بحثية مستقلة، استناداً على منظومة التحليل العالمي للمحيطات للعالم مارك ماريمفيلد من جامعة هاواي، وبحسب بحث علمي كبير قام به تسعة من أهم علماء الدراسات المناخية على وجه البسيطة و تم نشره في العدد 6244 من مجلة العلوم الصادر في شهر تموز/يوليو من العام 2015، فإن كارثة الاحتباس الحراري الناجمة عن انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون، و غاز الميثان في سياق عمليات استخراج و استخدام الوقود الأحفوري بأشكاله المختلفة، سوف تقود إلى خسارة 1.14 مليون كيلومتر مربع من مساحة الأرض حين تغمرها مياه المحيطات جراء ارتفاع منسوب مياه البحر الناجم عن ذوبان الجليد في القطب الشمالي.  و تلك المناطق التي سوف تغمرها مياه البحر على المستوى العالمي يسكنها حالياً أكثر من 375 مليون إنسان قد يصبحون أكثر من نصف مليار إنسان في نهاية القرن الحالي. و في الفضاء الجغرافي العربي سوف تمثل كارثة بيئية تشمل مناطق واسعة من دلتا النيل و التي يقطنها حالياً 12 مليون مواطن مصري، بالإضافة إلى مناطق شاسعة من العراق، و الكويت، و ليبيا و احتمالات كارثية لاندثار مدينة أبو ظبي بالكامل في العام 2100.

 وهي كارثة بيئية محدقة تم التوثق العلمي منها بدراسة تغيرات جيولوجيا الأرض عبر 400000 سنة، و التي وضحت أن ازدياد درجة حرارة الأرض لما يعادل مستواها الحالي منذ 125000سنة مضت أدى إلى ارتفاع تدريجي لمنسوب مياه البحر إلى 6-9 أمتار. كما  بينت نتائج الأبحاث الجيولوجية بأن ارتفاعاً بحدود درجتين مئويتين لمعدل حرارة كوكب الأرض راهناً عما كان عليه قبل الثورة الصناعية التي قامت على استثمار الوقود الأحفوري أدى منذ 400000 سنة مضت أدى إلى ارتفاع بحوالي 6- 13  متراً عمّا هو عليه ارتفاع منسوب البحر حالياً. و في نفس السياق تشير أبحاث المركز الوطني لأبحاث المحيطات و الغلاف الجوي NOAA بصراحة إلى أن مستويات غاز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي في نهاية العام 2013 بلغت 396 جزءاً بالمليون من تركيب الغلاف الجوي، و أن معدل ازديادها المضطرد حالياً سوف يقودها خلال 60 سنة تقريباً لأن تصل إلى 500 جزءاً بالمليون و هو ضعف ما كان التركيز عليه قبل الثورة الصناعية، و هو الذي سوف يقتضي باتفاق شبه مطلق بين كل الهيئات و التجمعات البحثية الآنفة الذكر على أنه سوف يقود إلى زيادة درجة حرارة كوكب الأرض بمعدل 1.5-4.5 درجات مئوية، و هو ما سوف يؤدي في الحد الأدنى بعد نصف قرن من اللحظة الراهنة إلى ارتفاع منسوب مياه البحر بما لا يقل عن 6 أمتار إلى 15 متراً.

و في تقرير بحثي موسع حمل اسم حالة المناخ في العام 2014، و هو نتاج بحثي موسع قام به 413 عالماً من 58 دولة، تم تبسيط توصيف و شرح  كارثة الاحتباس الحراري أو التي تسمى ظاهرة البيت الزجاجي بأن انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون التي يتم  إطلاقها في الغلاف الجوي للأرض جراء عمليات حرق الوقود الأحفوري بأشكاله المختلفة ( نفط، غاز البوتان، غاز الميثان، الفحم الحجري، النفط الصخري، ...إلخ)  لا يمكن لها عبور الغلاف الجوي إلى الفضاء الخارجي، و إنما تبقى في الطبقات العليا للغلاف الجوي لتعمل كحاجز صد يمنع خسارة الغلاف الجوي للحرارة التي يمتصها من أشعة الشمس في منطقة تماسه مع الفضاء الخارجي، و هو ما يؤدي إلى زيادة الحرارة في الغلاف الجوي، و امتصاص لاحق من قبل المحيطات لتلك الحرارة، و الذي يقود بدوره إلى ذوبان جبال الجليد العملاقة في القطب الشمالي، مؤدياً إلى ارتفاع منسوب مياه البحر في حلقة مفرغة تقود نتائجها حتمياً إلى تفاقم أسبابها.

معلومات يحق لكل قارئ عربي أن يعتقد بثانويتها، و عدم راهنيتها في معاناته اليومية مع القهر، و الاستبداد، و الإفقار، و التهميش، و هذا حق منطقي للوهلة الأولى فقط؛ حيث أنّ الكارثة المناخية متعددة الأقطاب و متداخلة المفاعيل على حياة الإنسان العربي من المحيط إلى الخليج. إنها تعني و خلال نصف قرن من الزمان، و بشكل واقعي يستند إلى أبحاث علمية رصينة بأن حياة عشرات الملايين من أبناء العرب سوف تكون مهددة ليس في غمر مساكنها بمياه البحر بالشكل التراجيدي المستبصر علمياً و حسب  في دلتا النيل، و أهوار البصرة، و الكويت، و الساحل الليبي، و أبوظبي ... إلخ، و إنما تعني فيما تعني زيادة معدل التبخر المائي من سطح الأرض جراء ارتفاع الحرارة المضطرد، و الذي سوف يُسهم في تعزيز صعوبات ري المحاصيل الزراعية في المنطقة العربية، بالتوازي مع كارثة خسارة الملايين من الهكتارات المناط بها تأمين كفاية الحد الأدنى من الأمن الغذائي الهش للملايين من العرب، وهو ما سوف يعني كارثة غذائية بالمعنى المباشر للكلمة قد تفصح عن نفسها بمجاعات تنتظر أوانها لافتراس الملايين من مُفقَري الشعوب العربية.

و هي أيضاً  كارثة مائية في سياق تفاعل إرهاصات زيادة معدل التبخر المائي من قشرة الأرض الناجم عن ارتفاع معدل حرارة الأرض، بالتوازي مع زيادة العدد السكاني المضطرد في المنطقة العربية، و احتمالات خسارة مساحات واسعة من الأراضي الصالحة للزراعة حينما تغمرها مياه البحر كما يحدث راهناً في أهوار البصرة، مما سوف يقتضي تحقق نظرية احتمالات أن تكون حروب المياه هي الشرط الحتمي من النصف الثاني من القرن الواحد و العشرين، لتُفتح الأبواب على حروب إقليمية بين الدول العربية العطشى و جيرانها الذين لن يكونوا بحال أحسن منها كثيراً في ضوء الكارثة البيئية الكونية الكليانية، في صراع مهول للسيطرة على منابع الأنهار التي تمر فيها، و التي لن تعود الحصة التي تحصل عليها راهناً أي دولة متشاطئة من تلك الأنهار كافية بأي شكل لتلبية احتياجات درء الجوع الكافر الذي لن يبقي للدبلوماسية السياسية مكاناً، إذا كان التاريخ محقاً في سرده لمنهجية السياسات الوحشية المنبثقة من المجاعات.

و هي كارثة جغرافية اقتصادية مزدوجة تحمل في طياتها مخاطر تفاقم زحف التصحر على المناطق الحضرية التي لن تستطيع في المستقبل هدر أي قطرة ماء لإرواء حزاماتها الخضراء المهلهلة، و أشجارها المنهكة من عطشها المزمن لدرء غيلان التصحر المتربصة بها، و حيث سوف يقود ازدياد معدل التبخر من سطح اليابسة الناجم عن ارتفاع درجات الحرارة كونياً إلى تكسر قشرة التربة الكلسية الهشة في الكثير من البوادي التي تقوم عليها الكثير من الحواضر العربية لتصبح بذاتها رمالاً تستعد لاستقبال رمال جديدة عليها من كثبان الصحراء التي تنتظر الأوان الملائم للانقضاض على الكثير من الحواضر العربية، وخاصة في دول الخليج العربي. و يفصح عن نفسه البعد الاقتصادي لتلك الكارثة الجغرافية الاقتصادية باضطرار تلك الدول العربية إلى تخفيف صدمة الكارثة الجغرافية بزيادة الإنفاق مما راكمته من ثروات متواضعة بالقياس العالمي، و التي يشترط بأنها حق للأجيال القادمة تستطيع استثماره في أنشطة تقي من شر التفتت الوطني في المستقبل عقب نفاذ مصادر الاقتصادات الريعية القائمة بشكل شبه مطلق على استخراج النفط و الغاز في تلك الدول، و هو ما سوف ينعكس في تفاقم مهول لما ظهرت بواكيره فعلياً في عجز ميزان المدفوعات في أكثر من دولة خليجية، و الذي قد يؤدي إلى ترك الأجيال القادمة خاوية  الوفاض و الجيوب حينما تطل الكارثة البيئية بوجهها الأكثر توحشاً خلال نصف قرن من الزمان.

نعم إنها كارثة بيئية، غذائية، مائية، اقتصادية، جغرافية، مركبة، لا يمكن للشعوب العربية الإجابة عليها في ضوء غياب كل مقومات المجتمع المدني القادر على تحقيق إرادة الشعوب قليلاً أو كثيراً، دون أن يكون وكيلها الافتراضي سجانها و جلادها في آن معاً. و حقاً إنها كارثة مهولة لا خِيار للأجيال العربية في اعتبار مواجهتها جزءاً عضوياً من واجبها الملح في إحياء حقّها الطبيعي في الانعتاق من مستبديها، و توطيد مجتمعاتها المدنية الحرة القادرة على التفكر، و الاجتهاد، و العمل الفاعل للتعامل مع أسباب و مفاعيل الكارثة البيئية المحدقة بدل من القعود و انتظار حلولها المنفلت من كل عقال خلال نصف قرن من الزمان، و التي تعرف عن نفسها بشكل تراجيدي مكثف بأنها وأد لمستقبل للأجيال العربية القادمة و حقها البديهي في الحياة.   

 

د. مصعب قاسم عزّاوي

كاتب سوري مقيم في لندن