الموقع الشخصي للدكتور مصعب عزَّاوي

العربي الجديد - 14-06-2015

لم تتمكن البنية الثورية التي مثلت العمود الفقري لثورة 25 يناير في مصر، وزنادها القادح، من نقل الثورة المصرية إلى مآلاتها الطبيعية، لأسباب ذاتية و موضوعية تفاعلت جدلياً فيما بينها لتنتج حالة شوهاء عمودياً و أفقياً في المجتمع المصري، دون إهمال ارتداداتها العربية التي ترتبط في وزنها الفرعي بالثقل المركزي لمصر في محيطها العربي و الإقليمي.

 

كما لم تفلح القيادات الشابة لثورة 25 يناير في تسلم السلطة في مصر، وتأسيس شرعية ثورية تمهد لعقد اجتماعي جديد بين أبناء الوطن المصري، و ذلك بانقضاض الكيان العسكري المصري على مفاتيح التغيير الجذري الذي كان مطلوباً عقب نجاح ثورة 25 يناير، وإيهام الثائرين بتلازم إرادة قيادات الجيش المصري مع إرادة الثائرين في الميادين، وهو ما أثبتت التجربة الواقعية عدم صدقيته، نظراً لالتزام قيادات الجيش المصري بشروط التوازنات التي تحكم تمويله وتدريبه وعتاده، المرتبط عضوياً منذ اتفاقيات كامب ديفيد، بالولايات المتحدة الأمريكية عمقاً و سطحاً.

ولقد أخفق تيار الإسلام السياسي في تحقيق النتائج التي نشدتها جماهير الشعب المصري في ثورة 25 يناير، لأسباب ذاتية و موضوعية متداخلة و متشابكة، تتعلق أساساً بتفسير تيار الإسلام السياسي لقواعد اللعبة الديموقراطية، و بشكل أكثر جوهرية بانحناء ذلك  التيار براغماتياً لإرادة قيادات الجيش المصري، وقبوله بتحمل عبء تحقيق أهداف الثورة جميعها دون توفر الأرضية الطبيعية التي تمكنه من تحقيق ذلك، و بحيث ترك ليواجه المصير المحتوم لذلك الخطأ التاريخي، والذي شكل المقدمة التأسيسية لاستبطان الوعي الشعبي التبسيطي و التعميمي في غالب تجلياته، بأن الإخفاق في تحقيق أهداف الثورة في الحرية والكرامة و العدالة الاجتماعية، هو إخفاق لتيار الإسلام السياسي، و الذي انعكس في مظاهرات 30 يونيو 2013، و ما تلاها من إخراجات تزويقية لتجميل عودة تسلم قيادات الجيش المصري لزمام السلطة فعلياً في مصر.

يلخص المفكر نعوم تشومسكي منهجية الولايات المتحدة في تطويع إرادات الشعوب، وزرقها عنوة في فلك النظام الرأسمالي المعولم الذي تحركه الشركات العابرة للقارات بذراعها الضارب المتمثل في المارد العسكري الأمريكي، بأربعة مداخل متتابعة فيما بينها؛ تبدأ من تدخل صندوق النقد الدولي، و البنك الدولي، و المساعدات المالية الأمريكية، لتخليق نظام اقتصادي تابع لإرادة من يبقيه على قيد الحياة اقتصادياً؛ أو عبر الانقلاب العسكري من خلال القيادات العسكرية المرتبطة بالولايات المتحدة تسليحاً، و تدريباً، وتمويلاً؛ أو بالتدخل العسكري المباشر إن لم يفلح ذلك المدخل الأخير في تحقيق المطلوب منه؛ أو أخيراً بإشاعة الفوضى لحين نضوج الإمكانيات لتحقق أي من المداخل السابقة كما هو الحال في سورية راهناً.

وكما يبدو للمتابع المدقق فيما يجري على الساحة المصرية، فإنه من الواضح بأن تسلم قيادات الجيش المصري لزمام السلطة فعلياً ليس كافياً بحد ذاته لتحقيق هدف إعادة الشعب المصري العظيم إلى حظيرة الاستبداد، لأسباب تتعلق بالقدرة المهولة للشعب المصري الذي أظهرها في ثورته، و أوحت بأنه يكاد ينفلت من عقاله، ويفك عنه لعنة الجغرافيا، و توازناتها الشيطانية التي حكمت بضعف و انكفاء ذلك الشعب المهيب، ليطمأن أعداؤه التاريخيون وجيرانه الجغرافيون. ولذلك كان لابد من اختطاط معادلة جديدة تعرف نفسها  بتأصيل العنف منهجياً في العلاقات الداخلية بين مكونات الشعب المصري، بالتوازي مع استعادة نمط سياسي جديد قديم يتمثل في الاستئصال، و الإعدام، و القتل كأداة تقليدية في يد الاستبداد، ليعيد من خلالها توازن الخوف إلى قلوب جماهير الشعب المصري، بالإضافة إلى تحقيق هدف استراتيجي أكثر محورية يتمثل في تخليق مبرر موضوعي لدى جماهير تيار الإسلام السياسي على اختلاف مشاربهم، و الذين بدوا كطيف واسع من المهزومين في المجتمع المصري، لاستبطان العنف منهجاً و سبيلاً، فهو إن لم يكن مقبولاً من قبل لأسباب أخلاقية و عقائدية، فهو سوف يصبح الوسيلة المنطقية الوحيدة لتصحيح التوازن المجتمعي السلبي، وفق شرعة حمورابي الفطرية القائمة على أن العين بالعين و الجروح قصاص.

والبين من سلوك الحاكم العسكري الراهن في مصر أنه يمثل نقلات مرسومة بتأن مخاتل لتكون خارطة طريق تجاه دفع كل جماهير تيار الإسلام السياسي في مصر إلى توازن متقاطب لا توسط فيه، فإما الانكفاء إلى قمقم الخوف و النكوص في مواجهة الاستبداد، أو استبطان العنف و الوعي الثأري وسيلة تجد تبريرها الطبيعي في ذلك السلوك، الذي يبدو أنه لن يدخر أي عنف في جعبته لاستصلاح الأرض المصرية الخيرة الولادة، و استنبات الشوك الداعشي فيها، ليرتاح كل مرتعش من هول قدرة و إمكانيات الشعب المصري العظيم.

 

د. مصعب قاسم عزّاوي

كاتب سوري مقيم في لندن