الموقع الشخصي للدكتور مصعب عزَّاوي

القدس العربي - 06-05-2015

قرن من الزمان انقضى على تاريخ المجازر المهولة التي حصلت بحق من انتسبوا إلى القومية الأرمنية في عداد الشعوب التي انضوت في جغرافيا الدولة العثمانية. مبررات وقصص متناقضة حول مسوغات ما حدث آنذاك، يتنازعها التاريخ بكونه دائماً حمال أوجه، و خاصة حينما تصبح الحقيقة التاريخية تأويلية تفسيرية وفق مصالح و أيديولوجيا الناطق بها. و الحقيقة الثابتة و التي يجمع عليها المؤرخون هو تغريبة أكثر من مليون أرميني في سوقياتهم التي حملتهم تجاه بلاد الشام،

حيث كان لهم في ناحية المرقدة على ضفاف الفرات في محافظة دير الزور السورية ملحمة تقارب في مأساويتها أساطير اليونان القدماء؛ و جوهرها أن المنطقة أخذت اسمها من رفات من رقدوا فيها من شهداء السوقيات الأرمنية، وعمقها الملحمي يتجلى في رفض أبناء وادي الفرات السوري و أهالي مدينة دير الزور التنكر لمن التجأ إليهم عملاً بواجب إغاثة الملهوف الذي دأبت عليه القبائل العربية، و كان بالنسبة لأهل وادي الفرات التزاماً مترفعاً عن كل انتماء قومي أو ديني أو مصلحي حاضر آنذاك. حكايات و تراث شعبي شفاهي و مكتوب ببساطة يفيض في مدينة دير الزور عن حنو أهل المدينة جميعهم بفقرائهم و أغنيائهم على ضيوفهم من المرحلين عن أرضهم و تقاسمهم معهم الأكل و الملجأ في وقت اعتيد على تسميته بين شيوخ المدينة بكونه سنة الجوع.

و حينما انطلقت الثورة السورية منذ أعوام أربعة في نفس المحافظة السورية أي دير الزور، كان أحفاد أولئك الذين سطروا موقفاً نبيلاً حفظه لهم التاريخ، يعيدون تشكيل ذلك اليقين الوجودي بحقهم الطبيعي في أن ينتفضوا على ما فعله النظام السوري بحيواتهم، و حريتهم، و قوتهم، و كرامتهم. دون أن يحيدوا قيد أنملة عن ترفع أجدادهم عن تلمس أسافين لغرزها في الجسد الاجتماعي السوري من مدخل طائفي أو مذهبي أو إثني، فنادوا بإعلاء أقانيم بالحرية و الكرامة و العدالة الاجتماعية في مشاهد مغرقة في الوطنية تكاد تنطق بأن هؤلاء الأخلاف هم استمرار طبيعي لأولئك الأسلاف الكرام.

و تركت الثورة السورية لمصيرها المحتوم يتيمة من كل سند خارجي دونه لم يكن لأي من ثورات العصر الحديث أن تفضي لأي نتائج سوى اندثارها. و كان عليها أن تدفع الثمن مضاعفاً. فهي ثورة على مرمى حجر من تلال الجليل الأعلى تكاد تعكر صفو الحدود الصامتة منذ تسليم الأسد الأب هضاب الجولان لمحتليها. و أيضاً هي ثورة شعب يمثل حاجز الصد الأخير لطوفان العصبية القومية المتمذهبة الأعمى، الذي يشخصه بتزويقات متغيرة حسب واقع كل حال في متطلباته الإخراجية، من يرون واجباً إلهياً في استعادة إمبراطورية كسرى من المتوسط إلى بحر قزوين.

لم يكن السوريون أبداً طائفيين أو مذهبيين أو متعصبين. هم شعب مسالم، بسيط في أحلامه، عظيم في صبره على الظلم، و استثنائي في اجتراحه ما يشبه المعجزات للبقاء على قيد الحياة في مواجهة نظام فاشي حول الوطن السوري إلى معتقل كبير، و مسرح للنهب و الفساد و الإفساد الذي لا حدود له، بحيث يكاد لم يبقى فيه للآباء السوريين سوى ابتلاع ألسنتهم، و أكل لحوم أبنائهم للبقاء على قيد الحياة.

نعم إنه تطور طبيعي حسب سنن التاريخ، أن تتنكس جميع الثورات إن أزمنت، و لكن تقهقر حال الثورة السورية لم يكن كذلك، بل كان مشوباً بتآمر كل الأعدقاء، من طهران إلى واشنطن مروراً بالكثير غيرهم، الذين اجمعوا على حشر أبناء الشعب السوري المنتفض في طريق اللاعودة و كأنه سوقيات تكاد تكون مستنسخة من سوقيات الشعب الأرمني المظلوم، فهو ما عاد يستطيع أن يقبل بالموت المقيم مشخصاً بنظام الأسد الذي انتفض عليه، ولم يعد يستطيع أن يتحمل هول الصبر على معادلة العين التي يراد لها أن تقاوم المخرز. فما كان له إلا أن يقبل بالخضوع، و لو إلى حين، بالانصياع إلى إرادات من تم تصنيعهم في سجون الاحتلال الأمريكي في العراق، و شركائهم  الأمنيين من سجاني أقبية المخابرات السورية، و الذين أطلق ربيب الأحلاف المضمرة بين الأعدقاء نوري المالكي العنان لهم بالفرار الآمن من سجونه بالمئات في أبو غريب و التاجي بإخراج هوليودي هزيل. فكان لهم أن يشكلوا النواة الطبيعية للشوك الداعشي الذي أريد له أن ينبت في بلاد الشام، و لم يفك أحد بعد شيفرة كفاءة أقنية  تمويله، و عتاده، و إعلامه، و اتصالاته ما لم يكن جزءاً عضوياً من حلف الأعدقاء المضمر.

إذا كانت التسمية الأكثر تكثيفاً و صواباً في توصيف ما حدث بحق مليون و نيف من أبناء الشعب الأرمني المظلوم منذ قرن من الزمن هي الإبادة الجماعية، فهل هناك من توصيف، و لو مقصراً، يختزل معاناة مئات الآلاف من القتلى، و المشوهين، و الثكالى، و الأيامى، و الأرامل، و الملايين من مشردي الشعب السوري مهيض الجناح؟.

 

د. مصعب قاسم عزّاوي

كاتب سوري مقيم في لندن