الموقع الشخصي للدكتور مصعب عزَّاوي

القدس العربي - 17-05-2015

ها هي الانتخابات التشريعية في بريطانيا وضعت أوزارها و أفرزت عن فوز حزب المحافظين وخسارة حزب العمال. و في ذلك السياق فإن ما يهم القارئ العربي عموماً هو انعكاس ذلك الفوز على الدور الذي مازالت تلعبه بريطانيا عالمياً، وعلى الصعيد العربي، فيما يختص بواقع و مستقبل و أحلام كل الناطقين بلسان الضاد، بنسب متفاوتة منذ بواكير الثورة العربية الكبرى و حتى اللحظة الراهنة.

 

لقد دافع زعيم حزب المحافظين خلال المناظرة الانتخابية الأخيرة له مع زعيمة حزب الخضر عن موقفه الثابت في رفض قبول طلبات الأمم المتحدة و هيئاتها المختصة بوجوب استقبال بريطانيا حصة تتناسب مع موقعها العالمي و الاقتصادي من اللاجئين السوريين ذوي الحالات الصحية المعقدة، أو الأطفال، أو المعاقين جراء المأساة السورية، مجادلاً بأن عدد اللاجئين السوريين الذين قبلتهم بريطانيا و المتمثل بـ 143 لاجئاً فقط هو حصة عادلة، حيث أن التبرعات البريطانية - و هي هزيلة و مخجلة قياساً بالموقع  السياسي و الاقتصادي لبريطانيا عالمياً- تمثل التعويض البريطاني عن رفضها لاستقبال أي من ضحايا المأساة السورية سوى الرقم السالف الذكر. و يمثل ذلك مثالاً عيانياً مشخصاً عن المعايير المزدوجة لحقوق الإنسان التي يتبعها الأغلبية الساحقة، إن لم يكن المطلقة، من الساسة الغربيين الذين لا يمثل الالتزام بالشرعة الدولية لحقوق الإنسان واجباً أخلاقياً أو قانونياً لأي منهم ما لم يرتبط ذلك بشكل مباشر بحقوق الناخب الذي يستمد ذلك السياسي شرعيته من صوته الانتخابي.

و على المقلب الآخر شرح  زعيم حزب العمال خلال المناظرة الانتخابية منهجيته في مقاربة الأزمة السورية بشكل مباشر ملخصاً إياها برفض دعم أي تدخل عسكري من أي طابع يهدف لمعاقبة النظام السوري على استخدام الأسلحة الكيميائية في إبادة شعبه، لأن ذلك يمثل عدواناً غير مبرر، بالإضافة إلى ضرورة الاستمرار في كل العمليات العسكرية التي تقوم بها القوى الجوية الملكية البريطانية في قصف تنظيم داعش لأنه يمثل الشيطان بعينه، كما لو أن النظام السوري لا ينطبق عليه ذات التوصيف، و دون أي إشارة إلى أي واجب أخلاقي على الحكومة البريطانية القيام به تجاه اللاجئين السوريين في اتفاق ضمني شبه مطلق مع منافسه زعيم المحافظين، و إن لم يقل ذلك جهراً.

بالفعل يفلح كل الساسة البريطانيون، و على اختلاف ألوانهم السياسية، التي لا تعكس فرقاً جوهرياً فيما بينهم من الناحية الأيديولوجية، في التناسي الإداري لتاريخهم الأسود في علاقتهم مع أبناء العرب منذ نكثهم بعهودهم المعسولة للشريف حسين في سياق الثورة العربية الكبرى، مروراً بوعد بلفور المشؤوم، وسايكس بيكو، وتصنيع الدول العربية في العصر الحديث بما لا يمكن أياً منها من النهوض كدولة أمة، و بشكل يحافظ على كوامن تفجير كل منها ضمن الحدود الاعتباطية التي كان يرسمها لها الساسة في لندن، و تخليق الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة، ودعم حركات الإسلام السياسي في مواجهة المد القومي العربي في مراحل ما بعد استقلال الدول العربية، و استنباط كيان المجاهدين الأفغان و فكر الإسلام الجهادي لمواجهة المد السوفيتي آنذاك، وصولاً إلى تراجيديا تهشيم العراق، و تركه مستنقعاً طبيعياً و نموذجياً لاستنبات كل أنماط الشوك الداعشي الذي تمثل مفاعيله الكارثية أحد العناوين الكبرى للتراجيديا العربية الراهنة.

و على الجانب الرسمي العربي، تقوم السياسات العربية الرسمية في التعامل مع الحكومات القائمة في لندن على الاستجداء، أو في أحسن الأحوال على رشوتها بعقود وصفقات لا تمثل حاجة طبيعية للشعوب العربية، لاستمالة السياسيين في لندن، دون الالتفات إلى أن الحقيقة الثابتة و المطلقة في السياسة الذرائعية البريطانية القائمة على معايير سياسية و اقتصادية نفعية و أخلاقية يشترط للاعتداد بها ارتباطها بمصالح الناخب البريطاني دون أي معيار قيمي آخر سوى ذلك الأخير. و تلك معادلة راسخة في قلب فلسفة السياسة البريطانية، والتي لا يستقيم تعديل أي جزء منها ما لم يتم الوصول إلى ذلك الناخب البريطاني الذي لا يعرف عن المأساة العربية الراهنة سوى ما يتم تلقينه له من خبراء و مستشرقين في وسائل الإعلام الرسمية و الخاصة بمختلف إخراجاتها المختصرة المُخِلًّة في أحسن الأحوال، و الشائهة المسممة في غالب الأحايين؛ دون أن يكون هناك وجود فعلي لأي مركز أبحاث عربي أو مجموعة ضغط تمثل المصالح العربية و المواطنين البريطانيين من أصول عربية في المملكة المتحدة، حيث لا تستطيع الجهود الفردية المعزولة تسوية ذلك الخلل البنيوي مهما عظمت في نواياها الحسنة.

نعم لقد أدلى الناخب البريطاني بصوته، و بزغت حكومة بريطانية جديدة قديمة إلى الضوء، دون أن يعني ذلك أي تغير ملموس في سياستها تجاه المأساة العربية الراهنة و جذورها التاريخية، ما لم يلتفت أبناء العرب و حكامهم إلى تغيير مقاربتهم لعلاقتهم مع الساسة في الغرب، و يعززوا من جهود التنظيم و التأثير و الحشد، و تشكيل مجموعات ضغط و مراكز أبحاث عربية تختص بالوصول إلى الناخب البريطاني، ومنظمات المجتمع المدني البريطاني  لتشكيل وعي مغاير عن واقع المأساة العربية يجبر الساسة البريطانيين على تغيير دفتهم الذرائعية وفق قواعد اللعبة السياسة القائمة في بريطانيا. و سوى ذلك سوف تبقى التراجيديا العربية رقماً لا قيمة له في معادلة المصالح البريطانية بغض النظر عن نتائج الانتخابات الأخيرة، وما سوف يليها في قابل الأيام و السنين.

 

د. مصعب قاسم عزّاوي

كاتب سوري مقيم في لندن