الموقع الشخصي للدكتور مصعب عزَّاوي

القدس العربي - 26-06-2015

نشرت صحيفة الغارديان البريطانية مؤخراً تقريراً عن مقتل الطفل محمد تويمان الذي لم يتم ربيعه الثالث عشر، بنيران الطائرات الأمريكية بدون طيار التي يفترض استخدامها للنيل من عناصر تنظيم القاعدة حسب ماكينة الدعاية الأمريكية. و هو الطفل نفسه الذي قامت في العام 2011 الطائرات نفسها بقتل والده وشقيقه الطفل الآخر حينما كان يرعيان الجمال التي تمتلكها عائلة تويمان في سهوب مأرب اليمينة. و حسب الرواية الرسمية الأمريكية فإن العملية التي قتل فيها محمد وقبلها العملية التي قتل فيها والده و أخوه وهما يرعيان جمالهما كانت " عملية نوعية للمخابرات المركزية الأمريكية CIA  قتل فيها ثلاثة رجال يعتقد أنهم من العناصر المسلحة لتنظيم القاعدة" و عند سؤال صحيفة الغارديان بشكل مباشرة لوزارة الدفاع و وكالة  المخابرات الأمريكية لتأكيد مزاعم كون الطفل محمد تويمان عنصراً مسلحاً من تنظيم القاعدة، رفضت المؤسستان الإجابة و التعليق حسبما جرت عادة المؤسسات الرسمية الأمريكية الإجابة و التعليق على أي من انتهاكاتها لحقوق الإنسان و القانون الدولي.

 

و للمفارقة المأساوية فقد كانت صحيفة الغارديان نفسها قد أجرت مقابلة مع الطفل محمد تويمان نفسه قبل أشهر قليلة من مصيره التراجيدي تحدث فيها عن ’’رؤيته لماكينات القتل الطائرة يومياً، و عن أن الكثير من أقرانه الأطفال في المنطقة يستيقظون من نومهم على كوابيس مذعورين من تهيؤ آلات القتل الطائرة، حتى أن بعضهم أصبح يعاني اضطرابات عقلية. فلقد أصبحت المنطقة التي يعيشون فيها في مأرب كما لو كان جهنم وأرض لرعب لا ينقطع ‘‘ و أردف محمد الطفل ببلاغة الكهول مختزلاً بها حزنه المقيم ’’ نحن في عيونهم لا نستحق الحياة مثل باقي البشر في الأرض، و أننا ليس لدينا مشاعر أو عواطف، و أننا لا نشعر بالألم أو نبكي مثل كل البشر في هذه الأرض.‘‘ليتحول بعد تلك المقابلة بأشهر قليلة جسد محمد الطفل اليمني النحيل إلى جثة متفحمة ليس لها معالم لتظهر عمق الخوف و الأسى المقيم الذي كابده الطفل محمد و كل أقرانه من الأطفال الذين يعيشون تحت رعب أنظمة القتل الأمريكية عن بعد في اليمن، و فلسطين، والعراق، وسورية، وأفغانستان، وباكستان، وليبا، والسودان، والقائمة تطول لما يصفه المفكر نعوم تشومسكي بالميزة الفارقة لعقيدة الرئيس أوباما الحائز على جائزة نوبل للسلام  القائمة على "قتل جميع الأعداء المحتملين"، و اعتبار الضحايا المدنيين ضمن هامش الخطأ المقبول، في تناقض مع عقيدة سلفه جورج بوش الابن القائمة على "اعتقال جميع الأعداء ورميهم في السجون السرية و تعذيبهم للاعتراف بما تريده الإدارة و الماكينة الدعائية الأمريكية".

حسب جوان كول Juan Cole ، أستاذ التاريخ في جامعة ميتشيغان في الولايات المتحدة، فإن عدد الضحايا من المدنيين بنيران الطائرات الأمريكية من دون طيار في باكستان وحدها يتراوح بين 423- 962 يضاف لهم من الأطفال ما يتراوح بين 172-207 حيث تختلف الإحصاءات حسب المصادر المستقلة و أهمها مكتب الصحافة الاستقصائية في لندن. و يضيف الأستاذ كول بأنه لا يوجد في القانون أو الدستور الأمريكيين أو القانون الدولي ما يخول في الولايات المتحدة في قتل من تراه "عدواً لها في أي مكان في العالم دون محاكمة عادلة"، و خاصة أن تعريف القانون الدولي لقواعد الاشتباك الحربية يشترط "أن يكون هناك حالة حرب بين دولتين"، و لا يوجد تعريف في ذلك القانون الدولي عن حالة حرب تقوم بين "دولة من طرف و أفراد و منظمات من الطرف الآخر" لينطبق عليها التعريف التقني لقواعد الاشتباك الحربي، خاصة أن الولايات المتحدة ليست في حالة حرب مع أي من الدول التي تسرح و تمرح فيها ماكينات القتل الطائرة التي تديرها عن بعد.

لا يمكن لمطلع أن ينكر قيام الولايات المتحدة بتصنيع تنظيمات الإسلام الجهادي، و المجاهدين الأفغان لمحاربة الاتحاد السوفيتي في أفغانستان في ثمانيات القرن المنصرم، و من ثم تصدير أولئك إلى دولهم الأصلية عقب انتهاء الحاجة النفعية للأمريكان بهم، ليكونوا بمثابة خلايا نائمة أو سرطانية نخرت المجتمعات العربية جميها و دون استثناء، و كان آخرها النبت الداعشي الذي يكاد يلتهم أرض الرافدين و الشام معاً. و على الرغم من أن برنامج القتل عن بعد الذي دأبت عليه الإدارات الأمريكية الثلاثة الأخيرة، واعتمدته إدارة أوباما رأس حربة تكتيكية و دعائية في آن معاً، لم يثمر في أي تراجع لجبروت التنظيمات الجهادية، ولكن يبدو أنه أفلح و يفلح فعلياً في تشتيت الجهاديين بفكرهم و تنظيمهم الحديدي الذي تم تصميم بنيانه ومنهج عمله في الولايات المتحدة لصالح الآباء المجاهدين الأفغان، ليهربوا من منطقة ينالها القصف الموجه عن بعد إلى منطقة أخرى، كما حدث في انتشار المجاهدين إلى كثير من أقاليم باكستان عقب الغزو الأمريكي لأفغانستان، ليقوم أولئك الأخيرون بدورهم المقدس في تخريب المجتمعات التي التجأوا إليها، ودفعها عنوة بقوة الحق الإلهي إلى أتون التطرف و الاحتراب الأهلي على طريقة طالبان الأفغانية. و الأخطر من ذلك كله هو الذي تحدث عنه شقيق الطفل الشهيد محمد تويمان الذي طالما اجتهد اجتماعياً، وقانونياً، و قضائياً ليثبت للجميع بأنه و عائلته بريئون من أي علاقة بتنظيم القاعدة: ’’ لا تلمن أحداً إذا تعاطف مع تنظيم القاعدة، لأنهم هم الوحيدون الذي أظهروا وجوههم لنا نحن البريئين من أي علاقة بهم، حكومة اليمن لم تفعل شيئاً، و الأمريكان تجاهلونا لأننا فقراء وضعفاء، و رفضوا إعطاءنا أي تعويضات. سوف نذهب إلى المحاكم اليمنية لنثبت أن كل ذلك خطأ‘‘. وها هو الآن اليمن الحزين، و قبله سورية، والعراق، و أفغانستان، و ليبيا جميعها قد دخلت في نفق الدول الفاشلة، التي ليس فيها محاكم لتنصف محمد و أمثاله من المدنيين و الأطفال، حتى يكاد يبدو لكل مراقب حصيف بأن برنامج طائرات القتل من دون طيار ليس برنامجاً للقتل عن بعد فقط، و إنما برنامجاً لتصنيع و توليد المجاهدين، و نشرهم في أرجاء المعمورة ليقوموا بتوطيد أركان  الحرفة الأمريكية القديمة الجديدة في صناعة التطرف و المتطرفين.

 

د. مصعب قاسم عزّاوي

كاتب سوري مقيم في لندن