الموقع الشخصي للدكتور مصعب عزَّاوي

1-  مقدمة : في عصر الاختراق والتفتت والتبعية ، عصر العولمة والاستلاب المعرفي وتغييب الثقافات الوطنية في إطار سيادة النمط الاستبدادي للقطب الواحد ، وفي ظل انحسار المنظومات الفكرية الكبرى لصالح قوانين السوق وشروط صندوق النقد الدولي ضمن سيرورة إضعاف دور الدولة الوطنية وإقصاء مفهوم الدولة – الأمة كحاوٍ موضوعي للنشاط الاقتصادي الاجتماعي لمنظومة من التشكيلات الاقتصادية الاجتماعية تشكل ذاتاً كلية تمارس فعلها في موضوع كلي واحد .

قد يكون من أكثر المهمات إلحاحية على جدول الأعمال الثقافي التنويري في مجتمعنا العربي هو عملية القيام بوقفة نقدية مدققة عند مركبات العطالة الذاتية التي تقف بتعنت في وجه عملية الدفاع عن المجتمع العربي ضمن مخاضه الصعب الذي يجتازه حالياً للبقاء حياً وحراً وديموقراطياً ، وتمثل هذه المركبات حصيلة تنكس منظومات القيم من خلال عملية التهشيم التاريخي المتعمد لسيرورة النضج الاجتماعي ـ الاقتصادي المؤسسي والذي ينوس في مسبباته بين مركبات التناقض والسلوكية الداخلية وبين عناصر التأثير الخارجي التفتيتية التهشيمية والتي تتداخل فيما بينها بجدلية تجمع الكل ( الداخلي والخارجي ) في عملية التأثير .

لماذا حمى الخنازير ؟

في زحمة الأزمة المالية العالمية التي عبرت بوضوح و جلاء عن عمق الأزمة البنيوية التي يعاني منها النظام الرأسمالي المتوحش بشكله العولمي المستكبر ، كانت انطلاقة حمى الخنازير في المكسيك الربيع الماضي و هي نفس اللحظة التي تردت فيها أرباح شركات الأدوية و الصناعة الحيوية الدوائية على الصعيد العالمي بشكل كبير جراء تراجع أسهمها الخلبية في الأسواق المالية العالمية و خاصة بورصة نيويورك ، فأتت حمى الخنازير لتنقذ مجموعة شركات الأدوية العابرة للقارات Roche و التي تتحكم ب 22% من سوق الدواء العالمي حيث حصدت بناء على تصريحاتPJ Morgan من بنك الاستثمار الدولي 3 بليون دولار لمبيعات للأدوية مضادات الفيروسات التي تصنعها تلك المجموعة السويسرية العابرة للقارات مع الإشارة إلى أن جميع هذه الأموال تأتي من أموال دافعي الضرائب المسحوقين في الدول الغربية الذين يئنون من وطأة التواطؤ المريع بين حكوماتها التي تعمل في واقع الأمر كوكيل تنفيذي لتلك الشركات العابرة للقارات في عملية تنظيم امتصاصها لجهد و روح الطبقات المسحوقة المظلومة على المستوى الكوني .