الموقع الشخصي للدكتور مصعب عزَّاوي

القدس العربي -07/11/2011

عندما اقتلعت المخابرات العسكرية حنجرة المغنى الشعبي إبراهيم القاشوش الذي شكّل رمز مظاهرات مدينة حماة التي خرج فيها نصف مليون متظاهر يصدحون بأغنيته الرمز: (ارحل يا بشار) ، كانت العقلية الأمنية المريضة التي لم تستطع يوماً أن تبصر أبعد من أرنبة أنفها تظن بأن تلك العقوبة المرة لمغنٍ شعبي باقتلاع حنجرته سوف تردع كل من يتجرأ على أن يقحم حنجرته في خضم الثورة السورية خوفاً من أن يكون مصيره مثل القاشوش الشهيد.

 ولكن العقلية  الأمنية المريضة نفسها لم تدرك بأن إبراهيم القاشوش لم يكن يصدح بأغانٍ عذبة تصدر من حنجرة فنان منمق يبحث عن المجد و الشهرة و النجومية ، ولكنها كانت في جوهر الأمر محاكاة لضمير أبناء الوطن الذي لم يكن أي منهم يستطيع أن يفكر يوماً في ما قد يجول بخاطره في قهر و وجع و ألم و حسرة جراء القمع و العسف الذي يتعرض له كل  أبناء سورية البسطاء الطيبون و الشرفاء و المخلصون كلما فكروا بأن يجاهروا برفضهم لأن يكونوا عبيداً أذلاء مهانين في وطن يزاود عليهم مستعبدوهم بأنه وطن الشعب و حصنه الحصين ، و الذي كان في حقيقة الأمر وطناً محتلاً من حفنة من المستبدين ومن والاهم من المعتاشين من فساد المستبدين والفتات التي يقتاتون بها من نهش جسد ذلك الوطن المحتل.

و لأن القاشوش كان امتداداً طبيعياً للضمير الجمعي المقهور في سورية الوطن المحتل و ليس طفرة استثنائية وليدة مصادفة محضة، فقد كان الهول و الذهول نصيب الجلادين الذين اقتلعوا حنجرته حينما هم يسمعون كل يوم بآذانهم صداح مغن شعبي حر في كل زقاق و حارة و زاوية من هذا الوطن فكأنما القاشوش الشهيد لم يقتل و كأن حنجرته الطيبة الطاهرة تناسخت في حناجر القاشوشيين الأباة و هم يلهجون بصوت القاشوش المعلم الأجش الذي له عمر سورية الأم ولّادة الحضارة من فجرها ، و إيقاع بسيط يحاكي نبضات قلب الوطن الذي يكاد ينفطر كمداً على أبنائه و أيادي الجلادين المحتلين تخطفهم و هم في عمر الورود و زهوتها.

نعم إن قاتلك أيها القاشوش الشهيد لم يدرك بأن سورية أم مخصبة لم يستطيع كل غزاتها و من احتل أرضها لحين أن يوقفها عن الحيض و المخاض ، و لم يستطع أن يسلبها خصوبتها التي سوف تنجب في كل لحظة قاشوشاً أبياً يقاوم بحنجرته الجريحة كل مخارز طغاتها و مستبديها ، و يحيك بحباله الصوتية المقروحة  جسراً نحو وطن لا يخشى فيه أبناؤه على حناجرهم.

 

مصعب قاسم عزّاوي