الموقع الشخصي للدكتور مصعب عزَّاوي

القدس العربي - 14-01-2015

إن تحليلاً رصيناً للفاجعة الإنسانية التي حدثت في مقر مجلة شارلي إيبدو الفرنسية يستدعي استحضار مبدأية الاستنكار لهول الواقعة، بالتوازي مع ضرورة التفكر في الأسباب الموضوعية و المتواترة في صياغة تفاصيل عملية صناعة التطرف الإسلامي، و تكوين المتطرفين الإسلاميين من أبناء الجاليات العربية و المسلمة في الغرب.

 و يمكن للتفكر المتمعن في الواقع العياني المشخص أن ينطلق من بديهية أن أولئك المتطرفين لم يولدوا متطرفين أصلاً، و إنما تم تكوينهم بشكل تراكمي و متآثر مع المحيط الاجتماعي الذين يعيشون فيه في الغرب عموماً، بالتوازي مع تمحيصٍ مدققٍ في نموذج و مفاعيل علاقتهم مع النظام المؤسساتي في الدول الغربية، و خاصة دول غرب أوربا، الذي لا تزال العنصرية المؤسساتية  (Institutional Racism) حالة راسخة فيه لم تبذل لها الحكومات الغربية جهوداً فعلياً مؤثرةً لاستئصالها، و ذلك لحاجتها العضوية لها في استغلالها الشعبوي لحرف نظر جماهيرها الانتخابية عن حقيقة سلسلة الأزمات البنيوية و العضوية التي تعيشها المجتمعات الغربية، و تقديمها على أنها أزمة تولدت بشكلٍ توأمي مع وفود أولئك المهاجرين الملونين الذين سرقوا الوظائف من مواطني تلك الدول و شاركوهم في قوتهم، و دون أن تتم الإشارة إلى أن الأزمة في المجتمعات الغربية هي أزمة عضوية و بنيوية مرتبطة بنظام الإنتاج الرأسمالي المعولم في تلك الدول القائم على تدني مساهمة الإنتاج الحقيقي الزراعي و الصناعي لصالح تعملق نتاجات رأس المال المالي الفقاعي الطابع، و المرتبط عضوياً بالمضاربات المالية الغير مستندة إلى إنتاج قيمة مضافة ملموسة في إطار إنتاج حقيقي. و لقد أدت تلك العنصرية البنيوية فعلياً إلى لفظ أعداد هائلة من اللاجئين العرب و المسلمين في الدول الغربية من سياق الارتباط الفعلي بالمجتمعات التي يعيشون فيها إلى حالة من الاغتراب الدائم عن تلك المجتمعات. فهم في معظم الأحوال عاطلون عن العمل يعيشون في أحياء فقيرة و يكتفون بمعونة اجتماعية بسيطة تكاد تقيهم فقط من الحاجة للتسول في شوارع المال و الأعمال في المدن الغربية.

 

و يفاقم ذلك الواقع الاغترابي التعزيز المستمر و المتواتر لحالة الوعي بالذات الجمعية المهزومة تاريخياً لدى جماهير المهاجرين العرب و المسلمين في الغرب، و الشاخص في بعض مفاصله من خلال الاستعلاء السياسي في تعامل الدول الغربية مع مستعمراتها السابقة من منطلق علاقة السيد بالعبد المنفلت من عقاله الطبيعي كما هو الحال في رفض كل الرؤساء الفرنسيين الاعتذار لبلد المليون شهيد عن تاريخ بلدهم الاستعماري، و تورية في ذلك الرفض بعبارات دبلوماسية لا تخفي جوهرها الاستعلائي و العنصري في آن معاً، والذين لخصهما دون مواربة مشروع قانون تمجيد الماضي الاستعماري لفرنسا الذي اعتمدته الجمعية الوطنية الفرنسية في العام 2005 بالأغلبية شبه المطلقة. و على الطرف الآخر من جدلية تخليق التطرف الإسلامي يبرز استنهاض كل مركبات القهر الاجتماعي و التاريخي و النفسي في ذوات المهاجرين المهمشين و تحويلها إلى حالة من اليأس النفقي الذي لا يستطيع إبصار أي نورٍ في خبايا النفق المظلم سوى ذلك الخيار الانتقامي البدائي في طبيعته، و التي يقدم أدواته، و تفاصيله، ألوانه، و إخراجاته  المنفلتة من كل عقال المارد الداعشي الخارج من قمقم الجحيم السوري، الذي يتلاقى في وعي المتلقي له قبل قبوله و استبطانه و هضمه معرفياً بالخطاب الغربي المزدوج المعايير عن الدفاع عن حقوق الإنسان و الديمقراطية على الصعيد العالمي، و الذي يشترط  التدخل فعلياً في أي موقع في العالم حين يترافق ذلك بمصالح استراتيجية و اقتصادية و سياسية للدول الغربية، و انكفاءً نفاقياً و تبريراً تلفيقياً حينما لا تتقاطع العناوين العريضة لمبادئ شرعة حقوق الإنسان الدولية و القانون الدولي مع مصالح الدول الغربية صاحبة ذلك الخطاب. إذن فإن ذلك المارد الذي تم تركه ليشرأب من بذور اليأس الكلياني في الأرض السورية و العراقية على المذهب الداعشي جدير بالاتباع و الانقياد الأعمى له. فهو بتبسيطه الساذج  لأزمة العرب و المسلمين يضع الحل في ثنائية مهولة في واقعيتها في ذهن متلقيها المقهور، و مخيفة في عقابيلها على قدرة الشعوب العربية و الإسلامية المقهورة و المظلومة على الخروج من نفق اليأس الذي أريد إدخالها فيه عنوة؛ يتمثل في معادلة صفرية مقامها: ((ذوقوا بعضاً من الموت الزؤام الذي طالما أذقتمونا إياه))، وهي معادلة صفرية لا يستقيم إبطالها إلا بإبطال عناصرها و ترك أبناء الوطن السوري و كل أقانيمهم في الدول العربية و الإسلامية لتحقيق حقهم الطبيعي في الكرامة و الحرية و العدالة الاجتماعية دون تآمر مخاتل و مضمر لغاية في نفس يعقوب لم يعد خافياً على من قضى نحبه من أفواج المقهورين من العرب و المسلمين في الغرب في  فواجع مهولة، و هم يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم، و عيونهم معلقة على لهيب الجحيم الداعشي الذي لن يبقي و لن يذر ما دامت تلك المعادلة الصفرية قائمة.

 

مصعب قاسم عزّاوي