الموقع الشخصي للدكتور مصعب عزَّاوي

تعتبر الذاكرة من أهم المكونات الإبداعية الضرورية عند الإنسان لاستيعاب العالم المحيط به وبناء تصور واضح عن ماهيته وعن كيفية التعامل معه من خلال تسجيل وحفظ نتائج التجارب السابقة التي مّر بها الفرد خلال الفترة السابقة من حياته ، موضحة خلاصة تلك التجارب عندما تحفظ وتسجل لتكون لبنة أولية ضرورية للتعامل مع نفس الظروف في المستقبل بشكل أكثر فعالية ونجاحاً.

وإن الذاكرة في أكثر الرؤى العلمية تدقيقاً ينظر إليها على أنها بنية عضوية تتواجد كنتيجة لنشاط الخلايا الموجودة في الجهاز العصبي الدماغي ، وتكون مسؤولة عن تسجيل المعارف والخبرات وتوفيرها بشكل ملائم لتخضع لتحليل الضروري لهذه المهمة الفكرية وتكون بذلك واحدة من أهم المعطيات الأولية التي يبني عليها الفرد نتائج تفكيره وقراراته .

 والنقطة التي سنحاول التركيز عليها في هذا المقال هي النظر إلى الذاكرة بشكل يقارب التوجه العلمي الحديث تجاهها ، والتي ينظر إليها على أنها مركب عضوي يتشكل نتيجة نشاط خلايا متخصصة في الجسم ، فيكون بذلك مثله مثل أي نشاط آخر في الجسم ، كالنشاط العضلي مثلاً ، يحتاج للتدريب للحفاظ على قدرته على العطاء والإبداع ، ويحتاج لطرائق معينة للحفاظ على حيويته وحمايته من الضمور ووقايته من الأمراض ، مع اختلاف الطرائق الملائمة لكل نشاط بعينه .

 

الذاكرة تبدأ بالضعف في العشرينات :

تشير إحدى أهم الدراسات الحديثة المنشورة في مجلة علوم الأعصاب الدولية في عددها الأخير ، إلى وجود مستوى كبير من تردي الذاكرة يتناول الشباب ويبدأ بالظهور خلال فترة منتصف العشرينات من عمر الإنسان ، وخاصة عند أولئك الذين يتركون التعلم والنشاط الدراسي وينصرفون إلى الأعمال الاعتيادية ( الروتينية ) المحضة .

ويمكن الإشارة إلى أن سوية تدني قدرات الذاكرة عند الشباب تكاد تكون مماثلة تقريباً لمعدل تدني الذاكرة عند الشيوخ في الستينات أو السبعينات من عمرهم ، والفارق يكمن في كون خلايا الدماغ عند الشباب تكون أكثر حيوية و أكثر قدرة على القيام بمهمات متعددة ومعقدة في آن معاً، وبسرعة تفوق تلك التي تستطيع القيام  بها خلايا الدماغ التي تقدم بها العمر .

وتستدعي هذه الحقيقة العلمية الحديثة منا سعياً منهجياً لبحث عن أفضل السبل وأكثرها فعالية للدفاع عن قدرات الذاكرة لدينا ، ووقايتها من التدني الذي يكون غير ملحوظ في غالب الأحيان ، ولكنه يتظاهر بتدني قدرة الشخص على التركيز في أداء نشاطات معقدة وعدم القدرة على التفكير في عدة مواضيع معاً أو عدم القدرة على التنسيق المطلوب بينها مما يقود إلى شعور الشخص بالإعياء وضعف التركيز والذي يكون مرده أساساً إلى تردي قدرات الذاكرة عند الشخص دون أن يعي ذلك ، فأدت بذلك إلى النتائج السلبية السابقة .

 

الحفاظ على الذاكرة :

حقيقة يمكن الإشارة إلى مستويات ثلاثة من الإجراءات الوقائية والتدريبية التي تستطيع من خلال تكاملها مع بعضها البعض الوصول إلى درجة متميزة من الحفاظ على الذاكرة وقدرتها الحيوية الإبداعية ، وسنحاول المرور عليها فيما يلي :

 

أولاً : الرياضة والذاكرة :

ونشير هنا إلى الأهمية العظيمة للتمارين التنفسية العميقة التي تسهم وإلى حد كبير في زيادة كمية الأوكسجين الواصل إلى النسيج العصبي الدماغي وتحسن بالتالي من حيوية الخلايا الدماغية من خلال تأمين حاجاتها الضرورية من الأوكسجين دون وضعها في حالة وجوب العمل ضمن وارد قليل من الأوكسجين والذي يشكل حالة تكاد تكون الأشيع عند أولئك الذين يتنفسون بشكل خاطئ دون أن يلحظوا ذلك وخاصة أولئك المدخنين بحيث يكون تنفسهم سطحياً ويمتد فقط لفترة قصيرة من الزمن وخاصة في الشهيق ، ويزيد الأمر سوءاً العيش في المناطق الحضرية التي تعاني في غالب الأحيان من سويات عالية من التلوث الهوائي الذي يعيق فعالية التبادل عبر أغشية الأسناخ الرئوية لما يسببه من التهاب مزمن خفيف الدرجة في الطرق التنفسية ، والذي تستطيع تلك التمارين التنفسية العميقة التخفيف من ضرره إلى حد كبير ، بالإضافة إلى أنها تزيد من تدريب وقـدرة عضلة الحجاب الحاجز ، مما يقود بالنتيجة إلى سوية أعمق من التنفس ودرجة أفضل في الحصول على الأوكسجين بكمية أكثر وفراً وأكثر ملائمة لخلايا الجسم عموماً .

ويمكن الإشارة إلى أن التمارين التنفسية العميقة يمكن أن تجري على عدة أشكال ؛ أبسطها هو التدرب على أخذ شهيق عميق وببطء شديد خلال فترة زمنية يطيلها المتدرب تدريجياً ووسطياً تكون بين 6- 8 ثواني ، ثم يقوم المتدرب بحبس النفس لمدة تساوي ضعفي مدة أخذ الشهيق ، ثم إخراج الزفير بأبطأ ما يمكن والذي يفضل ألا يقل عن مدة الشهيق ، وتمثل هذه الطريقة واحدة من أبسط وأنجع الوسائل التدريبية للجهاز التنفسي ، والتي يفضل أن تجري على ثلاث مرات يومياً كل مرة تنطوي على الأقل على عشر حركات تدريبية .

ويمكن الإشارة أيضاً إلى أهمية الرياضة الخفيفة وغير العنيفة والتي تسهم وبشكل ملحوظ في زيادة سوية الدوران الدماغي ، وتحسن من فعالية الأوعية الدقيقة في نسيج الأم الحنون التي تغلق النسيج الدماغي ، وتزيد قدرة هذه الأوعية على نقل وتبادل المواد الغذائية والأوكسجين مع نسيج الدماغ .

وأبسط تلك التمارين هي التي تمتد لمدة ثلث إلى نصف ساعة يومياً ، وتلتزم بمجموعة من الحركات الرياضية البسيطة وغير العنيفة والتي تطبق تدريجياً ، بحيث يتم الوصول إلى سرعة ضربات القلب تصل إلى أكثر من 110 ضربات في الدقيقة لمدة ربع إلى ثلث ساعة يومياً .

وتعتبر هذه السوية من الرياضة كافية لحفاظ على سوية من التوازن في التروية الدموية الملائمة لكل أعضاء الجسم وخاصة بالنسبة لنسيجي الدماغ والقلب الحساسين بشكل أكثر وضوحاً لأي درجة من نقص الوارد الدموي الضروري لكل منهما .

 

ثانياً : التغذية والذاكرة :

يمكن الإشارة بكثير من الاقتناع العلمي إلى أن نموذج التغذية التي يتبعها الشخص تسهم وإلى حد كبير في سوية الأداء الذي تستطيع ذاكرته القيام به ، وبالتالي إن تحسين وضبط نموذج  التغذية لدى الشخص المهتم بصمته عموماً وبذاكرته خصوصاً يمكن أن يساعد في الوقاية من تردي الذاكرة الذي أشرنا إليه سابقاً ؛ وفيما يلي نشير إلى بعض أهم المحاور التي يجب الانتباه إليها عند التعامل مع هذا الموضوع :

إن وجبة الإفطار الصباحي تعتبر علمياً الوجبة الغذائية الأهم التي تستطيع مد الجسم بدرجة متوازنة بحاجاته من العناصر التغذوية خلال فترة العمل النهاري ، وإن عادة عدم الإفطار الصباحي تقود الخلايا الدماغية للمعاناة من أزمة نقص الوارد من السكريات وبالتالي يجعلها مضطرة للعمل ضمن شروط فرط النشاط الخلوي من أجل زيادة فعاليتها في إنتاج أقنية نقل السكر على سطح هذه الخلية من أجل تمكنها من أخذ كمية أكبر السكريات التي قل تركيزها في مجرى الدوران الدموي ، حيث أن السكريات هذه تمثل وحدة الطاقة الأساسية الضرورية للنشاط الدماغي والتي تتوفر في كافة المواد الغذائية ذات الطبيعة النشوية التي تعتبر أكثر إفادة من السكر الصرف في تغذية الخلايا ، وإن وضع الخلايا الدماغية في حال فرط النشاط المذكورة دون تقديم حاجاتها بشكل معتدل ومتوازن ومتلائم من الناحية الزمنية وخاصة خلال فترة العمل النهاري سيقودها إلى الوقوع في دائرة الإجهاد وبالتالي تدني قدراتها الأدائية .

يعتبر التنوع الغذائي عنصراً مكملاً وضرورياً لقيادة الصحة العامة للجسم ومن ضمنها الذاكرة إلى الوصول إلى سوية أدائية ناضجة ومتكاملة ، حيث يمثل التنوع الغذائي منهجاً في اختيار الطعام من المصادر الغذائية المختلفة وعدم الاقتصار على أشكال محدودة من المواد الغذائية ، إذ يجب أن يتوافر للجسم حد مقبول من التوازن بين الوارد من البروتينات بشكلها النباتي ( الموجود بوفرة في كافة أشكال البقوليات ) ، والحيوانية ( في اللحوم الحمراء والبيضاء ) والفيتامينات المتنوعة المتواجدة في الخضراوات والفواكه وعدم الإفراط في أي منها على حساب الآخر ، وبشكل يعتمد الاعتدال في الأكل عموماً وخاصة بالنسبة لتلك الدهون المشبعة بالدهن الحيواني والزبدة الحيوانية والسمون الحيوانية ،  وصفار البيض ، خصوصاً بالنسبة لأولئك الأشخاص الذين تجاوزوا سن الخمسين حيث يفضل أن يخضعوا إلى الحد الأدنى من ذلك الوارد من الدهون والتوقف تماماً عن تناول صفار البيض ، حيث أن عدم الاعتدال في تناول هذه المواد يؤدي وبشكل مثبت علمياً إلى زيادة معدل تصلب الشرايين عموماً ومن ضمنها الشرايين التي تغذي الدماغ وتقود بالتالي إلى نقص المدد الدموي الوارد للدماغ والذي يعتبر مقدمة لكل عقابيل نقص التروية الدماغية ، بالإضافة إلى ما يُوهب له تصلب الشرايين من ارتفاع ضغط الدم والذي يحمل عقابيل غير محمودة على الجسم عموماً والدماغي خصوصاً .

وفي نفس السياق يجدر أن نشير إلى محورية مكافحة فقر الدم عند الأطفال والشباب حيث أن فقر الدم يؤدي إلى نقص قدرة الكريات الحمراء على نقل الحاجات الضرورية من الأوكسجين إلى الدماغ وبالتالي يضع الجهاز الدوراني في حالة نشاط زائد للمعاوضة والتي قد لا تفلح في بعض الحالات ، والتي ستنعكس بنقص قدرة الخلايا الدماغية على النشاط والأداء الحيوي الضروري ، وبالتالي يقود ذلك إلى شيخوختها المبكرة ونضيف هنا نقطة على درجة عالية من الأهمية وتشير إلى تعرض الكثير من الأطفال الذين يستهلكون  تلك المنتجات الاستهلاكية من الحلويات ومشتقاتها يعانون في غالب الأحيان من فقر الدم نتيجة لاضطراب عاداتهم الغذائية لاعتمادهم على تلك المنتجات في تغذيتهم والتي تبعدهم عن تناول الطعام التقليدي الضروري لبناء أجسامهم وأدمغتهم ، بالإضافة إلى ذلك نشير إلى أن الفتيات اليافعات يعانين في كثير من الأحيان من فقر الدم نتيجة لتغيرات الهرمونية في أجسادهن وما ينجم عنها من ظواهر دورية ، وهذا يشترط منا الانتباه إلى إمكانية معاناة هاتين الفئتين وتجنب الأسباب المفاقمة لها ، واستشارة الطبيب في حالة الفتيات اليافعات لوصف العلاج الداعم عند وجود ضرورة لذلك ،

أما التدخين فيحتاج منا وقفة مدققة إلى الحد الأقصى ، إذ أنه يسهم وبشكل مثبت علمياً في تضييق الشرينات الصغيرة وما ينجم عنها من شحوب واضح على المريض في ملتحمته ( أي الغشاء الموعى الذي يغطي الجزء الأبيض من العين ) وفي بشرته عموماً ، ويقود ذلك في أنسجة الدماغ ويتجه لتضييق الشرينات الدماغية إلى معانـاة الخايا الدماغية من نقص الوارد الدموي وبالتالي تصور الوارد من الأوكسجين لخلايا ومعاناتها جـراء ذلـك ، ويعرضها ذلك إلى الوقوع في خطر التنكس والتروي المبكرين ، وأحد أهم الأمثلة اليومية هو أن نسبة مرض الزهايمر ( شكل من أشكال الخرف الشيخي المبكر والشديد ) وداء باركنسون تزيد بشكل ملحوظ عند المدخنين .

 

ثالثاً : تمرين الذاكرة :

ويعتبر المدخل المكمل والضروري بالنسبة للمحورين السابقين أي الرياضة والتغذية ، ويتضح عملياً دور تمرين الذاكـرة في الحفاظ عليها من ملاحظتنا لأولئك الشيوخ الذين يستمرون في عمليـة التعلم واكتساب المعارف ، ويتمكنون بشكل مذهل من الحفاظ على سوية متميزة من أداء الذاكرة لديهم ، ويكمن التفسير العلمي لهذه الظاهرة بكون عملية التدريب المستمر للذاكرة تقود الخلايا الدماغية للبقاء نشيطة في حالة العمل ويشترط عليها أن تعمل وبجد لإنتاج البروتينات المسؤولة عن تخزين الذاكرة من خلال مراكمتها في شقوق النقل بين الخلايا العصبية فتصبح هذه الخلايا نشيطة ومتدربة وتتحمل جهوداً عالية دون أن يصيبها الإعياء مثلها مثل خلايا الجهاز العضلي لدى أولئك الذين يمارسون الرياضة ويكونون أكثر نشاطاً من أقرانهم غير المتدربين ، نتيجة تعود خلاياهم على النشاط الرياضي .

وإن عملية تدريب الذاكرة أساساً تتضمن كثيراً من الفعاليات المتنوعة والجذابة التي يمكن أن يقوم بها الفرد ابتداءً من عملية القراءة اليومية وخاصة قبل النوم وصباحاً في فترة ما حول الإفطار ، وصولاً إلى الدراسة العلمية أو الأدبية بشتى فروعها وأشكالها ، ويعتبر حفظ الأشعار واحدة من المواضيع التي تركز عليها الدراسات وترى بأنها تسهم في تنشيط معظم فعاليات الدماغ التحليلية - التركيبية والاستقبالية الحركية .

ويمثل الابتعاد عن الحياة النمطية ( الروتينية ) السكونية التي تميل إلى أن تصبح حياة منفعلة مسيرة بالمطلق هدفها الأكل والشراب وما شابههما ، المدخل الأوسع للدخول في دائرة تردي الذاكرة ، حيث يصاب الدماغ عموماً بالخمول ويصبح أكثر عرضة للإصابة بكل أشكال التنكس الخلوي ، ولذا يجب السعي للابتعاد بشكل مطلق عن السكونية وعدم الاكتراث واللامبالاة ، لصالح الحيوية والقتال المستمر لإثبات الذات ، في وجه الصعاب التي تكاثرت في الزمن الذي نعايشه حالياً ، ولكنها لا يمكن أن تقودنا إلى التهالك والانهيار .

ويجب بالإضافة إلى ذلك الإقلال من مشاهدة التلفاز بكل أشكال البرامج التي يمكن أن يمكن متابعتها عليه ( محطات فضائية – فيديو … ) لصالح زيادة الاستماع إلى الإذاعة وقراءة الصحف مما يشجع الدماغ على الفعل من خلال تخيله لصورة الحدث الذي يسمع عنه أو يقرأ عنه أكثر من أن يتلقاها جاهزة من خلال التلفاز ، فيكون الدماغ قد اشترك في العملية الاستيعابية التحليلية بشكل فاعل ،  وهذا هو الهدف المنشود أساساً في توجهنا للحفاظ على ذاكرتنا من التردي .

وإن محاربة القلق ومختلف الظواهر الاكتئابية المبسطة التي يعاني منها الكثير من الأخوة والأصدقاء من خلال الاقتناع بأن دورية الزمن تقع دائماً بين مد وجزر وحتى لو كنا في الجزر فهذا يستدعي منا المشي قدماً مستخدمين كل العقلانية والدأب للوصول إلى البحر والانطلاق في مسيرة العمل الفاعل ، إذ أن زمننا الحالي أصبح شديد التعقيد ، وليس من السهل مغالبته بالركون إلى الاستكانة إلى شروطه وإنما يجب السعي وباستنارة عقلانية ، ناظرين إلى المدى البعيد ، إلى كل إمكانيات التغيير و إعادة البناء ومقتنعين أن القلق والاكتئاب لا يقودا إلا إلى الطريق الهامشي في هذه الحياة ولا يمكن أن ينتجا غير العقم الفكري ، والذي يشكل الآفة الكبرى التي تعرض ذاكرتنا للتردي والتنكس ، فلذلك ينبغي علينا التحلي بكل ما يمكن أن يدمج العقل في العمل من أجل الخير للفرد ذاته ولمجتمعه المحيط به .

 

وأخيراً ، نقول أن تضافر المداخل الثلاثة والعمل بها معاً هو الكفيل الوحيد بالحفاظ على الذاكرة التي من دونها يصب الاستمرار في عملية التواصل البناء مع الذات ومع الآخرين ، من أجل تحقيق الذات الفاعلة الصحيحة القادرة دائماً على الإبداع والعطاء على المستويين الشخصي والاجتماعي .

 

ـــــــــــــــــــــــــــــ

مصعب قاسم عزّاوي