الموقع الشخصي للدكتور مصعب عزَّاوي

القدس العربي - 16-02-2015

في يوم الثلاثاء الأسود  في التاسع و العشرين من أكتوبر من العام 1929 انهارت أسهم و سندات أسواق المال و المصارف في وول ستريت في الولايات المتحدة معلنة بداية الركود الاقتصادي العظيم الذي لم تتخلص منه الاقتصاديات الغربية حتى نهاية الحرب العالمية الثانية فعلياً. و في انتخابات يوليو من العام 1932، وعلى إيقاع الركود الاقتصادي العظيم الذي لامس كل مفاصل المجتمع الألماني، برز حزب العمال الألماني الوطني الاشتراكي كأكثر الأحزاب شعبية عبر صناديق الاقتراع الديموقراطي، وهو نفس الحزب الذي كان يدعى اختصاراً بالحزب النازي بزعامة أدولف هتلر. و هي النتيجة التي قادت فعلياً لاضطرار الرئيس الألماني هيندينبيرغ لتعيين هتلر نفسه في منصب المستشار الألماني في 30 يناير 1933، و التي كانت الدرجة الأولى في سلم صعود النازية في ألمانيا التي لم تجد مخرجاً فعلياً من أزمة الركود الاقتصادي العظيم، بغض النظر عن كل الإخراجات الشعبوية المؤدلجة التي اتبعتها، سوى الهروب إلى الأمام بحرب عالمية ثانية تمكّن ألمانيا من السيطرة على موارد اقتصادية وبشرية جديدة تمكّنها من تجاوز أزمتها الاقتصادية الخانقة. وهو فعلياً ما أثبت نفسه على الطرف الآخر من الأطلسي حينما وجدت الولايات المتحدة بأن الطريقة الوحيدة للخروج من الركود الاقتصادي العظيم هو تبني الاقتصاد الحربي القادر على تشغيل الأمة الأمريكية لصالح المجتمع الصناعي العسكري، و الذي استتبعه و توازى معه خروج ألمانيا و كل المتحاربين في صفها أو ضدها من أزمة الركود الاقتصادي العظيم أيضاً بتبنيهم أشكالاً متباينة تعود في جوهرها جميعاً إلى مفاعيل تبني نموذج الاقتصادي الحربي الشامل عمقاً و سطحاً في مجتمعاتها.

 

خلاصة تلك المقدمة مرتكزان؛ الأول هو أن الفاشية يمكن أن تولد بشكل ديموقراطي، وعبر صناديق الاقتراع على إيقاع الأزمة الاقتصادية المعاشة التي يعاني منها الناخبون الآملون في أي بديل سياسي، ولو كان شعبوياً ديماغوجياً عنصريا متطرفاً، يمكن أن يخلصهم من الطبقة السياسية التقليدية التي فشلت في اتقاء الركود الاقتصادي، واستنباط وسائل ناجحة للخروج منه. والثاني هو أن الحل الاقتصادي الوحيد الذي  أبدى نجاعته في علاج الركود الاقتصادي العظيم هو حرب عالمية كليانية تعيد تشغيل الاقتصاديات المتراجعة في نمط إنتاج حربي مسيطر عليه من قبل الدولة؛ وهو ما تم قوننته وتشذيبه علمياً و سياسياً في نموذج الاقتصاد البنيوي الذي أسس له الاقتصادي البريطاني جون مينارد كينز والذي تم تبنيه في معظم الاقتصاديات الغربية في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية.

وها نحن لازلنا نعيش أصداء الأزمة الاقتصادية الخانقة التي انطلقت مع تهاوي بنك ليمان في براذرز في 15 سبتمبر 2008، والتي لم تفلح كل سياسات التيسير الكمي و طباعة النقود الرخيصة دون سند إنتاجي حقيقي، أو ثروة فعلية قائمة فعلياً، و التي تبنتها كل الاقتصاديات الغربية دون استثناء و معها اليابان، و بلغت حسب دراسة الباحث البريطاني بول ماسون أكثر من 12.5 تريليون دولار منذ العام 2008 في إخراج الاقتصاد العالمي من أزمته المتشابهة في كثير من تفاصيلها  لأزمة الركود العظيم السالف الذكر؛ وخاصة فيما يتعلق بتهاوي أعداد كبيرة ممن يصنفون اقتصادياً ضمن الطبقات الوسطى إلى قاع الفقر والتهميش، وتعملق الشركات العابرة للقارات، التي لم تعد تستطيع الدول الغربية نفسها مواجهة وحشيتها الاقتصادية، فقررت حل أزمتها الاقتصادية بطباعة المال الرخيص، وترك التضخم ليأكل الأخضر و اليابس، على حساب البسطاء من أبناء الطبقات الوسطى في شرق المعمورة وغربها، دون أن تتمكن أي من تلك الدول الغارقة في معمعة صراعها مع التراجع الاقتصادي المقيم الدخول في حرب عالمية ثالثة لتخرجها من تلك الجلجلة بالشكل الذي أخرجتها منه الحرب العالمية الثانية، لأسباب موضوعية تتعلق بتعقيدات الدخول راهناً في حرب عالمية نووية قد تقود إلى فناء تلك الاقتصاديات نفسها من الناحية الجغرافية و البيولوجية. ولذلك تم استنباط الحروب الموضعة الذي يتم في سياقها إعادة استنساخ المواجهات الصارخة الكبرى التي حدثت بين أفرقاء دول المحور و الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، كما يحدث الآن في سورية، و العراق، و اليمن، وفلسطين، ومصر، وأفغانستان، والصومال، و السودان و جنوبه المحتز من شماله، وأكرانيا، وشبه جزيرة القرم، و الكوريتين، و فنزويلا، و بشكل ينتظر أوان نضوج قيحاً في تركيا. وهي حروب موضعة يطلب منها تحقيق هدفين جوهريين متكاملين في بينهما، الأول يتمثل في  تشغيل المجتمع الصناعي العسكري في القطب الأمريكي ومن لف لفه في المعسكر المتمرس غربياً من جهة، و تشغيل كل البنى الاقتصادية والاجتماعية الطفيلية المتحالفة مع الكينونة المافيوية للدب الروسي و المنتفعة منه من جهة أخرى؛ والثاني هو فرض الهيمنة بالقوة، أو التخويف بها، لضمان السيطرة فعلياً، و بشكل كوني، على الموارد الطبيعية، و أسواق التصريف لنتاج المجتمعات الصناعية العسكرية في القطبين المتنافرين. وعلى الرغم من شمولية تلك الحروب الموضعة التي أصبح تخليقها إدماناً لدى الطبقة السياسية الأمريكية، و من يحركها فعلياً من مصالح المجتمع الصناعي العسكري في الولايات المتحدة، فإنها لم تتمكن فعلياً من انتشال اقتصادها و توابعه العالمية المتهاوين من أزمتهم البنيوية العميقة، و المتراكمة من سبعينيات القرن المنصرم عندما قررت الولايات المتحدة تصفية اتفاقية بريتون وودز، و إنهاء ربط الدولار الأمريكي بالذهب، و تبني طباعة المال الرخيص، و إرغام الاقتصاد العالمي على تبنيه كعملة عالمية بقوة الحديد و النار.

وبشكل عياني مشخص أكثر تقارباً مع حيواتنا نحن العرب و المسلمين، ها نحن نتابع يومياً تصاعد المزاج و الخطاب اليميني المتطرف في أوربا و الولايات المتحدة بشكل لا يختلف كثيراً عن الخطاب الشعبوي لأدولف هتلر قبل صعوده الديموقراطي للسلطة، ليظهر وجهه الحقيقي الأكثر قبحاً بعد إمساكه بتلابيبها كليانياً. فها هو الشخص الثاني في حزب الجبهة الوطنية الفرنسية الذي حصل على أكثر من 30 بالمئة من أصوات الناخبين الفرنسيين في الانتخابات البلدية في شهر ديسمبر المنصرم يطالب مسلمي فرنسا "بالتحلي بقيم التحضر الفرنسية النابعة من اعتناق الديانة المسيحية، و إلا فليعودوا إلى بلادهم الإسلامية" متبعاً سياسة رئيسة حزبه المتطرفة مارين لوبين التي صرحت باعتقادها بأن " منظر المسلمين الذين يصلون جماعة في شوارع فرنسا كما لو أنه احتلال نازي لفرنسا". وفي تناغم مع ذلك الخطاب نرى رئيس الوزراء البولندي يصف اللاجئين السوريين بأنهم " غزو إسلامي لأوربا"، ويتفق معه في خطاب شعبوي غوغائي ركيك رئيس جمهورية التشيك الذي تساءل عن المغزى من لجوء السوريين إلى أوربا وخاصة أن فيهم " من هو قادر على العمل لبناء بلده، و حمل السلاح لمقاومة المتطرفين الإسلاميين، بدل القدوم إلى بلادنا لاجئين".  و على خطى ذلك الأخير حذت الدنمارك دولة و صارت تصادر كل ممتلكات اللاجئين إلى أراضيها لتمويل إقامتهم كما كان يفعل النظام النازي تماماً في معسكرات اعتقاله في أوربا الشرقية، سوى أنهم لم يخلعوا أسنان اللاجئين الذهبية حتى الآن! و على نفس القعقعة المهولة راحت الصحف البريطانية تتجرأ على نشر مقالات تصف المهاجرين الملونين إلى أوربا بأنهم "صراصير" كما في مقال كيتي هوبكينز الأخير في صحيفة السن البريطانية. وأخيراً و ليس آخراً، ذلك هو دونالد ترمب المرشح الجمهوري المتصدر للبيت الأبيض يطالب بمراقبة كل المسلمين في الولايات المتحدة في كل حركاتهم وسكناتهم، ومنع كل مسلمي المعمورة من دخول الولايات المتحدة في خطاب شعبوي عنصري لا يتفارق في منطوقه، و فحواه، و في لغة الجسد، وتعابير الوجه التي يقال بها عن خطاب موسوليني الفاشي على شرفات القصر الجمهوري في روما، وهو يحنجل في السنوات القليلة التي سبقت الحرب العالمية الثانية.

نعم إنه التاريخ الماكر، حسب توصيف الفيلسوف الألماني هيغل، الذي يعيد نفسه دائماً وبصورة أكثر خبثاً في غالب الأحايين، و نحن العرب و المسلمين قاعدون منتظرون للهول القادم لا محالة، فرحون بلعب دور الفخار الذي يكسر بعضه بعضاً، وبانتصارات خلبية لقابيل على هابيل تذكرنا يومياً بتراجيديا الفأرة الجذلى بلعقها المبرد. 

 

د. مصعب قاسم عزّاوي

كاتب سوري مقيم في لندن