الموقع الشخصي للدكتور مصعب عزَّاوي

القدس العربي -02/12/2014

يستطيع المتابع المدقق أن يرى الخفوت شبه المطلق لذكر كل ما يرتبط بالفاجعة السورية  في الإعلام الغربي، إلا باستثناء تغطيات اختزالية يخالطها دائماً تقطير مريب لمأساة  الشعب السوري لتُرى من زاوية منحرفة بكونها اقتتالاً بين مجموعات من الشياطين بألوان داعشية و أخرى أسدية ليس لاندثار أي منهم قيمة تستحق النظر بها سوى أنها حفنة من الإحصائيات الأرقام، و حفنة من الأخبار الهامشية في الزوايا المعتمة من أحياز الإعلام الغربي تتعلق بالتحركات الدبلوماسية الغربية حول المسألة السورية والتي تبدو وكأنها من منطلق الحفاظ على الحد الأدنى من الموضوعية أمام المتابعين و المدققين، ودون الدخول في أي تفاصيل حقيقية تمس جوهر المأساة السورية والمعاناة المهولة التي يعيشها الإنسان السوري.  والتي بتغطيتها الموضوعية و الحقة و الشفيفة  يمكن تحريك الرأي العام في الدول الغربية ليلزم حكوماته بالتحرك العياني المشخص و فعل ما هي قادرة على فعله إن شاءت و تجاوزت حالة الرياء المزمن منذ انطلاقة الثورة السورية، و هي لا زالت تتلطى بحجة الفيتو الروسي المعطل الذي استمرأته دائماً، و جعلها تظهر بأنها لا حول لها ولا قوة إلا بعد زوال ذلك الأخير، و هو الذي لن يزول  إلا باتفاق مضمر بين كل الأطراف الفاعلة في الأزمة السورية و هو ما يبدو بعيد المنال في ضوء التوازنات السياسية الدولية الراهنة. فكانت تلك الحلقة المفرغة التي شكلت طوق النجاة للساسة  الغربيين القادرين على الفعل حقاً يعززها تثيبت لذلك الواقع من خلال قوانين لعبة الإعلام الغربي المصمت فيما يخص الجلجلة التي يكابدها عمودياً و أفقياً كل أبناء الوطن السوري المزيق بكل فئاتهم و طبقاتهم و شرائحهم .

 وفي ذلك السياق يظهر العامل الذاتي بكينونته السورية المتفاعلة دائماً ولحظياً مع الظرف الموضوعي المذكور آنفاً ليفتح ثقباً واسعاً تتسرب منه العديد من الفرص السانحة لشرح قضية الشعب السوري للرأي العام الغربي بهدف تحريكه ودفع حكوماته لاتخاذ موقف حقيقي ملموس سواءً بدعم الشعب السوري بشكل يمكنه من إنهاء فاجعته بيده، أو الإيعاز لبعض الأطراف العربية أو الإقليمية للقيام بذلك، و هو الذي ما زالت تلك الأخيرة محجمة عنه فعلياً بسبب غياب الضوء الأخضر لها بالقيام بذلك بعد أن طال انتظارها له.

ويمكن تشخيص العامل الذاتي السوري من الناحية التطبيقية بنموذجين اثنين لغرض التوصيف المنهجي لا الحصر المطلق. الأول منها يتمثل في ضعف الأداء الإعلامي للهياكل التنظيمية التي تعرف عن نفسها بأنها الكيان العياني المشخص للحامل الاجتماعي للثورة السورية بكل أطيافه؛ والذي تمثل في وجود خطة ثابتة لا تتزعزع تقوم على التفاعل السلبي المنفعل مع الحالة الإعلامية في الغرب، بحيث يكون هناك أفراد من تلك التنظيمات والهياكل السياسية السورية جاهزون لإعطاء تصريح لأي وسيلة إعلام أجنبية إن طلب منهم ذلك دون أن يسعى صاحب التصريح بعد ذلك لكي يتابع كيف تم استخدام تصريحه وإدماجه في النسق الإعلامي الغربي أو حتى الاجتزاء المخل منه، لأن المهمة الأولى و التي تبز كل ما سواها تتمثل في قيادة  المعركة الإعلامية والخطابية على شاشات الأقنية العربية لتحقيق نصر مؤزر هناك يمهد لسقوط النظام السوري وكشف حقيقته أمام كل المشاهدين العرب.

والعنصر الثاني يتمثل في الغياب شبه المطلق لأي عمل منظم للعلاقات العامة ونشاط ومجموعات الضغط (Lobbying) منبثق من الهياكل التنظيمية للكيانات السياسية السورية الثورية السالفة الذكر، والتي وجدت في التواصل مع الإدارات السياسية في الدول الغربية مدخلاً لتحقيق القناعة والسكينة بأنها لم تدخر جهداً في شرح قضيتها بكل براعة لفظية وعاطفية لا تعني رجال السياسية في الغرب، الذين يعنيهم فقط هو عدم تحرك الرأي العام والمؤسسات الإعلامية و الصحفية والمنظمات غير الحكومية في دولهم في اتجاه غير الذي يرغبون أن تجرى الأمور بها، مما يقتضي منهم حتماً تغييراً في استراتيجيات أدائهم السياسي حسب قواعد اللعبة السياسية في العالم الغربي، وبتحركات استباقية تسعى دائماً للتناغم مع أهواء تلك القوى المجتمعية  التي يحسب الساسة الغربيون لها كل الحساب، وليس لسواها الذي ليس له أي قيمة، وخاصة إن كان يقع خارج حدود دولهم، ومن ضمنه أي انتهاك مريعة لحقوق الإنسان في سورية أو غيرها مادامت لم تصل إلى أعتاب عقول وقلوب شعوبهم في العالم الغربي، و الذي لابد لعمل السوريين القادرين جميعهم أن يتجه إليهم بشكل فاعل ومنظم بدل الانشغال المستديم بالمنازلات السجالية الاستعراضية وخطيئة استلهام الحسرة و القعود بأنه ليس بالإمكان أفضل مما كان.

 

مصعب قاسم عزّاوي