الموقع الشخصي للدكتور مصعب عزَّاوي

القدس العربي - 22-05-2015

في الخامس من أبريل من العام 2015، عرض الصحفي الأمريكي توماس فريدمان في صحيفة نيويورك تايمز مقابلة مطولة مع باراك أوباما عرض فيها الأخير فلسفته السياسية دون توريته المعتادة و خطابه الثقافوي النخبوي، لما سماه فريدمان العقيدة الأوبامية حول الشرق الأوسط. و هي في حقيقة الأمر فلسفة النخبة الحاكمة في الولايات المتحدة الأمريكية كممثل فعلي لمصالح المجتمع الصناعي - العسكري - المالي في الولايات المتحدة و شركاته العابرة للقارات، و التي تمثل الحاكم الحقيقي في الولايات المتحدة، بغض النظر عن التزويقات و الديكورات الشكلية لخطاب الحزبين الذين يتبادلان الموقع في سدة الحكم في الولايات المتحدة  دون أن يغير من حقيقة كونهما وجهان لقطعة نقد واحدة، لا يغير موقع أي منهما  في سدة الحكم أو المعارضة من حقيقة تكاملهما في تحقيق الدور الوظيفي المطلوب منهما ممن يحركهما، و يضبط إيقاع اللعبة التي يتبادلان الأدوار التمثيلية فيها. و تتلخص المحاور الأساسية للعقيدة الأوبامية حرفياً كما وردت في المقابلة السالفة الذكر، و دون أي اجتزاء مخل أو خطل في التعريب يحرص كاتب هذه السطور على عدم الوقوع فيه لأسباب منهجية موضوعية غير قابلة للتغاير، بالمرتكزات الأيدولوجية و الاستراتيجية الآتية، التي نوردها باتساق مع ترتيب وردوها في المقابلة موضوع هذا المقال:

 

أولاً: ’’ الالتزام الثابت بالحفاظ على التفوق العسكري الإسرائيلي المطلق و على كل المستويات في منطقة الشرق الأوسط‘‘. و دون أي إشارة في سياق الحديث عن العقيدة الأوبامية فيما يخص الشرق الأوسط عن إيجاد حل عادل لمحنة الشعب الفلسطيني، أو ما استمرئ ي الساسة الأمريكان تسميته بعملية السلام في الشرق الأوسط. و يستشف ضمناً من تفسير أوباما لفلسفته عن الشرق الأوسط بأنه يسلم فعلياً بموات تلك العملية بشكل عميق لا يستوجب حتى الوقوف على أطلالها حين الحديث عن فلسفته الشرق أوسطية.

ثانياً:’’ لا مناص من تحول إيران إلى دولة نووية في نهاية المطاف، و أن أكثر ما تحلم به القيادة الأمريكية هو تأخير حصول إيران على السلاح النووي، و أن العقوبات الأمريكية و غيرها لا تغير من تلك الحقيقة. بالإضافة إلى أن تلك العقوبات لن تمنع من إصرار القيادة الإيرانية على الحصول على السلاح النووي، و إنما فقط تؤذي الشعب الإيراني الذي أظهر توقاً للانضمام للمجتمع الدولي و الاقتصاد العالمي تبدى في انتخاب روحاني رئيساً لإيران‘‘

و هنا لابد من التفكر عميقاً في مدى تفهم سيد البيت الأبيض لطبيعة النظام الحاكم في إيران، و مركز الثقل الأساسي و المحرك فيها، و المتمثل في المرشد الأعلى و المؤسسة العسكرية الأمنية التابعة له، و ليس سوى ذلك من الترقيعات الشكلية التي لابد أنها ليست خافية على أوباما و مستشاريه.

ولابد لنا نحن العرب من أن نستذكر هذا السياق سؤالاً مؤرقاً لم يتوقف عن الأزيز في عقول كل ناطق بلسان الضاد منذ كارثة حرب الخليج الأولى يتلخص في سؤال سيد البيت الأبيض: إذا كانت العقوبات و الحصار خيارات غير حميدة، و تهشيم الأوطان بالحديد و النار ليس مفيداً، فلماذا تمت محاصرة العراق لسنين عجاف طوال قضي فيها على مئات الآلاف من  أطفاله جوعاً و مرضاً تمهيداً لتهشيمه و تركه مرتعاً خصباً لكل التكوينات السامة التي ما كان لها أن يستقيم استنباتها في حال تم ترك الشعب العراقي ليقود مخاضه التحرري التدريجي بالشكل الذي يراه سيد البيت الأبيض حقاً طبيعياً و تطوراً محموداً للشعب الإيراني، و لما يكن كذلك للشعب العراقي أو لأي من الشعوب العربية كما يشي بذلك كل التاريخ العربي المعاصر للبيب أو غيره من قرائه.

ثالثاً: ’’  الحقيقية في منطقة الشرق الأوسط أن العرب السنة هم قومية قائمة بالفعل يواجهها قومية أخرى تدعى العرب الشيعة، و أولئك الذين ينتسبون لتلك الأولى لا يكمن أس مشكلتهم في الخطر الذي قد يفد عليهم من إيران، و إنما جوهر مشكلتهم يكمن في الأيديولوجيا التدميرية العدمية التي يعتنقونها، و التي تبدو واضحة في شبابهم المغترب عن واقعه، و العاطل  عن العمل في معظم الأحيان، و المختنق بضيقه لعدم وجود منافذ سياسية شرعية لتنفيس تلك الأيديولوجيا  التدميرية العدمية التي يعتنقونها‘‘.

خطاب هوائي ممسوس لم يكلف نفسه عناء اجترار كيف عملت إدارة أوباما نفسه على تخليق الطائفية بالحديد و النار غبان احتلالها للعراق، و تنطعها لإجهاض الربيع العربي في بواكيره، و في كل مواضعها الجغرافية، و بأمثلة لا حصر لها قد يلخصها سيرورة التآمر على  ثورة الشعب السوري حين حاصرت الإدارة الأمريكية الثائرين من أبناء الشعب السوري، و منعت عنهم كل ما يستطيعون الدفاع به عن أنفسهم و حتى قوتهم في بعض الأحايين، وحظرت نجدتهم من كل من أراد ذلك من دول الجوار، و تركتهم للتحول الطبيعي إلى بيئة خصبة لانتقال كل ما زرعه الأمريكان أنفسهم في الهشيم العراقي و قبله في الركام الأفغاني من مجاهدين عتاة  إلى صنوهما السوري الذي لم يكن للأيديولوجيا  التدميرية و العدمية مكان فيه لولا ما قامت به الإدارة الأوبامية من مناورات و خطوط حمراء أنذرت بها و زمجرت، فتبين بعد حين بأنها خطوط خضراء لتحطيم كل آمال الشعب السوري في تشكيل بنية سياسية شرعية تمثله بكل أطيافه و تلاوينه الطبيعية ككل أمم الأرض الأخرى. و يحضرنا أيضاً في نفس السياق الحالك في راهنيته تذكر التأخر المريع للإدارة الأوبامية نفسها في تجميد الأرصدة و الحسابات البليونية لعلي عبد الله صالح، و تذكر وجوب القيام بذلك بعد شهور طوال من ترك ذلك الأخير ليهربها و يعيد تغليفها بكل روية في أسماء شركات و استثمارات  ليست الإدارة الأمريكية بعاجزة عن تعريتها إن أرادت، ليستخدمها في تحويل اليمن المكلوم لساحة فناء لشعب كانت ثورته العظيمة نموذجاً مدرسياً في حضاريتها و انضباطها الذي أرعب الأمريكان و أقلقهم كما أرعبهم من قبل كل تحرك لشعب يروم الانعتاق من طغاته و جلاديه في أي من بقاع الأرضين، و كان لابد من حرفها عنوة إلى النموذج الداعشي المقيت، و كل ما يستتبع  ذلك من مناورات دعائية و إعلامية مؤمركة هو تزويق شكلي لا يغير من جوهر المقام القائم فعلاً في اليمن المحزون.

رابعاً: ’’علاقة الولايات المتحدة مع العرب السنة يمكن اختزالها في أن الأمريكان على استعداد لتقوية قدراتهم الدفاعية تجاه الأخطار الخارجية، و لكن دون أن يكون ذلك مشروطاً بكون النفط هو مصلحة استراتيجية ثابتة للولايات المتحدة، فهو لم يعد كذلك، و هذا الواقع يستتبع تشجيع الولايات المتحدة لحلفائها من العرب السنة لاستخدام جيوشهم البرية لحل مشكلاتهم الإقليمية وخاصة في حرب مفتوحة ضد نظام الأسد‘‘. خطاب خطير و مهول يومي بانقلاب الأمريكان على ما ظنه بعض العرب من عروة وثقى مع سادة البيت الأبيض. فها هم يتنصلون من كل التزاماتهم التاريخية تجاه أولئك الأعراب بعد أن انقضت حاجاتهم بهم، و أصبحت أمريكا على وشك أن تصبح مكتفية ذاتياً بنفطها. و يعني أيضاً خطاباً انتهازياً ينطوي على تحلل من كل اتفاق و التزام مع أولئك الأعراب، و مطالبتهم بإنفاق ما راكموه من فوائض عوائد النفط خلال العقود الخمسة الأخيرة لشراء أسلحة و تقانة حربية أمريكية لأن سادة البيت الأبيض في حل من التزامات لم يعد هناك حاجة نفعية لها. و الأنكى من ذلك كله هو مطالبة حلفاء الماضي بأن يقلعوا الشوك الذي زرعه الأمريكان من قبل بجيوشهم و دمائهم و أموالهم. و النموذج الصافي المشخص لتلك الأطروحة الأخيرة هو دفع حلفاء عاصفة الحزم – بغض النظر عن كل ضروريتها الأخلاقية و الموضوعية التي جاءت متأخرة  و بعد فوات الأوان - إلى أوحال المستنقع اليمني في حرب طويلة سوف تستنزف مقدراتهم، و تضطرهم لفتح خزائنهم على مصاريعها لرشوة سادة البيت الأبيض، حينما يصبح الخروج من مستنقع الفخار الذي يكسر بعضه بعضاً شبه مستحيل و لو بعد حين. أما عن مطالبة الرئيس أوباما الفقيه بشؤون السلم الدولي للجيوش العربية بالتدخل لإنقاذ الشعب السوري من جرائم الأسد و نظامه في سورية، متناسياً بأن السوريين كانوا قاب قوسين أو أدنى من إسقاط عاصمة النظام بسواعدهم و في غير مرة، دون أن يحتاجوا مدداً خارجياً لولا الحصار الخانق الذي فرض عليهم و على كل من والاهم من دول الجوار، فمنع عنهم التسليح النوعي و غير النوعي، دون منعه أو محاصرة تمويله بشكل فعلي ملموس عن داعش وتلاوينها، و التي أصبحت الشماعة التي يعلق عليها الساسة الأمريكان يافطة تعزيز نفقاتهم الدفاعية بمليارات هائلة من أموال دافعي الضرائب من مسحوقي الشعب الأمريكي،  و من حلفاء الماضي من العرب السنة اللذين لا حول لهم و لا قوة إلا في تسديد الفواتير التي لا مناص من سدادها حتى بعد تحلل الأسباب الوظيفية الموجبة لذلك.

خامساً:’’ لا يعني الولايات المتحدة تغير أو عدم تغير طبيعة النظام في إيران، المهم حصرياً هو السماح للاستثمارات بالقدوم إلى إيران، و هو ما سوف يؤدي إلى انفتاح السوق الإيرانية على الاقتصاد العالمي، و هو الهدف الجوهري من السياسة الأمريكية تجاه إيران‘‘. هنا بيت القصيد الأوبامي: إيران سوق ضخمة لابد من الاستثمار بها و الاستفادة من مقدراتها. فلمّا يعد هناك أرض في هذا الكوكب إلا و قد استنزف ثرواتها المجمع الصناعي- العسكري -  المالي الأمريكي مشخصاً بالشركات العابرة للقارات التي تدير الولايات المتحدة و النظام العالمي الرأسمالي المعولم من خلفها. و القليل منها الذي لا زال غير منخرط في ذلك الأخير، لابد من الانقضاض عليه كإيران، و كوبا، و حتى كوريا الشمالية. و أي اعتبارات تاريخية و التزامات سياسية تسقط في ذلك السياق. و هذا يعني فيما يعني نهاية لكل التحالفات الاستراتيجية التي ظن بعض الأعراب ثباتها و عدم تغايرها بتغير الأحوال الموجبة لها، و اعتبروها دهراً بأنها حصن منيع لهم فتبينت الآن بكونها قلعة من رمل تداعت حالما سقطت الحاجة النوعية لوجودها، و المتمثلة جوهرياً في لعنة النفط التي شخصت العنوان الأكثر عمومية لمأساة العرب في تاريخهم الحديث و المعاصر.

نعم ها هو الفقيه أوباما يتجرد بلغة غير ملتبسة كعادته الثقافوية، من كل التزاماته التاريخية، و يسقط النصيف عن حقيقة السياسة الأمريكية تجاه العرب و أرضهم و حيواتهم، ليظهرها ليس كما بدت متجردة النابغة الذبياني بحسنها و ألقها، و إنما بعورتها الصرفة و قبحها الانتهازي الخسيس الذميم.

و إذا كانت الحال على هذا النحو من الفظاظة و الفجاجة و الأسى، فهل بقي للعرب سوى أن يقلعوا الشوك الذي زرعه الأمريكان بأيديهم و أيديهم فقط. و لا طريق إلى ذلك سوى بالانفتاح على أبناء الشعب العربي أنفسهم. فما عاد هناك حائط من سراب خُيّل للبعض أنه من صوان لعقود طويلة، ولا مناص من العودة إلى مصدر الشرعية الوحيدة، و القوة التي لا تنضب، و الكامن في الشعوب العربية التي تجبرت و استأسدت عليها أنظمتها طويلاً. و سوى ذلك ليس أمامنا إلا تخيل الأهوال و الزلازل التي سوف يجلبها علينا من يحرك أوباما و قطيع الساسة الأمريكان و أوليائهم من خلفه، بعد أن آذن لمرياعهم بأن يتجرد من كل نصيف و عقال. 

 

د. مصعب قاسم عزّاوي

كاتب سوري مقيم في لندن