الموقع الشخصي للدكتور مصعب عزَّاوي

العربي الجديد - 25-06-2016

نشر مؤخراً البرفسور بيتر وادهامز رئيس قسم فيزياء المحيطات القطبية في جامعة كامبردج في بريطانيا بحثاً علمياً محكماً تكمن خلاصته المهولة في إمكانية ذوبان كل الجليد في منطقة القطب الشمالي وتراجعها من مساحة 12.7 مليون كيلو متر مربع إلى (( أقل من مليون متر مربع مع نهاية شهر سبتمبر من العام الحالي 2016)). و يأتي ذلك البحث الخطير بما ينذر به بالتوازي مع اعتبار العلماء العام الحالي 2016 العام الأكثر حرارة في تاريخ الكرة الأرضية منذ بداية الثورة الصناعية  في القرن الثامن عشر، بالإضافة إلى اعتبار شهر مايو المنصرم الشهر الأكثر حرارة في تاريخ البشرية أيضاً.

 

كما يشير العلماء إلى الارتفاع المضطرد لدرجة حرارة المحيطات خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة بما يعادل 0.17 درجة مئوية، وارتفاع درجة حرارة قشرة الأرض بنسبة تقارب 0.18 درجة مئوية، ووصول معدل ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي حسب مركز أبحاث تغير المناخ في وكالة ناسا الأمريكية إلى 400 جزء بالمليون من هواء الغلاف الجوي و هي أعلى نسبة في تاريخ البشرية بزيادة بنسبة 24% عمّا كان المعدّل عليه قبل الثورة الصناعية.

وقد يجادل القارئ العربي بمدى اقتران ما يجري في القطب الشمالي، وفي الغلاف الجوي بمعاناته اليومية في تأمين قوت عائلته، و اتقاء غيلان الفساد، ومنظومات الدول الأمنية المشرعة على امتداد الجغرافيا العربية، وهو منطق صحيح وواقعي وحق في آنٍ معاً، ولكنه مقصر ومستقيل كمنطق نعامة دفنت رأسها في الرمل، فللأسف ما تمّ اختراعه في سياق تعملق نتاج الثورة الصناعية من حدود للدول القومية، لا يستطيع أن يلغي حقيقة أن البشرية جمعاء تتشارك نفس مياه المحيطات التي تحكمها فيزياء الأواني المستطرقة، وليس القانون الدولي لترسيم المياه الدولية. و الأهم من ذلك كله هو أنّ البشر جميعاً يتنفسون نفس الهواء الذي لا يعرف حدوداً، أو دولاً، أو تجمعات اقتصادية أو غيرها.

والحقيقة الواقعة هو أنّ المنطقة العربية سوف تكون من أول المناطق المتأثرة بجحيم التغير المناخي، حيث سوف تغمر مياه البحر التي يرتفع منسوبها بشكل مضطرد جراء ذوبان جبال الجليد في القطب الشمالي إلى مستوى قد يصل إلى ستة أمتار في نهاية القرن الحالي عمّا هي عليه الآن، معظم المدن الساحلية العربية و أولها سوف يكون مدن أبو ظبي و دبي، و الدوحة، و أجزاء شاسعة من محافظة البصرة ، و دلتا النيل الذي يقطنه أكثر من 12 مليون مصري ويعتاش من قمحه شعب مصر المظلوم كله، بشكل لا يختلف عن راهنية ذهول سكان الجزر الستة من جزر سولومون في المحيط الهادي التي غمرتها المياه بشكل كلي منذ أيام قليلة فقط جراء مأساة اعتبار الغلاف الجوي مكبّاً لامتناه السعة يستطيع استيعاب مئات آلاف الأطنان من ثاني أكسيد الكربون. هذا عدا عن حقيقة إمكانية تحول أراضي شاسعة من أراضي شبه الجزيرة العربية خلال عقدين أو ثلاثة إلى مناطق غير قابلة للحياة فيها من الناحية الصحية، نظراً لارتفاع الحرارة و الرطوبة بشكل مزدوج بالتوازي يجعل البدن غير قادر على تبريد نفسه بالتعرق، و توسيع الدوران المحيطي، حتى لدى الشباب الأصحاء، مما سوف يجعل فريضة الحج مستحيلة بالحد الأدنى، و يحول نظرياً شبه جزيرة العرب إلى بقعة من جهنم في الحياة الدنيا. 

وعلى المقلب الآخر من تلك المأساة الأخيرة تكمن حقيقة احتمال أن يصبح طوفان نوح  حقيقة يومية سرمدية في مختلف بقاع الأرضين جراء التغير المناخي، وارتفاع درجة قشرة الأرض و المحيطات. حيث يتوقع العلماء بأن تصبح الفيضانات الخاطفة حدثاً متكرر الحدوث جراء ارتفاع مستوى التبخر من مياه المحيطات إلى درجة وصول الغمام إلى مستوى الإشباع المطلق الذي لا ينتظر هواء بارداً لكي يتكاثف و يسقط مطراً، وإنمّا فقط الوصول إلى تلك الدرجة من الإشباع المطلق لكي يتساقط كل ما تبخر من مياه المحيطات في سيل عرمرم يأكل الأخضر و اليابس كما شهدنا في الصومال، واليمن، و فرنسا، و ألمانيا، والهند، و بنغلادش، وتكساس، وكاليفورنيا مؤخراً.

ويجادل بعض المفكرين بأن اكتشاف النفط أساساً كان نقمة النقم على العرب التي لم تجلب للعرب سوى سايكس بيكو، واستعماراً مقيماً لم يرحل حتى بعد استقلال الدول العربية الشكلي، وجعل الدول العربية بيضة القبان في لعبة الأمم قبل و بعد الحرب الباردة. و الأهم من ذلك كله استزراع الكيان الصهيوني، كعصا السادة المستعمرين الغليظة التي تهش بها على الأغنام العربية الشاردة إن ضلت طريقها كما حدث في نكسة حزيران وغيرها؛ بالتوازي مع خلق أنماط اجتماعية، و اقتصادية، و استهلاكية شوهاء في عديد من الدول العربية التي صار من المخجل و المحرج للعربي في بعض الأحيان فيها أن يتحدث فيها بلسان الضاد الذي أصبح ثانوياً في لج طوفان الأعاجم المفقرين الذين ينتظرون بعض فتات الريع النفطي فيها.

وخلاصة القول هي أنّ البشر جميعهم يسيرون إلى حتفهم آخذين معهم كل الزرع و الضرع في هذه الأرضين كما لو أنّهم صمٌ بكمٌ عميٌ لا يعقلون، و لا يستبصرون. و أنّ العرب الذين حباهم المولى بما اعتُقد أنّه نعمة الزيت الأسود كما كان يسميه الصينيون القدماء فتبين بأنّه زيت لمزاليج أبواب جهنم التي سوف تجعل حياة أطفالنا، و أحفادنا هلعاً لا ينقطع من كارثة بيئية تنتظر أوان حصولها، إلى هلع إيجاد مكان آخر للحياة فيه برهة إلى حين حلول الكارثة فيه، و الارتحال عنه من جديد في جلجلة من الهول الذي لا ينقطع.

ويحق للمفكر الحصيف النظر إلى البشرية كما لو أنّها مريض أبله أنهك كبده بانغماسه الحيواني في شرب الخمر إلى درجة تحول كبده إلى كتلة من الشحم المهلهل؛ وحينما أتى عليه الطبيب يخبره بأنّ استمراره في استهلاك الكحول سوف يؤدي إلى تحوّل كبده إلى كتلةٍ مِنَ الشمع الميت التي لا حياة له معه، فأتى جواب ذلك الأحمق بأن: اليومَ خمر و غداً أمر.

وفيما يخصنا نحن العرب، فإنْ كان النفط نقمة لم تأت علينا سوى بسلسلة متعاقبة من النقمات المرتبطة بتلك الأولى عضوياً، ولأنّ جزءاً كبيراً من صنابير استجلاب جهنم، و توطينها في هذا الكوكب الذي أوصانا المولى بحفظه يقع في أرض الأعراب، ولأنّ المولى العزيز القدير أنعم على ساكني تلك الأرض بنعمة الشمس المشرأبة دائماً في سمائها، فهل يكون من المنطقي التفكر بضرورة تحرك كل أبناء الشعب العربي لإغلاق أنابيب رحيق جهنم المعسول، وإبقائها في باطن الأرض. و الاستناد إلى ما راكمه العرب من فوائض الريع النفطي خلال العقود الماضية باستغلالها فعلياً في تحويل المنطقة العربية إلى أرض للطاقة الشمسية المتجددة بدل قعود تلك الثروات في خزائن غيلان العم سام و من لفَّ لفهم، بانتظار تآكلها جراء التضخم، أو فناء من يملكون حق التصرف بها مع شعوبهم المقهورة بإطباق جهنم على أرضهم و أرواحهم ومستقبل أبنائهم و أحفادهم بعد أن صارت قاب قوسين أو أدنى.

 

د. مصعب قاسم عزّاوي

كاتب سوري مقيم في لندن