الموقع الشخصي للدكتور مصعب عزَّاوي

القدس العربي - 03-02-2015

يكتسي التحليل المنهجي المدقق في حقل صناعة التطرف في المجتمعات العربية، و ترسيخ العنف كإحدى وسائل التفاعل الجمعي في الواقع العربي بصعوبة بالغة تتعلق أساساً في التداخل المتراكب لجدلية تفاعل الداخل عربياً و الخارج دولياً، الذي لا يمكن تبرئته من فعل تراكمي أدى إلى مفاقمة الأعطاب الذاتية في البنية الاجتماعية العربية، و تحويلها إلى ثقوب في الحياض الاجتماعي العربي يكاد ينسل منها كل نسيج و تعاقد اجتماعي سالف التحقق في المجتمعات العربية، و لا تبقي خلفها سوى كتلة هلامية من البشر الذين لا يجمعهم سوى التواجد في نفس المكان و الزمان في مجتمع هو الهشيم بحد ذاته.

و قد يكون البعد الذاتي بوجهه المتمثل بإخفاق جميع الدول العربية الخارجة من رحم الاستعمار، و مبضع اتفاقيات سايكس بيكو الخبيثة سياسياً و تاريخياً بالمعنى المنهجي، في تشكيل هوية وطنية جامعة تنطلق من حدود واضحة للعقد الاجتماعي الناظم للعلاقة المؤسسية بين أبناء الوطن الواحد فيما بينهم، و هؤلاء الأخيرين مع الدولة التي يفترض بها ضبط و صيانة ذلك العقد الاجتماعي. و فعلياً لقد أخفقت النظم العربية جميعاً على اختلاف الاتجاهات التي اتخذتها سواءً القومية، أو الاشتراكية، أو الدينية المحافظة، أو الليبرالية المنفلتة من كل عقال، أو العفوية المنفعلة التي لا يحكمها إلا سياسة الانقياد لما يريده أسيادها في الغرب و المستثمرون المتوحشون و متعددو الجنسيات على أراضيها، في تشكيل هوية وطنية تتجاوز القشرة الدعائية التي تحتاجها الأنظمة العربية لإسباغ شرعية مختلقة تدعي امتلاكها دون أن تستحقها فعلياً في سياق تحقق ذلك العقد الاجتماعي الحاضر بلاغياً في خطاب تلك النظم، و الغائب كلياً في واقعها العياني المشخص.

و لقد مثل غياب الهوية الوطنية الواقعة الجامعة لأرهاط البشر المتكدسين في الأحواض الجغرافية العربية، على اختلاف توجهات دولها، حجر الزاوية في تشكيل البنية التأسيسية  لحالة الشواه المعرفي لدى السواد الأعظم من أبناء المجتمعات العربية، التي وجدت نفسها غارقة في تناقضات جوهرية، تاريخية، و اقتصادية، و سياسية، و ثقافية معرفية، كان من المفترض بأن الهوية الوطنية الجامعة كفيلة في تذويبها، و البناء على ما تم صهره منها في عملية التنمية و التوحيد للمجتمع كما هو الحال في المجتمعات ذات الاختلافات العرقية، و المذهبية، و الإثنية، في العديد من الدول الناهضة من ركام ما تركه المستعمرون في أراضيهم في شرق البسيطة و غربها، سوى تلك التي تنطق بلغة الضاد.

و قد يكون المفعول البديهي لحالة الشواه المعرفي ذلك، متحققاً في ضبابية التعريف العربي لماهية (الأنا) الجمعية في مواجهة أولئك ( الآخرين)، فلا حدود واضحة للذات الاجتماعية العربية، فهي سائلة في فيض من التعريفات القسرية لتلك (الأنا) دون أن يكون أي منها طبيعياً و اجتماعياً بالمعنى العلمي، فهي تارة قبلية، إثنية، لغوية، مناطقية، طائفية، مذهبية، مافيوية، ميلشياوية؛ و كأنها أقنعة يتم المبادلة فيما بينها بما يتناسب مع متطلبات الزمان و المكان دون أن يكون للمجتمع ككل اعتبار فعلي عند اختيار أفراده لأي قناع يتوجب ارتداؤه في تلك الشروط، و يتوجب خلعه، و تغييره عقب تبدل تلك الأخيرة.

و إن استبطاناً معرفياً لأزمة غياب الهوية الوطنية الجامعة لدى السواد الأعظم من أبناء العرب، يلخص حالة الهلام، و التقلب المهول في الأهواء و الانتماءات لدى شرائح كبيرة من أولئك، فهم تارة في المقلب اليساري الإرادوي الذي يظن بقدرته على اجتراح المستحيل إيديولوجياً، و طوراً في ركن قومي ملتهباً خطابةً و حسب، و مرة سلفياً حاكماً باسم الله، أو قَبَلياً، أو ليبرالياً متوحشاً، أو متنكساً لا أدارياً منسحباً من كل ما له علاقة بالكينونة الاجتماعية للإنسان.  و ذلك الهلام هو ما يمثل الأرضية النموذجية لاختلال الأدوات المنهجية في تعريف ( الأنا) ، و ما يرتبط بذلك من تضاد فطري، و بدائي في آن معاً مع ذلك ( الآخر) و من لف لفه في لحظة و زمان معينين، و هو ما اقتضى كنتيجة حتمية حالة ضبابية سهلت و تسهل استمراء تنميط ما يفترض بأنهم في الأحوال الطبيعية شركاء في الوطن، بكونهم  من فئة (هم) الضالة، و ما يستتبع ذلك من كل مفردات القاموس التبريري لأدوات التعامل مع تلك الفئة؛ فهم ليسوا من فئة (نحن) التي لا جناح عليها في كل ما تفعله بكل ما ينتمي ظنياً إلى أولئك الآخرين من فئة (هم).

و يستدعي البحث العلمي الرصين في إنتاش جذور الإرهاب في العقل الجمعي العربي، استحضار جدلية تأصيل الإرهاب و الوعي العنفي في سياق فعل الدولة الأمنية العربية، التي عملت على ترسيخ نفسها بكونها رقيباً و حسيباً يحصي على أبناء الوطن كل حركاتهم، و سكناتهم، و حتى أنفاسهم، وأحلامهم، و يعاقبهم بكل أشكال التنكيل الهمجي، و البدائي، في حال زيغانهم و لو بشكل محتمل عن مصالح الطغم الحاكمة، التي يفترض بأنها تحكم باسم من تحكمهم و لمصلحتهم. بالتوازي مع الفعل الملازم لكينونة الدولة الأمنية العربية المتمثل في تحويل الجيوش الوطنية العربية، من ما يفترض بأن تكون عليه كبواتق لصهر الاختلافات الصحية في كل المجتمعات الحية على وجه البسيطة،  لصالح تحويلها إلى بنية وطنية جامعة لكل أبنائها الذين يشكلون عديد تلك الجيوش العتيدة، إلى مستنقعات للفساد و الإفساد، ونهب ثروات الوطن و فقرائه، و مقصلة من حديد و نارٍ مسلطة على رقاب العباد، مسؤوليتها الأولى توطيد سلطة الدولة الأمنية، و تثقيل وزنها النوعي في مواجهة أي إرادة شعبية تختلف مع تلك الأخيرة. و هو ما أدى كنتيجة طبيعية إلى إحساس الغالبية شبة المطلقة من أبناء المجتمعات العربية بتضاد مطلق مع مفهوم الدولة، و كل ما يتفرع عنها؛ فهي دوماً في وجدانهم مخابرات، و قمع، و عسس، و تنكيل، و فساد و إفساد، مع تباينات طفيفة بين المجتمعات العربية المنهوبة و المفقرة، و أقانيمها الريعية البنيان، التي لازالت تستطيع ذر بعض فتات اقتصاداتها الريعية لرشوة مواطنيها و تأجيل تنافرهم المطلق مع بنية الدول الأمنية القمعية التي يعيشون فيها.

و لأن الإنسان كائن اجتماعي نمطي في معظم الأحوال، يتقن تكرار ما تعلمه من أدوات للتواصل مع الآخر؛ فإن ثقافة العنف المنفلت من كل عقال التي وطنتها الدولة الأمنية العربية، و أصبحت هي المنطق النموذجي السائد في تفاعل الأرهاط الهلامية من البشر التي لم تفلح في تلمس هوية جامعة لها مع من تتشارك معهم ضمن الحدود الجغرافية الافتراضية للعقد الاجتماعي المغيب قسراً فيما بينهم، و هو ما يفصح عن نفسه في ترسخ أدوات العنف في مفاصل حياتية هامة في حيواتنا نحن العرب بوضوح متفاوت على المستويات الأسرية، و الاجتماعية، والسياسية، و حتى الثورية في غالب الأحيان.

إن تفاعل مركبي تغييب الهوية الوطنية و التعملق السرطاني للدولة الأمنية العربية، يمثل البنيان التأسيسي لاستبطان و إعادة إنتاج الوعي العنفي في العقل ال
جمعي العربي، و استمراء الإرهاب وسيلة للتفاعل مع من يفترض بأنهم إخوة في الوطن الطبيعي الجامع لأبنائه، وهو الذي لم يتحقق حتى لو جنينياً في الجغرافيا العربية منذ استقلالها الشكلي عن مستعمريها و حتى اللحظة الراهنة. و عسى أن يستطيع الربيع العربي في مخاضه العسير و و المضني، وجهاده الجدلي الطويل الذي لا يزال في بواكيره التاريخية، أن يحقق ذلك بأيدي أبنائه أنفسهم، و ينقذه ممن يحاول اختطافه و العودة به إلى مربع العنف و الإرهاب المقيم.

 

د. مصعب قاسم عزّاوي