الموقع الشخصي للدكتور مصعب عزَّاوي

القدس العربي - 30-06-2015

تضمّن تقرير نادر لوكالة رويترز صدر في الثاني من يونيو من العام الجاري، توصيفاً مكثفاً و منقطع النظير لممارسات التعذيب في السجون الأمريكية للمتهم ماجد خان في سجون وكالة الاستخبارات الأمريكية على الأراضي الأمريكية نفسها، و في معتقل غوانتنامو لأكثر من عشر سنوات. تضمّن التقرير تفاصيل مهولة، و موثقة في أرشيف المخابرات الأمريكية، و متطابقة مع إفادة المتهم لمحاميه، تضمنت الإطعام المتكرر عن طريق الشرج عنوة " بتحضير وجبة الإطعام الشرجي المؤلفة من المعكرونة، و الحمص، و الصلصة، و المكسرات، و الزبيب وزرقها في شرج المتهم" حسب ما ورد حرفياً في المراسلات الداخلية للمخابرات الأمريكية، على الرغم من أن التحقيقات اللاحقة تؤكد على تعاون المتهم ماجد خان الكامل و عدم وجود حاجة تقنية لما تم توصيفه من قبل محامي خان بالاغتصاب المتكرر لموكله. هذا عدا عن عدم وجود أي سبب طبي يبرر تلك الممارسات الخطيرة التي قد تؤدي إلى انثقاب الأمعاء الغليظة ووفاة المتهم بسبب الإطعام المتكرر عن طريق الشرج . و يلخص التقرير عذابات ماجد خلال تعرضه للتعليق لأيام طويلة في غرف مظلمة، و تعذيبه بالإيهام بالغرق Waterboarding، و التجويع، و الحرمان من النوم، و التبريد بالجليد لجسده العاري، وتصويره عارياً خلال جلسات التحقيق، التي "أثمرت" في ختام أحدها عن توقيعه لاعتراف طالما حاول سجانوه انتزاعه منه و لسنوات طويلة، وهو عارٍ، منهك العقل و الروح و الجسد بعد تعليقه بأصفاده ليتدلى من عمود حديدي لأكثر من 24 ساعة، كما لو أنه استنساخ  للطريقة التي تعارف الشعب السوري المظلوم على تسميتها بتقنية "الشَبْح" التي أدمنت أجهزة المخابرات السوري استخدامها للتنكيل بالسوريين لعقود طويلة.

 

وقبل أيام قليلة من تقرير وكالة رويترز السالف الذكر، تم الإفراج بكفالة من إحدى السجون الكندية عن الشاب الكندي من أصل مصري عمر خضر، بعد ثمان سنوات قضاها في معتقل غوانتنامو الأمريكي، و هو الذي اعتُقِل طفلاً وهو لم يكمل العام السادس عشر من عمره في أفغانستان ليكون أول طفل منذ الحرب العالمية الثانية تتم محاكمته في محاكم عسكرية لجرائم الحرب بتهمة إلقائه، وهو طفل لم يبلغ سن التكليف القانوني حسب التعريف الحقوقي، قنبلة يدوية و هو يدافع بها عن نفسه،  قتلت جندياً أمريكياً خلال عملية عسكرية كان يقوم بها في القرية التي كان يقيم بها الطفل عمر خضر في العام 2002.

و تبين الوقائع بأن الطفل عمر خضر كان جريحاً عقب اعتقال القوات الأمريكية له، ولم يكن قادراً على الجلوس منتصباً في جلسات التحقيق، لذا  كان يتم التحقيق معه وفق طريقة التعليق بالسلاسل سواء على كرسيه أو من سقف غرفة التحقيق. وعقب تعذيبه طويلاً بطرائق لا تختلف في جوهرها عن الطرائق التي تم تعذيب ماجد خان بها، يضاف لها الحرمان المطول من النوم قبل جلسات التحقيق، بالتوازي مع إجبار الطفل عمر خضر على مسح بوله بوجهه وجسده من أرض غرف التحقيق حين يتبول على نفسه من هلعه خلال جلسات التحقيق و التعذيب. و كما هو الحال في كل معتقلات طغاة العرب، اعترف الطفل خضر بجريمته وفق السيناريو و الإخراج الذي أراده جلادوه.

في عرف الدستور و القانون الأمريكيين، كما هو الحال في القانون الدولي و الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، يعتبر المتهم بريئاً حتى تثبت إدانته، وإن التعذيب أداة غير شرعية، و كل ما تم الحصول عليه عن طريقها هو كذلك. و لكن كل تلك الجوهريات و المسلمات القانونية، وغيرها من رغاء خطاب الرياء الأمريكي حول الدفاع عن حقوق الإنسان في شرق العالم و غربه، و تحطيمها لدول و حكومات منتخبة شرعياً، و تهشيمها لمستقبل شعوب و أمم بأسرها تحت يافطة الانتصار لحقوق الإنسان، هو ليس إلا ذراً للرماد في العيون، لكي لا يستطيع المراقب تلمس تفاصيل الوجه الاستعماري و الفاشي في آن معاً للسياسة الأمريكية المتلبسة بثوب المخلص لمقهوري الأرض من جلاديها، و ظُلَّامِها، و منتهكي حقوق الإنسان فيها.

تفاصيل وحكايات مرعبة كثيرة لا تزال خافية على الجميع، قد يمثل ماجد وعمر لمحتين ضئيلتين في سيرورة مسلسل إرهاب الدولة المنظم الذي قادته الولايات المتحدة في العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية و حتى اللحظة الراهنة، و الذي يبدو أنه لم يسهم إلا في تقويض السلم العالمي وتضاؤل هامش حقوق الإنسان و الحريات عموماً على المستوى الكوني، بالتوازي مع تفريخ لا ينقطع لأولئك المقهورين الذين لم يعد سوى الانتقام لكرامتهم المهدورة منظاراً لتفاعلهم العدمي مع عالمهم المزري، حتى لو كان ذلك بالتحول السرطاني إلى نموذج الإنسان الداعشي الأشوه.

وفي نفس السياق يحق للمدقق أن يستكنه سر التردد المريب، و الدور الملتبس  للسياسة الأمريكية "المنافحة عن حقوق الإنسان دائماً" في المنطقة العربية سواءً في تعطيل تمكن السوريين مهيضي الجناح من التخلص من جلادهم الأول بأيديهم الذي كان قاب قوسين أو أدنى و في غير مرة من تاريخ جلجلة الثورة السورية، وحجب كل ما يمكّن العراقيين المكلومين من الدفاع عن حيواتهم و أرضهم وكيان العراق السياسي في وجه الطوفان الداعشي، و تورية كل فظائع و فواجع الاحتلال للفلسطينيين المظلومين دهراً بأنه دفاع مشروع عن النفس، و إطلاق يد العسكر للتغول من جديد باسم الحرية و الديموقراطية و حقوق الإنسان على أبناء الشعب المصري المقهور.

 

د. مصعب قاسم عزّاوي

كاتب سوري مقيم في لندن