الموقع الشخصي للدكتور مصعب عزَّاوي

القدس العربي - 21-11-2015

قد يكون الحديث عن استسهال التخوين، و القتل المعنوي، و الاتهام بالعمالة، و خيانة الوطن، و الارتهان للخارج، و استمراء المتلقي لكل تلك التطبقات من الاتهامات واستبطانه لها، و إعادة إنتاجها و الزيادة التطوعية عليها كلما تمّ إعادة تدويرها، موضوعاً نافلاً عن الحاجات و الأزمات الضاغطة في المجتمعات العربية اللاهثة للبقاء بين الأمم الحية سواءً في لُج طوفان الطغاة و ما استتبعهم من فقر، و جوع، وقهر معاش يومياً بدرجات و تلاوين و إخراجات متباينة لا تغير من جوهر تلك الأقانيم الراسخة في حيوات جُلّ العرب. ولكنه حديث واجب وضروري في سياق الحضور الكلياني لثقافة التخوين و القتل المعنوي في منطوق الحياة العربية خصوصاً، بالقياس مع وزنها النوعي في ثقافة المجتمعات الأخرى سواء في الشرق أو الغرب من أركان المعمورة.

 

و قد يكون التحليل الثقافي الاجتماعي مدخلاً ملائماً للتفكر في عمق ظاهرة القتل المعنوي وربطها بثقافة الترهيب، و القمع، و المجتمعات المنزوعة السياسة و حرية التعبير، و الدولة الأمنية المستأسدة، التي فيها الكل مدان تحت الطلب حسب تكثيف المفكر العربي طيب تيزيني. ويحيل المنهج الثقافي الاجتماعي أيضاً إلى أن القمع يعيد إنتاج القامعين من أولئك المقموعين أصلاً وفق منهجية استبطان فكرة القمع كمنهج للعلاقات بين البشر الأنداد، و التماهي مع الجلاد في انسحاق على الطريقة الفرويدية يذوب عقل الذات النقدي في حوض وعي الذات الجمعية المستباحة، و آلياته الآسنة في رسم حدود وخرائط و أدوات نظم العلاقات بين البشر. و هو الوعي القمعي نفسه الذي يحيل صاحبه إلى سلوك وحشي يوصف عامياً بشخصية ( الشبيح) أو ( البلطجي) الذي يغيب في منظاره الحد بين الحق و الباطل، و الخطأ و الصواب، ويحل في موقعه منظار ينظر إلى العلاقات بين البشر كما لو أنها استنساخ عن آليات العلاقة في الغابة يحكمها البقاء للأقوى، و الأكثر قدرة على تهميش، و تصفية الآخرين، سواء بشكل عياني ملموس أو بشكل اغتيال معنوي مخاتل.

ويرتبط عضوياً بثقافة الترهيب و مفاعيلها في العقل العربي نسق الوشاية، و المنزلة الخاصة للواشي في مجتمعات الدولة الأمنية، وحظوته لدى أولي الأمر. وهو نسق تحوّل معرفياً، و عبر سنوات طويلة من عمر أجيال عربية لم تعرف سوى القمع، و القهر وسيلة لضبط العلاقات في مجتمعاتهم، وسوى التقرب من أولي الأمر انتهازياً، و عبر الوشاية في كثير من الأحايين بما هو صحيح أو بما تمّ تأويله أمنياً، ليصبح ذلك النسق بمثابة مقدمة طبيعية لحكم جائر باستئصال من وقعت الوشاية بحقه. و هو نسق تصدّر في سياق ترسخه اجتماعياً لأن يكون الأرضية المثلى لتلاوين وتنويعات لا تغير من أُسّه الأشوه في إخراجات اجتماعية متعددة  لمنهجية التخوين و القتل المعنوي، تمثل استمراراً منطقياً لمفاعيل و أدوات ثقافة الوشاية و العقل الأمني عربياً.

و قد يكون غياب قيمة العمل من قاموس التقييم الاجتماعي لمكانة الأفراد في شبكتهم، و حوضهم الاجتماعي، لتكون قيمة هامشية تقبع في ظل القيم الاجتماعية الأخرى سواء كانت مادية مستحدثة في سياق الاندماج الأشوه للمجتمعات العربية في نسق الإنتاج العالمي الرأسمالي كعنصر مستهلك منفعل، أو في سياق الاستحضار التاريخي لمنظومة قيم المجتمعات ما قبل الوطنية التي لم تبارح أي من المجتمعات العربية سواء في بنياتها المرتبطة بالإقطاع، و المجتمعات الماقبل صناعية، و المرجعيات القبلية، و العشائرية، و المناطقية أو حتى الإثنية، و المذهبية التي تكاد تحول الآخر في حالات كثيرة إلى حيز الآخر الضد فيصبح من ( أولئك) الذين يحل استباحتهم و قتلهم معنوياً، فهم أصلاً (أغيار) لا ينطبق عليهم أصول الضبط الأخلاقي المرتبط عضوياً بآليات عمل و أعراف المجتمعات الماقبل وطنية. بينما قيمة العمل هي القيمة الأولى في تصنيف المكانة الاجتماعية للبشر في تصنيف المجتمعات المتحضرة، و هي قيمة صرفة تستند إلى تقييم مساهمة الفرد في ديمومة حياة المجتمع بغض النظر عن وزنها المادي، أو هيبتها المعنوية في حالة عمل كل فرد بعينه.

ويجادل رهط من المفكرين العرب بأن تسيد الفقر، و الاستلاب الاجتماعي الاقتصادي، و اقتران اقتصاد الوفرة في بعض الدول العربية بنمط إنتاج ريعي غير إنتاجي، واعتبار الفساد و الإفساد حالة نمطية و طبيعية في أسلوب حكم المجتمعات العربية، و هو ما يؤدي في جماعه إلى إنتاج فئات هامشية مفقرة عاطلة عن العمل تمثل الجزء الأكبر من القوة البشرية العربية التي يفترض بها المشاركة في عملية إعادة إنتاج حيوات أفرادها، وحياة المجتمع الذي يتشاركون فيه. وهي نفسها الفئات الهامشية التي تتلقى باضطراد صبيباً متواتراً من أبناء المفقرين الجدد من أبناء الطبقات الوسطى الذين لم يعودوا قادرين على التمسك بموقعهم كأفراد في الطبقات الوسطى المتآكلة، مما اضطرهم قسراً إلى التهاوي إلى العمق الهامشي في المجتمع، و الانضباط على إيقاع بنياته الناظمة له، وخاصة فيما يتعلق في وفرة وقت المهمشين العاطلين عن العمل، و هو الذي يتوجب هدره في شكل ما، وتناسي معايير الطبقات الوسطى التي تمثل منبع النواظم الأخلاقية في كل المجتمعات البشرية كجزء من دورها الطبيعي في بناء كل المجتمعات و الحفاظ على ما أنتجه أسلافها من منظومات قيمية لحماية المجتمع الذي ينتجونه ويتفاعلون فيه، و التي لا تحتمل استدماج أدوات التخوين و القتل المعنوي لتنافرها وظيفياً مع الدور البنيوي لتلك المنظومات القيمية في التكوين الاجتماعي للطبقات الوسطى.

وقد يستقيم الحديث في ذلك السياق عن ظاهرة المثقف المرتزق، وهو محترف لصنعة القلم و الكتابة دون أخلاقها، يستمرئ العمل كقاتل مأجور متخصص في الإعدام المعنوي سواء كان مضطراً لضيق حاله، أو متلذذاً بفعل الارتزاق، و الذي يجد أرضيته الخصبة للاستشراء في المجتمعات العربية في ظل ضيق حال الكثير من الكتاب، و تغييب ثقافة الحوار، والجدل العقلاني كنتيجة طبيعية لتسيد ثقافة الترهيب، والدولة الأمنية، ليصبح الاختلاف مصدراً للعداوة التي تبرر للمثقف المرتزق قيامه في تنفيذ حكم الإعدام المعنوي دون حياء أو وجل.

و في نفس السياق قد يصح الإشارة لما يراه بعض المفكرين العرب في مكانة الأنا المتورمة في الذهنية العربية المستقاة من ثقافة التفاخر، و التبجح بلا سند، ومثالها الأكثر نصوعاً في الثقافة العربية شخص وشعر أب الطيب المتنبي. وهي نفسها الأنا المتورمة التي لا تبصر في الآخر سوى جرحاً نرجسياً محتملاً يستحق السحق بحق أو بغيره، و قد يكون الاغتيال و التصفية المعنوية أكثر الأدوات نجاعة في تحقيق ذلك الهدف الجائر. إن استبطان جريمة القتل المعنوي، و إعادة إنتاجها ظاهرة فكرية سرطانية في العقل العربي تستوجب العقلنة والترشيد من الجيل العربي المعاصر، المناط به النضال للحفاظ على الحد الأدنى من ممكنات العيش الطبيعي مستقبلاً في المجتمعات العربية في لج التهديدات الوجودية الذاتية و الموضوعية التي تحيق بها. فالكل خطّاء سالفاً، وراهناً، ومستقبلاً. وكون الإنسان بلا خطيئة هو رابع المستحيلات بعينه. و إن العقل الرشيد يقتضي بأن لا يرجم أحد غيره، ويفتأت عليه، ويقتله معنوياً دون التعقل بعين وقلب مستبصرين رشيدين.

 

د. مصعب قاسم عزّاوي

كاتب سوري مقيم في لندن