الموقع الشخصي للدكتور مصعب عزَّاوي

القدس العربي - 12-08-2015

بدأت منذ أيام قليلة، و للمرة الأولى في تاريخ المحاكم الوطنية على الصعيد العالمي، في العاصمة السنغالية داكار محاكمة ديكتاتور تشاد حسين حبري بجرائم ضد الإنسانية خلال فترة حكمه البوليسي الأمني بين 1982- 1990 الذي قام بتصفية حوالي 400000 من معارضيه على امتداد فترة حكمه. و حسين حبري الذي صعد إلى هرم السلطة في تشاد بترتيب أمريكي كان العملية السرية الأولى التي قامت بتنفيذها إدارة الريس الأمريكي السابق رونالد ريغان هادفة منها إلى تشكيل نظام عسكري فاشي يمثل حائط صد قادر على لجم طموحات معمر القذافي في توسيع نفوذه جنوباً باتجاه و وسط وجنوب القارة الأفريقية. و لقد قام نظام حسين حبري أساساً على سطوة الجهاز الأمني التابع للمؤسسة الرئاسية و الذي كان يسمى اختصاراً DDS، و الذي كان يحظى بالتدريب و الدعم التقني المباشر و الدائم من أجهزة الاستخبارات الأمريكية، و كان مسؤولاً عن عمليات التعذيب و التصفية الجسدية لمئات الآلاف من الضحايا الذي جاهد من بقي منهم على قيد الحياة و منذ العام 1999 لجلب حسين حبري إلى قفص العدالة، و إن كان في دولة أخرى ليست تشاد نفسها، و هو ما تم لهم في محاكمته على أرض السنغال.

 و تفتح ملحمة ضحايا حسين حبري لكل مراقب عربي أبواباً مهولة من التساؤلات الضاغطة على عقول و ضمائر الملايين من العرب الذين تعرضوا ولازالوا يتعرضون لنفس منظومة القهر، و الظلم، و القمع، و الفساد التي شكلت السمة الجامعة لنظام حسين حبري و الكثير من رموز الأنظمة القمعية على امتداد الجغرافيا العربية، الذين لما يزل معظمهم آمناً من إحقاق حقوق المظلومين سواءً في قبره أو في حياته الرغيدة.

و يتمثل التساؤل الأول الضاغط على المراقب العربي في إلحاحية سبر نفاق المجتمع الدولي و مؤسساته مشخصة بكيان المحكمة الجنائية الدولية التي لازالت عاجزة عن أي ملاحقة فعلية لأي طاغية عربي، معللة ذلك بصعوبة تدخل المحكمة الجنائية الدولية دون إحالة مباشرة إليها من مجلس الأمن الدولي، الذي ينظمه قوانين لعبة الكبار الذين لا يعنيهم معاناة المقهورين في دول العالم الثالث، كما هو الحال واقعياً في المأساة السورية مثالاً، دون أن يعني أياً من المبررين المتحذلقين- سواءٍ من الساسة الغربيين، أو التكنوقراط القانوني في المؤسسات الدولية، أو المتواطئين الضمنيين من العاملين في الحقل الإعلامي بشقيه العربي و الغربي- الحديث الواقعي عن قوانين عمل المحكمة الجنائية الدولية كما هو مدرج  في نظامها الداخلي الذي يشير حرفياً إلى أن "التحري الأولي لمدعي المحكمة الجنائية الدولية يمكن أن يتم بناءً على؛ أولاً: قرار المدعي الأخذ بالاعتبار أي معلومات حول جرائم تمت في حيز الولاية القضائية للمحكمة الجنائية الدولية ثم تقديمها من قبل أشخاص، مجموعات، دول، منظمات حكومية أو غير حكومية؛ أو ثانياً: إحالة من مجلس الأمن أو من دولة عضو في المحكمة الجنائية الدولية ... إلخ"

و ذلك البند الأخير هو الذي بناءً عليه قامت دولة بلجيكا بتقديم إحالة بتاريخ 19-02-2009 إلى المحكمة الجنائية تطلب فيها إلزام دولة السنغال التي يعيش فيها حسين حبري بقوة القانون الدولي بأن تحاكمه على أراضيها لما ارتكبه من جرائم ضد الإنسانية، أو تقوم بتسليمه إلى المحكمة الجنائية الدولية معللة بأن عدم القيام بذلك يمثل" انتهاكاً للالتزام الدولي العام بقمع الجرائم ضد الإنسانية". و بالفعل تم لبلجيكا ما تريده، فامتثلت السنغال لطلب المحكمة الجنائية الدولية، و تم الشروع في إجراءات محاكمة حسين حبري في المحاكم السنغالية بموجب القانون الدولي و المحكمة الجنائية الدولية فيما يخص الجرائم ضد الإنسانية. و هنا ابتدأ جهاد المظلومين يعطي أكله بعد ربع قرن من نضالهم حينما قرر الغرب انتهاء صلاحية حسين حبري، و إمكانية تركه لمصيره المحتوم بعد ربع قرن من تأجيل ذلك. و تلك الملحمة أظهرت بجلاء إمكانية إحالة كل الطغاة العرب الذين قتلوا، و شردوا، و نفوا، و غيبوا، و يتموا، وثكلوا أضعافاً مضاعفة من أولئك المظلومين من ضحايا نظام حسين حبري، و لازالت الدول الغربية و أبواقها الإعلامية، و من لف لفيفيها من المؤسسات الإعلامية العربية تتلطى خلف الترديد الببغائي لتبرير التأخر المخزي في إحقاق العدالة، و إنصاف الملايين من ضحايا الطغاة العرب في غير موضع من جغرافيا الحداد المقيم في الأرض العربية.

و قد يكون التساؤل الضاغط الثاني هو عن تمكن المؤسسات القضائية في دولة مفقرة مثل السنغال بدعم متواضع من مؤسسات الاتحاد الأفريقي من تأصيل بنية قضائية قادرة على تلبية متطلبات إجراء محاكمات وفق القانون الدولي، و هو الذي قد يكون ضرباً من المستحيل التفكر في توطيده في أي من المؤسسات القضائية العربية المخترقة عمقاً وسطحاً بقوة النظم الحاكمة، و مصالحها الأخطبوطية، و توازناتها الداخلية التي من النادر ابتعادها عن رباعي النظم الاستبدادية المستأثر بالسلطة و الثروة و الإعلام و الحقيقة حسب توصيف المفكر السوري طيب تيزيني.  

و ذلك التساؤل الأخير هو نفس التساؤل الذي يحيلنا بشكل بديهي إلى تذكر عجز جامعة الدول العربية و مؤسساتها عن الإتيان بالحد الأدنى مما تفعله نظيراتها المنبثقة عن الاتحاد الأفريقي، لتؤكد أن عجز جامعة الدول العربية و تحولها عبئاً، و عائقاً في وجه طموحات الملايين من المظلومين العرب الحالمين بالكرامة، و العدالة الاجتماعية، و إحقاق الحق، و إنصاف المظلومين بالشكل الذي افصح عن نفسه في طوفان الربيع الثوري العربي في غير موضع، لم يكن إلا نتيجة طبيعية للإخفاق البنيوي للنظم العربية التي لازالت عبارة عن استنساخات مشوهة عن نظام حسين حبري لم تفلح كل أقنعة الايدلوجيا، و التزويقات الدعائية، و الاختلاقات الترقيعية في تعمية بؤسها الراسخ في ضمائر أمة الصابرين المصابرين المستبشرين بوصول أقرانهم من مظلومي حسين حبري إلى حياض تحقيق العدالة و إنصاف ضحايا الاستبداد، الذي لاريب في قدومه على أمة المظلومين العرب، ولو بعد حين.

 

د. مصعب قاسم عزّاوي

كاتب سوري مقيم في لندن