الموقع الشخصي للدكتور مصعب عزَّاوي

العربي الجديد - 06-03-2016

تحاول الطبقة السياسية الحاكمة في أوربا بمختلف أطيافها سواء بشكل مباشر، أو مواربة،  تجريع ناخبيها في بلدانها معادلة أحادية الاتجاه تستند إلى أن الخطوة الأولى في وقف طوفان اللاجئين القادمين إلى أوربا هو تسوية اعتباطية للكارثة السورية تقوم على لفلفتها وفق الأجندة الروسية أساساً، أو كيفما اتفق، بإعادة عقارب التاريخ سنوات خمسة إلى الوراء، بإعادة الاعتبار السياسي لنظام بشار الأسد سواء به أو بدونه رأساً لهذا النظام. وتلك المعادلة كفيلة بحسب زاعميها بإعادة المقهورين السوريين إلى حظيرة القمع التاريخي القادر وحده على إرغامهم على الموت في وطنهم، دون تمكنهم من الخروج منه في قوارب الموت في مقامرة تحتمل كارثة الموت السرمدي بديلاً عن الموت مع وقف التنفيذ المعاش يومياً، سعياً للوصول إلى شواطئ أوربا و حلماً بحياة طبيعية لهم ولأطفالهم.

 

ويحق للمتابع المدقق أن يفند منهجياً عوار تلك الأطروحة السياسية الانتهازية، والقافزة فوق شروط الواقع العياني المشخص إقليمياً ودولياً لأسباب متداخلة ومتفاعلة فيما بينها أهمها:

أولاً: إن إعادة تأهيل نظام بشار الأسد سواء به، أو بدونه رأساً للنظام، هو عملية سوف تقود بنفسها عملياً إلى إفراغ الوطن السوري من كوادره من الذكور جميعاً من أولئك تحت سن 45 عاماً ممن يطلبون عادة للخدمة الاحتياطية في جيش النظام، بغض النظر عن معارضتهم المعنوية أو الملموسة للنظام أو غير ذلك، و هو ما يجري فعلياً بشكل يومي في مدينة دمشق التي لم تشارك فعلياً في انتفاضة الشعب السوري، ويهدد بإرغام الملايين  من أبناء الطبقات الوسطى في مدينة دمشق عن التوقف عن استخدام مدخراتهم في رشوة أجهزة النظام القمعية لغض النظر عنهم إلى حين، واستخدامها في تغطية نفقات تغريبة اللجوء إلى أوربا. وعلى المقلب الآخر يمثل التفكر بإمكانية تمكن نظام بشار الأسد من السيطرة بالشكل الذي اعتاد عليه أمنياً و عسكرياً على المناطق السورية التي انتفضت عليه، بيضة القبان التي سوف ترجح كفة خيار الرحيل عبر قوارب الموت أو غيرها لكل من لم يغادر الوطن السوري الهشيم، لمعرفة السوريين جميعهم بالنية الثأرية الانتقامية والفاشية في آن معاً للنظام السوري، و آلياته الداخلية و التنفيذية التي خبرها الشعب السوري خلال عقود طويلة من القهر في سني الثورة الأخيرة، و ما قبلها من تنكيل لم يبارح ذاكرة الشعب السوري المظلوم.

ثانياً: إن تدقيقاً منهجياً يتجاوز ضبابية التغطية الإعلامية المتعمدة للمأساة السورية، وصنوها المتمثل في تراجيديا قوافل اللاجئين إلى أوربا، بالاستناد إلى الدراسات الإحصائية لمفوضية الأمم المتحدة العليا لشؤون اللاجئين UNHCR، يرشح عنه حقيقة مفادها غوغائية، وشعبوية الطرح السياسي المشار إليه أعلاه؛ حيث أن تلك الإحصائيات توضح بشكل صريح لا يقبل الالتباس بأن نسبة السوريين من العدد الكلي للاجئين إلى أوربا لم تمثل في أي من الأشهر المنصرمة من عمر جلجلة الثورة السورية أكثر من نصف أعداد اللاجئين إلى أوربا، وهي في المتوسط حوالي 41% فقط من الأعداد الكلية لأولئك اللاجئين، و أن نسبة تقارب النصف منهم تأتي من العراق و أفغانستان. و هو ما يعيدنا إلى مفاعيل الحروب المستمرة التي لم تنقطع في العالمين العربي و الإسلامي منذ إعلان جورج بوش الإبن عقب أحداث الحادي عشر من أيلول بأن " الولايات المتحدة تحتاج إلى ركل مؤخرة ما " و هو ما عنى في القاموس السياسي و العسكري الأمريكي إدخال العالمين العربي و الإسلامي في أتون  الحروب الأمريكية التي لا تنقطع، و التي كان عمادها الأول في عهد بوش الإبن منهجية الأرض المحروقة، وتهشيم المجتمع و الإنسان، ورمي كل من يواجه الغول الأمريكي في غياهب المعتقلات المدارة أمريكياً، أو بأيادي وكلائها المحليين كما في أبو غريب، و التاجي العراقيين. و لا ننسى بأن ذلك الأخير كان مختبر تصنيع القيادات الداعشية المحورية التي رصفت اللبنات الأولى في تخليق ذلك التنظيم السرطاني قبل هروبهم على طريقة أفلام هوليود منه في يوليو 2013. وهي نفس منهجية الحرب الأمريكية السرمدية ضد كل من لم يسر في ركابها، و التي تطفرت وحشياً في عهد أوباما لتصبح أقل جعجعة، و أكثر إيلاماً، بالاستغناء عن الحاجة إلى المعتقلات، حيث تقوم الطائرات من دون طيار بواجب القتل لمن كان يتوجب اعتقاله في عهد بوش الإبن، بغض النظر عن من قد يُقتل بطريق الخطأ  كأضرار جانبية لا مفرّ منها حسب توصيف السّاسة الأمريكان، على الرغم ممّا يعني ذلك من خوف مقيم لدى كل من يعيش تحت خيمة طائرات الموت، سوف يدفعه عفوياً للتفكر بأن قوارب الموت هي الخيار الأكثر واقعية، و هو ما يحدث فعلياً و يومياً في كل الدول التي يمثل مواطنوها أكثر من 50% من اللاجئين إلى أوربا حسب نفس المنظمة الدولية الآنفة الذكر.

ثالثاً: إن تغوّل الشركات الغربية العابرة للقارات، وخضوع حكومات دولها إلى سطوتها الكليانية، إلى حد تمنع الكثير من تلك الشركات عن دفع الحد الأدنى من الضرائب المستحقة عن أرباحها بالاستناد إلى تلفيقات قانونية بهلوانية للضحك بها على الرأي العام. و هي سطوة تصل إلى حد قيام  تلك الشركات من خلال من صنَّعتهم بتمويلها السري أو العلني للوصول إلى مراتب السلطة التنفيذية والتشريعية في العالم الغربي، برسم دور دولها و الجيوش التابعة لها في تفكيك كل البنى الاجتماعية، و القانونية، و الاقتصادية في دول العالم الثالث القادرة على القيام بدورها الطبيعي في التنمية وحماية الاقتصاد الوطني، واستبدالها بطغم فاسدة، عسكرية كانت، أو ليبرالية كمبرادورية، لتسهل لتلك الشركات عمليات النهب المنظم لثروات الدول النامية دون رقيب أو حسيب، في عقود استثمارية خُلَّبية، لا تقدم فعلياً لأبناء الدول النامية سوى التلوث البيئي، و العمل في شروط تكاد أن تكون العبودية نفسها، وبعوائد أقرب ما تكون إلى الصفر المكعب مترافقة مع إعفاءات ضريبية شبه مطلقة تحت يافطة تشجيع الاستثمار. و إذا أضفنا إلى ذلك الواقع، اشتراط دوام الحروب المستمرة التي احتفت بها كبرى شركات إنتاج السلاح العالمية في مؤتمرها الذي لم يتم تغطيته إعلامياً في (ويست بالم بيتش) في مؤتمر (كرديت سويس) في شهر ديسمبر المنصرم والذي أشار أحد أقطابه إلى "الفوائد غير المباشرة" من الحروب في "سورية و منطقة الشرق الأوسط"، و من "التصعيد العسكري بين تركيا وروسيا" و الذي أدى بشكل طبيعي لزيادة الطلب في"مسارح تلك النزاعات" على منتجات شركات السلاح الكبرى المشاركة في المؤتمر!

و إذا أضفنا إلى ذلك الثالوث الجهنمي واقع التغير المناخي الذي سوف يؤدي إلى شح  متسارع في موارد المياه العذبة على المستوى الكوني، و إلى تفاقم مهول في زحف التصحر على الأراضي الزراعية، بما يعني في مجمله سقوط الملايين من مفقري العالم، و أولهم المكلومون في العالمين العربي و الإسلامي سقوطاً حراً إلى خيار اللجوء إلى قوارب الموت المتجهة صوب القارة البيضاء، التي لازال سياسيوها يحاولون التلطي خلف دخان ماكينات الدعاية السياسية، و تقنيات غسل الأدمغة إعلامياً، و الهروب إلى الأمام بمحاولة إيهام شعوبها بأن أُس مأساة اللاجئين المتقاطرين أحياءً أو غرقى على شطآنهم هو الشعب السوري الذي يرفض العودة بعقارب الساعة التاريخية إلى الوراء.

 

د. مصعب قاسم عزّاوي

كاتب سوري مقيم في لندن