الموقع الشخصي للدكتور مصعب عزَّاوي

القدس العربي - 07-08-2015

في الحادي و العشرين من يوليو المنصرم، و خلال جولته الإفريقية حطّ الرئيس الأمريكي أوباما رحاله في إثيوبيا، ليتحف مستمعيه بخطاب الثناء على " الحكومة الديموقراطية المنتخبة في إثيوبيا" أكثر من مرة. و هي نفسها حكومة الحزب الحاكم الذي فاز بمئة في المئة من مقاعد البرلمان الوطني البالغة 547 مقعداً. و هي ذات الحكومة التي وصفها تقرير منظمة
Watch Human Rights بأنها حكومة " تسلطية تعتمد الاعتقال التعسفي، و المحاكمات الشكلية ذات الدوافع السياسية لإسكات الصحفيين، و المدونين، و المتظاهرين، و كل من يُظن بتعاطفه مع أي من التشكيلات السياسية المعارضة في إثيوبيا".

 و في نفس المقام يرى البرفسور هوراس كامبل أستاذ العلوم السياسية في جامعة سيراكوز الأمريكية بأن الدور المحوري للولايات المتحدة في أفريقيا الشرقية، و خاصة في إثيوبيا، و الصومال، و أوغندا و جنوب السودان لم يرتبط بأي جهد "للتنمية الحقيقية" في تلك الدول، و ارتبط واقعياً في تعزيز "عسكرة المنطقة" بعملقة هياكل التنظيمات العسكرية، و شبه العسكرية المرتبطة عضوياً بمشروع تأسيس و إدامة احتراب مجتمعات أفريقيا الشرقية في داخل دولها، و فيما بينها كدول في حروب طاحنة و مزمنة تحت يافطة المشروع الأمريكي العالمي لمحاربة ما تسميه الولايات المتحدة بالإرهاب. حروب أنهكت و شردت الملايين من فقراء أفريقيا الشرقية إلى درجة الموت مع وقف التنفيذ، و أفرزت عن دعم حكومات قمعية كذلك التي في إثيوبيا و كينيا، و تنظيمات مافيوية كمثل تلك التي أدت إلى فصم جنوب السودان عن شماله وفق منهجية الولايات المتحدة التي وصفها البروفسور كامبل بأنها "استثمار ليس له علاقة بتنمية البنية التحتية في أفريقيا الشرقية"، و إنما استثمار على المستوى" الأيديولوجي و التنظيمي المتمثل في عسكرة الدول و المجتمعات في أفريقيا الشرقية، و الأهم من ذلك كله توطيد دور الكنيسة و البعثات التبشيرية ، و صناعة القوى الاجتماعية و العسكرية ذات الطابع الديني المسيحي المتطرف، و التي تشيع العنف و الكراهية في عموم القارة الأفريقية"، بالإضافة إلى الاستثمار في "الحقل اللغوي" لاعتماد اللغة الإنجليزية لغة رسمية، و هو الذي أثمر عن هوية هجينة لجنوب السودان الذي لم يعد قادة مليشياته قادرين على التحدث بلغة عربية أو إنجليزية سليمة في الحدود الدنيا لكلتيهما.

و على الطرف الآخر من الكرة الأرضية في أمريكا الوسطى، و في هندوراس تحديداً، يسير عشرات الألوف في مسيرات شعبية كما لو أنها استنساخ من المشاهد الملحمية لشباب الربيع العربي في سورية، و مصر، و اليمن، تطالب برحيل نظام الرئيس خوان هيرنانيدز الذي جاء بانقلاب عسكري مبرمج  و مدعوم من قبيل إدارة الرئيس أوباما ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون آنذاك في العام 2009 على الرئيس الشرعي المنتخب ديموقراطياً مانويل زيلايا.

السبب الظاهري لانتفاضة جحافل الشعب  في هندوراس على الرئيس المدعوم أمريكياً هو كشف الصحفي دايفيد روميرو استخدام الرئيس هيرنانيدر لحوالي 400000 دولار أمريكي من الأموال العامة العائدة للشعب المفقر لحملته الإنتخابية التي فاز بها مؤخراً. أما السبب الحقيقي لتلك الانتفاضة فلخصه الرئيس السابق زيلايا في مقابلة متلفزة حديثة عن حال وطنه منذ الانقلاب الذي أطاح به و حكومته المنتخبة شرعياً بأنه " انقلاب عسكري مبرمج في الولايات المتحدة، حطم هياكل المؤسسات الوطنية الهشة، و حوّل الوطن إلى مجتمع استغلالي تتحكم به الشركات العابرة للقارات، و المصارف العالمية، و الشركات الاستثمارية العملاقة، و شركات النفط العالمية. مجتمع يقوم على الفساد السياسي و الاقتصادي، و على إرهاب المجتمع بقوة الأجهزة الأمنية و العسكرية، و الاعتقال التعسفي. نظام أمني لم يوفر فساده الهيئات القضائية الوطنية التي تحولت وظيفتها من حماية حقوق المواطنين الأساسية و الدستورية إلى أداة لتنفيذ الأجندات السياسية للنظام الأمني العسكري في قمع كل المعارضين له".

و يحق للمتلقي العربي أن يتساءل ببديهية عن أي خطل أو زلل في الاندهاش من التطابق الواقعي للومضتين الديموقراطيتين على الطريقة الأمريكية في إثيوبيا و هندوراس مع قريناتهما المشخصة في التراجيديا العربية الراهنة في غير موضع من انكفاء الربيع العربي. نعم إنها الديموقراطية الأمريكية التي تقوم على صناعة و توطيد الأنظمة الاستبدادية التي تستطيع القيام بدورها الوظيفي في تحقيق المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة في الوصول إلى كل الموارد الطبيعية التي تحتاجها  دون قيود، و التغلغل اللامشروط في كل الأسواق التي تستطيع تصريف نتاجها فيها، و في ضمان استقرار وريعية استثمارات الشركات الأمريكية على حساب كل المفقرين و المقهورين الذين يزدادون فقراً و تهشيماً في كل موقع من أرجاء الأرضين.

و عندما يخفق ذلك المستبد بالقيام بالدور الوظيفي المناط به، يتم الترتيب لانقلاب عسكري لإحلال الديموقراطية الأمريكية و توطيدها من جديد، بغض النظر عن التغايرات التزويقية، و التراجعات التكتيكية لغرض تماسك الإخراج الديموقراطي لإدارة المارد الأمريكي. أما في حال عدم توافر الشروط الملائمة لتحقيق تلك الإرادة مرحلياً، فيتوجب حينئذ دفع أبناء الشعب الواحد عنوة إلى سعار الاقتتال و الاحتراب الأهلي، إلى أن ينال منهم الوهن و اليأس الجمعي المطلقين من اهتلاك الوطن و كل ما يرتبط به من بنيات مؤسسية، فتصبح الحال حينئذ صالحة لتصنيع المستبد المخلص لأولئك اليائسين في سياق حبكة درامية مهولة، يقف الغول الديموقراطي الأمريكي في كواليسها، أو في واجهتها حسب السياق الإخراجي الأكثر إقناعاً للمتفرجين، والأكثر قدرة في تسريع تحقق الأهداف الاستراتيجية الآنفة الذكر، و المناط بذلك المستبد المخلص قيادتها بسرعة الصوت أو الضوء من حيز الوجود بالقوة إلى حيز التحقق بالفعل حسب توصيف فلسفة العقل للألماني هيجل.  ولأن العقل يقتضي أيضاً ألا يلدغ صاحبه عشرات و مئات المرات من الجحر نفسه، فأما آن للعقل الجمعي لكل أولئك العرب المقهورين أن يعقل شيفرة الديموقراطية الأمريكية العابرة للقارات؟.

 

د. مصعب قاسم عزّاوي

كاتب سوري مقيم في لندن