الموقع الشخصي للدكتور مصعب عزَّاوي

القدس العربي - 23-10-2015

نشرت صحيفة الغارديان البريطانية في الخامس عشر من سبتمبر المنصرم مقالاً حصرياً بعنوان(( تجاهل الغرب للعرض الروسي في العام 2012 لتنحي الأسد في سورية)). و جوهر المقال يقوم على ما أدلى به مؤخراً الرئيس الفنلندي السابق مارتي أهتيساري لتلك الصحيفة عن تفاصيل مهمة مفاوضات الكواليس السرية التي تم تكليفه بها في شهر فبراير من العام 2012 للسعي إلى تحقيق توافق ما بين الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي بصدد المسألة السورية، و التي تمخضت عن مرتكزين أساسين شكلا جوهر المقال المذكور؛ الأول هو عرض المندوب الروسي الدائم خلال تلك المفاوضات على أهتيساري ترتيب عملية تنحي (( لائقة للأسد)) في سياق مفاوضات سورية جامعة تضم النظام السوري و فصائل المعارضة، و الثاني هو تجاهل الولايات المتحدة، و بريطانيا، وفرنسا لذلك العرض بحجة أنهم مقتنعون بأن سقوط الأسد هو قاب قوسين أو أدنى من التحقق.

 

ويحق لكل متابع لتحولات الفاجعة السورية عموماً، و لكل خبير في تضاريسها أن يستعيد حقيقة تطبيق تلك القوى الغربية التي سمّاها أهتيساري سياسة الخنق المتغاير الدرجة سواء بشكل مباشر، أو موارب عن طريق من يأتمر بأمرها ممن يتحكم بشرايين إمداد كتائب الجيش السوري الحر، و التي انطوت على إرخاء نسبي لشرايين الدعم و الإمداد بمختلف تجلياتهما لتحقيق تقدم تكتيكي لتلك الكتائب مشروط بأن لا يغير استراتيجياً من توازن اللاغالب واللامغلوب في سورية، و أي إخلال بذلك التوازن يقتضي حتماً خنق تلك الشرايين إلى أن يعود ذلك التوازن إلى مستقره السرمدي في عمر الجلجلة السورية، و هو المستقر الذي يعني ميدانياً بأن لا يستطيع عناصر الجيش الحر اقتحام دمشق، و إفقاد النظام إمكانية السيطرة على العاصمة السورية؛ و كل  الانزياحات المعزولة عن ذلك الواقع الميداني كان مآل جميعها الإخفاق لعدم توفر الاشتراطات المادية و اللوجستية الضرورية لتحققها جزئياً أو كلياً.

في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة كان الرئيس الروسي بوتين صريحاً إلى درجة الفظاظة حينما رفض الانتقادات الموجهة (( للطموحات الروسية المتنامية في سورية كما لو أن منتقدي السياسة الروسية في سورية ليسوا ذوي طموحات في سورية، والتي ترفض روسيا الانصياع لها، و لشروط التوازنات الدولية الراهنة)).

نعم إنه توصيف صريح من زعيم يقود دولة عظمى لتحقيق مصالح الفئات المتنفذة فيها سواءً كانت تكتلات اقتصادية، أو صناعية، أو مافيوية، دون تنميقات لغرض الدعاية الإعلامية بالشكل الذي يتم به إخراج و تزويق الخطاب الدعائي الغربي Propaganda برماد الحديث عن نشر الديموقراطية، و توطيد حقوق الإنسان، و الاقتصاد الليبرالي الحر، الذي لا غرض منه سوى ذره في العيون الشاخصة بحثاً عن مخرج لها من هول الفاجعة السورية.

و السؤال المنطقي الذي يطرح نفسه في ذلك السياق هو الأسباب الموضوعية لرفض القوى الغربية للعرض الروسي بتنحي الأسد في صفقة سياسية تم إتخاذها في مجلس الأمن تحفظ لروسيا مصالحها في سورية، و قد تحقق بشكل مشوه و مجتزأ طموحات الشعب السوري في الانعتاق من جلاده و نظامه الفاشي، و تحفظ حيوات مئات الآلاف من القتلى، و الجرحى، و المعاقين، و الأيتام، و الأيامى، و الثكالى. صفقة تبقى في أسوأ حالاتها أفضل من الطرح الرائج على لسان القادة الغربيين، بغض النظر عن التذبذبات المقصودة في خطابهم لغرض التعمية عن جوهر الإرادة السياسية الغربية حالياً، و المتمثل بلفلفة الأزمة السورية كيفما اتفق بحكومة انتقالية اعتباطية يرأسها الأسد إلى مدة زمنية يصعب التكهن بها حسب تصريحات رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون ووزير خارجيته. لفلفة نكوصية لوقف طوفان المهاجرين إلى أوربا، و الذي بدى أنه إيذان بتعليق لعبة الأمم على الأرض السورية بعد تحقيقها بعضاً من الأهداف الموضوعية المرسومة لها، و التي كانت المطالبات بتنحي الأسد، و ما رافقها من خطوط حمراء كيمياوية على الطريقة البلاغية الأوبامية جزءاً من أدواتها الإخراجية الدقيقة، و ليس تخبطاً في سياسات تحقيق مصالح الدول العظمى كما تريد معظم الوسائل الإعلامية الغربية و من لف لفها عربياً تصويره.

لقد كان تهشيم الدولة و المجتمع في سورية، تالياً موضوعياً لتذرية العراق عمقاً وسطحاً، و نموذجاً وصفياً لسلوك الإدارات الغربية في التعامل مع المجتمعات الحضارية التي تكاد تنعتق من بنيان الكيانات المستقلة شكلاً، و التي لم يبارحها مستعمروها فعلاً؛ فهي تشكل وفق وصف الأب الروحي للسياسة الخارجية للولايات المتحدة هنري كسينجر ((فيروس التحرر))  و الذي كان لابد من وأده بطريقة أو بأخرى لكي لا ينتقل إلى أجزاء أخرى في الجسد الجغرافي العربي المنهك قمعاً وفساداً و تبعية، فكان لابد من دك الوطن السوري في أتون الاقتتال الأهلي كأحد أفضل وسائل التحطيم الذاتي ووأد احتمالات استنبات (( فيروس التحرر)) في الأرض السورية، ليستقر في الفراغ الذي تركه كل إرهاصات الموات الداعشي الذي لا خوف منه و لا يحزنون.

وعلى المقلب الآخر من المقاربة الغربية للفاجعة السورية، كانت تلك الأخيرة بوابة عريضة لإنهاك إيران اقتصادياً و عسكرياً و إيدلوجياً، و إرغامها على التعبير عسكرياً عن طموحاتها التوسعية التي كانت تسعى لتحقيقها من قبل بوسائل أقرب للقوة الناعمة soft power، و هو ما أنتج تسعيراً للمواجهة الأيديولوجية بين العرب عموماً و دول الخليج العربي خصوصاً من جهة، و إيران من جهة أخرى، و التي احتاج كل فريق في سياق ذلك السعار إلى حموله مهولة من الإيديولوجيا لتبرير حقه المقدس في الانتصار في تلك المواجهة التي تحولت إلى صراع وجودي صفري. و هي نفس المواجهة التي اقتضت حرف وكلاء إيران في المنطقة العربية عن مشروعهم التحرري في مواجهة الكيان الصهيوني، سواءً كان ذلك الأخير قناعاً إيديولوجياً لتوطيد سلطة القوة الإيرانية الناعمة، وكسب تعاطف العرب المكلومين بجرحهم الفلسطيني النازف أبداً، أو مشروعاً نضالياً حقاً، و إرغامهم على الظهور بوجه طائفي مستأسد بشع، أبعدهم بقوة واقع الاستنزاف الموضوعي المعاش لكل قواهم الفعلية و الممكنة عن أي إمكانية تشكيل أي تهديد للكيان الصهيوني بعد الآن. و لا أمامهم الآن سوى التخندق، و التحوط انتظاراً لانتقام من نكّلوا بهم من أبناء جلدهم.

و مثّل إقحام دول الخليج في سياق المأساة السورية في مواجهة وجودية مع إيران المدخل الموضوعي لتغلغل شعور الخوف الوجودي في البنية السياسية الخليجية، بشكل لا يكاد يختلف عن هلع درء الخطر الوجودي الداهم  بخطيئة تاريخية كليانية، كما تم اجتراحه في سياق حرب الخليج الثانية و ما تمخض عنها من نتائج كارثية، و الذي ليس له من سبيل للتمظهر سياسياً سوى بفتح صبيب البترودولار على مصاريعه ليتدفق إلى شرايين المجتمع العسكري الصناعي الأمريكي، و معامل سلاحه، بصفقات بليونية، مشفوعاً بالتزام مطلق بالبقاء تحت مظلة العم سام العسكرية تحوطاً من وثوب الغول الإيراني.

و ختاماً قد تستقيم المجادلة بأنه قد تم تخليق الفاجعة السورية أتوناً موضعاً، بتواطؤ بين إرادات كل الأعدقاء من القوى العظمى في روسيا و العالم الغربي، للدفع بكل متطرفي تلك الدول بالتوازي مع جل الكيانات العربية و الإسلامية ليتم حرقهم و التخلص منهم جميعاً في عملية طويلة يحكم نسقها العام معادلة الفخّار العربي و الإسلامي الذي يكسّر بعضه بعضاً. و إلى أن تتغير شروط الأرض التي تلعب عليها الأمم العظمى في الفاجعة السورية سوف يبقى العرب و المسلمون فخّاراً ينتظر أوان تهشيمه بفخار آخر من دمه ولحمه.

 

د. مصعب قاسم عزّاوي

كاتب سوري مقيم في لندن