الموقع الشخصي للدكتور مصعب عزَّاوي

العربي الجديد - 07-05-2016

في بحث علمي محكّم نشرته منذ أيام قليلة مجلة بيولوجيا وتطور المورثات المرموقة لفريق من العلماء المجتهدين، و على رأسهم الباحث يران لهيك من جامعة شيفيلد في بريطانيا، المولود أصلاً في الكيان الصهيوني لأبويين يدينان باليهودية، خلص العالم الأخير بمنهج علمي محكّم استند على استخدام تقنيات التحليل المورثي و الصبغي إلى ما يعتبر تدميراً جذرياً لأساس الفكرة الصهيونية القائمة على أنّ اليهود هم شعب بمثابة عرق واحد يعود في أصوله إلى " أرض الميعاد في فلسطين"، و التي العودة و الهجرة إليها لا يمثلان احتلالاً و اغتصاباً للأرض من أهلها الحقيقيين، و إنّما إعادة للحق التاريخي إلى أصحابه الأصليين.

 

ويمثل الحجم العلمي الضخم للبحث موضوع هذا المقال قفزة استثنائية في مجال دراسات الأنثروبولوجيا الوراثية تمثلت في تحليل موسع للبنية المورثية العائدة إلى 393 شخصاً من اليهود الأشكناز البيض، و اليهود الإيرانيين السفارديم، ويهود الجبال في أرمينيا و جورجيا، ومقارنتها بالبنية المورثية لأكثر من 600 شخصاً من غير اليهود الذين ينتسبون لـ 35 شعباً من أقوام العالم ضمت الأبخاز، والأرمن، والعرب البدو، و البلغار، و المصريين، و اليونانيين، والجورجيين، و الألمان، و الإيطاليين، و الأكراد، و اللبنانيين، و الفلسطينيين العرب، والتتار، والرومان، والإيرانيين، والأوكرانيين، باستخدام تقنية التنميط الوراثي على رقاقة النسق الوراثي التي تسطيع تحليل 150000 مورثة غير فعّالة من الصبغيات الجسدية، و الجنسية، و المتقدرية، التي تشكل ما يشبه البصمة الوراثية التي تحمل في طياتها ما يشبه التوقيع الوراثي الذي يمكن من خلاله ربط أي إنسان بدرجة عالية من  الدقة بأقربائه و أسلافه الذين يحملون نفس التوقيع الوراثي.

وخلاصة البحث العلمي الرصين الذي يستطيع كاتب هذه السطور تقييمها موضوعياً من الناحية العلمية لتطابقها مع تخصصه الأكاديمي، و دون الدخول في التفاصيل البحثية الدقيقة التي شكلت متانتها التحليلية نقطة ارتكاز في أول بحث علمي بهذا الحجم يتطرق لهذا الموضوع، أنّ الفريق البحثي الذي أعدّها تمكّن من الوصول إلى خلاصة تفيد بأنّ الأصول المورثية لليهود بمختلف مجموعاتهم العرقية تعود في معظمها جغرافياً وعرقياً إلى أصول تركية، و إيرانية، و أرمنية، وجورجية، ويونانية، ورومانية دون أن يكون لها ارتباط من الناحية الوراثية بأي من المجموعات المدروسة الناطقة بالعربية سواء العرب البدو، أو الفلسطينيين العرب، أو المصريين، أو اللبنانيين بأي مستوى ذي دلالة إحصائية.

و يتلخص الجزء الثاني من البحث العلمي الاستثنائي الذي قام به الباحث الآنف الذكر بالتعاضد مع أستاذه المخضرم بول ويكسلر أستاذ علم اللغويات في جامعة تل أبيب، و الذي ساهم معه في إغناء البحث الوراثي الرصين بتحليل لغوي عميق لتطور لغة اليديش التي مثلت لغة اليهود الأوربيين، في تمكن الباحثين من رسم صورة تستند إلى أرضية علمية وراثية، ودراسة لغوية رجعية استدلالية،  تعيد أصول من يدينون باليهودية في عالمنا الحاضر بشكل شبه مطلق إلى شعب مملكة الخزر التي اعتنق ملوكها الديانة اليهودية كديانة رسمية لمملكتهم وشعبها الذي ينتسب من الناحية العرقية إلى القبائل التركية، و ازدهرت في القرن الثامن الميلادي كمملكة تجارية في المناطق الواقعة بين بحري قزوين والبحر الأسود، و ضمت أجزاء من شمال إيران، وأرمينيا، وجورجيا، و أكرانيا، وشرق تركيا، دون أن يربطهم من ناحية أصولهم العرقية أي رابط بالشعوب السامية التي سكنت ساحل بلاد الشام  وفلسطين التاريخية أساساً. وهو استنتاج توصل إليه سابقاً في تحليل تاريخي رصين دون أن يكون مدعوماً ببحث وراثي غير قابل للدحض أو التأويل كمثل ذلك موضوع هذا المقال، المؤرخ شلومو ساند أستاذ التاريخ في جامعة تل أبيب في كتابه الاستثنائي "اختراع الشعب اليهودي" الصادر في العام 2008 باللغة الإنجليزية، و من قبله الكاتب الهنغاري البريطاني آرثر كوستلر اليهودي الدين في كتابه المعنون "القبلية الثالثة عشرة"  والذين درسا فيهما من الناحية التاريخية و اللغوية الارتباط الجذري للأصول التاريخية لليهود في عالمنا المعاصر بأقوام مملكة الخزر، و ليس شعب فلسطين التاريخية.

وإن التفكّر العميق في مدلول هذا البحث العلمي المبهر في دحض جوهر الفكرة الصهيونية، و آلة الدعاية المرعبة التي قادتها ولازالت تقودها على المستوى العالمي، يدعونا لاستحضار تاريخ خيانة البريطانيين للعرب عموماً، و للشريف حسين و من ولاه خصوصاً، حينما تنكروا لوعودهم المعسولة للعرب التي وثقتها مراسلات حسين مكماهون، واستبدلوها بحيلة سياسية لاقتسام تركة الدولة العثمانية عقب الحرب العالمية الأولى في أراضي بلاد الرافدين و بلاد الشام، و التي كانت فلسطين لحساسيتها الدينية موضوع اتفاق على أن تكون تحت وصاية دولية، دون أن تكون من حصة الفرنسيين أو الإنجليز كما في النص و الخريطة الأولى لاتفاقات سايكس بيكو. و حسب الباحث و المؤرخ البريطاني جيمس بار في كتابه المهم المعنون "خط في الرمل" كانت فكرة البريطانيين بتعزيز الهجرة اليهودية إلى فلسطين التاريخية بمثابة خطة لاعتماد اليهود الذين استجلبهم الإنجليز إلى فلسطين التاريخية بمثابة وكلاء مهمتهم تعزيز النفوذ البريطاني في فلسطين على حساب أندادهم الفرنسيين، والذين ردوا من طرفهم بعملية شراء ولاءات المتطرفين اليهود وتسليح عصابتهم الإرهابية التي انقلبت على الإنجليز لاحقاً. و تُكَثِفُ الصورة التاريخية الأخيرة جوهر الهدف الحقيقي الذي كان في ذهن الساسة سادة الفكر العنصري الاستعماري في بريطانيا وفرنسا باستخدام اليهود كمرتزقة يتم شراء ولاءاتهم لتحقيق الأهداف الإمبريالية لكل فريق على حساب دماء العرب المغرر بهم، دون أن يستثنى اليهود من ذلك أيضاً. حيث لم يبارح الأوروبيين فكرهم العنصري الذي رأى في هجرة اليهود من بلدانهم إلى فلسطين التاريخية خلاصاً من اليهود، ودفعاً بهم إلى بوتقة يتناحر فيها المسلمون و اليهود،  وكلاهما من رتبة الأعداء الأزليين في قاموس الفكر الأوربي العنصري الذي كان ممثله الأكثر صراحة في الكشف عن جوهره البغيض الدبلوماسي الفرنسي روبرت دو كايكس في العام 1915 الذي رأى لفرنسا "حقاً موروثاً" في سورية و فلسطين فهذه هي "أرض الصليبيين". وهو الذي لم يكن أصلاً مسيحياً ملتزماً بأي شكل كان وإنما كان ينطق بلسان الإمبريالية التي كانت تُقَنِّع نفسها بأي لبوس لتبرير سلوكها الاغتصابي لحقوق العرب في أرضهم التاريخية.

و حقيقة استخدام الكيان الصهيوني كجيش من المرتزقة على شكل دولة، أفصح عن نفسه فعلياً بحسب المفكر نعوم تشومسكي في كتابه المهم "المثلث المصيري" الذي قدّم له المفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد، في حقيقة أن الكيان الصهيوني لم يكتسب أهمية استراتيجية لدى الساسة الأمريكان، الذين حلوا فعلياً محل مشغليه الإنجليز و الفرنسيين عقب الحرب العالمية الثانية،  إلا بعد اكتشافهم أهمية و مقدرة الكيان الصهيوني على العمل " كبلطجي بالوكالة"  بالنيابة عن الغول العسكري الأمريكي، حيث أظهر القدرة على القيام بتلك المهمة بكفاءة في نكسة حزيران 1967، حينما قام بتدمير المد الناصري و القومي العربي عموماً بشكل نهائي، و منع تداخله المحتمل مع المصالح الأمريكية في التمتع بحق الاستثمار غير المشروط و شبه المجاني في المصادر الطبيعية في الأرض العربية. وهو الاكتشاف الذي أدى إلى اعتماد الساسة الأمريكان للكيان الصهيوني كثكنة كبرى يشغلها لفيف من شعوب الأرض خياره شبه الأوحد للاستمرار في الحياة العمل كعسكري مرتزق مهمته السرمدية القيام بما يمليه عليه مشغلّوه في واشنطن.

ويحق للمتأمل العربي الحصيف أن يطالب بإخراج دائرة الصراع العربي الصهيوني من دائرة الجدل المستند على أسس لغوية، أو آثارية، أو حتى على النصوص الدينية المقدسة التي لا تمثل مرجعاً تاريخياً محكّماً و إنما نصوصاً دينية مقدسة ذات وظيفة دينية محضة بحسب الباحث التاريخي السوري فراس السواح، والخروج من ذلك إلى أفق منهجي ينطلق من صلابة الأرضية العلمية التي يقف عليها علم المورثات الذي يدحض بشكل لا يقبل الالتباس أو التأويل أي علاقة استنسابية بين الغزاة الصهاينة و أرض فلسطين التاريخية، ويعيدهم لأصولهم التاريخية في حوض بحر قزوين جغرافياً، و إلى المجال الحيوي لمملكة الخزر الآفلة تاريخياً؛ كمقدمة لتأسيس منظار علمي و تاريخي للصراع العربي الصهيوني يقوم على أن الكيان الصهيوني لم يكن عبر تاريخه الأسود سوى محرقة كبرى يراد بها لليهود القيام بدور البلطجي المفوض بإدارة مصالح سادته الإمبرياليين الذين لا يرون ضيراً في احتراق أصابعه، أو حتى فقدانها، في سياق صراعه مع أنداده العرب لإرغامهم على القبول بما ينفذه من مشاريع أولئك السادة؛ و هو ما يستدعي منطقياً إعادة تعريف جوهر الصراع العربي الصهيوني بشكل عقلاني يرى بأن حلّ الصراع يتمثل في تشخيصه بأنه صراع وجودي ذو شعبتين متوازيتين لا تسقيم إحداهما دون صنوها؛ أولاهما مع السادة الذين حولوا يهود العالم إلى جيش من المرتزقة على شكل دولة، و ثانيهما مع عملاء أولئك السادة ووكلائهم من طغاة العرب أنفسهم، و دون أن يكون صراعاً بالدرجة الأولى مع اليهود أنفسهم الذين هم في نهاية المطاف وقود للمحرقة الشيطانية الكبرى التي يراد إبقاؤها مضرمة للخلاص بها من اليهود والعرب معاً.

 

د. مصعب قاسم عزّاوي

كاتب سوري مقيم في لندن