الموقع الشخصي للدكتور مصعب عزَّاوي

القدس العربي - 08-06-2015

اعترافات مهولة تلك التي أدلى بها النائب السابق لرئيس وكالة الاستخبارات الأمريكية و المفوض السابق بتسيير شؤون الوكالة مايكل موريل Morell  Michael على قناة MSNBC في التاسع عشر من مايو/أيار المنصرم. اعترافات من رجل شغل بالإضافة إلى منصبه الإداري الرفيع في المخابرات الأمريكية لسنوات طويلة، منصب مسؤول الملخصات الاستخباراتية التي يتم تقديمها إلى رئيس الولايات المتحدة، وضابط الاتصال المسؤول عن تقديمها بشكل شخصي و مباشر إلى ذلك الأخير في عهد الرئيس جورج بوش الابن. و الجوهر الحرفي لتلك الاعترافات هو إقرار المعترف بأن الرئيس جورج بوش و نائبه ديك تشيني آنذاك كانا قد كذبا على الشعب الأمريكي و على العالم بتقديم معلومات لا أساس لها  عن معلومات استخباراتية موجودة لدى المخابرات الأمريكية تؤكد قيام نظام صدام حسين بتطوير برنامج تصنيع عسكري سري لامتلاك أسلحة نووية، و التي أكد المعترف بلغة واضحة لا تقبل اللبس أو التأويل بعدم وجود أي معلومات من ذلك القبيل، و أن الذريعة التي استندت إليها الولايات المتحدة في غزوها للعراق في العام 2003 هي عبارة عن أكذوبة كبيرة لتبرير احتلال وتهشيم العراق، و ما أدى إليه من مفاعيل لازال العرب جميعهم يدفعون ثمنها وسوف يستمرون في ذلك لأجل غير محدود.

 

لم يكن احتلال العراق درءاً لخطر انتشار الأسلحة النووية، فتلك الإدارة الأمريكية الراهنة و لسان رئيسها الحالي أوباما يؤكد بأن تمكن إيران من تصنيع سلاح نووي في نهاية المطاف، لا يعني أنها سوف تجاري الولايات المتحدة في وحلفاءها الاستراتيجيين في المنطقة في سياق حديثه عن التهديد الإيراني المحتمل نظرياً لإسرائيل، حيث أنها لا يمكن لها الوصول إلى الإمكانيات التقنية و اللوجستية الهائلة لدى الولايات المتحدة التي تمكنها من التعامل أي تقانة نووية بدائية قد تستحوذ إيران عليها في المستقبل.

لقد كان احتلال العراق محاولة لاستنساخ تاريخ الاستعمار المباشر وفق النموذج الكولينيالي الفج على طريقة المستعمرين الفرنسيين و الإنجليز في مطلع القرن العشرين، عقب خيانتهم للشريف حسين و من والاه في الثورة العربية الكبرى، و ما تلاها من اتفاقيات سايكس بيكو واقتسام أرض العرب بين مستعمريها. لقد كان استعماراً صرفاً يطمح إلى تحقيق سيطرة مباشرة على 115 مليون برميل من النفط تمثل خامس أكبر احتياطي نفط في الكرة الأرضية، و بقيمة سوقية تقارب ترليون دولار سنوياً في حال تمكن العراق من إنتاج النفط بطاقته الكاملة. وحينما لم يفلح مشروع الاستعمار المباشر لرفض الشعب العراقي بكل مكوناته له، تم اتخاذ القرار بتهشيم العراق، بإذكاء الصراعات المذهبية و الطائفية فيه، و التي تجلت بشكل واضح في مشروع تقسيم العراق الذي طرحه نائب الرئيس الأمريكي الحالي جوزيف بايدن في العام 2007 و الذي سماه استراتيجية النصر الأمريكي آنذاك.  وحينما لم يفلح ذلك الأخير قرر الأمريكان القبول بأن العراق لقمة عسيرة الهضم، لابد من تقيئها، و تركها فريسة سهلة لكل من يريد النهش فيها سواء كانت إيران أو أذنابها و إفرازاتها على شاكلة نوري المالكي، أو الحشد الشعبي، أو الشوك الداعشي، على اختلاف إخراجاتها الهمجية أو الأكثر تنميقاً منها.

لقد خرج العراق عقب حرب السنوات الثمانية مع إيران، التي باركتها الولايات المتحدة مالياً وعسكرياً و سياسياً، بمقدرات بشرية و إمكانيات تصنيعية هائلة. نعم لم يكن قادراً على تصنيع سلاح نووي، و لكنه كان قادراً على توطين البنية التحتية التقانية و البشرية اللازمة و المفتقدة في كل الدول العربية، و التي قد تمكنها من التحرر من بؤس كونها اقتصادات ريعية بشكل شبه مطلق، معتمدة على إنتاج النفط فقط، إلى اقتصادات إنتاجية تصنيعية يمكن لها أن تحقق اكتفاءً ذاتياً في حال تمكنها من الثبات في ذلك السياق. و على الرغم من  أن العراق كان محكوماً من مستبد سفاح، و لكنه لم يكن سارقاً فجاً، و مهرباً رخيصاً لأموال شعبه للخارج كما فعل و يفعل غيره من أقانيم الاستبداد العربي، و إنما عمل وفق رؤيته الشمولية على تكوين بنيات وطنية يمكن لها أن تشكل الأرضية لمجتمع إنتاجي متقدم في المستقبل، يمكن أن يخرج من قمقمه مارداً عربياً في حال تمكن من التخلص من آسره و مستبده في وقت ما. و إذا كان لذلك التصور الأخير أن يتم في وقت و ظرف ما، فهو سوف يشخص خطراً وجودياً يهدد بوجود كيان عربي مستقل يمكن له أن ينفك من أسر التبعية الكليانية للإدارة الأمريكية، ويحرمها من التحكم بنفطه، و الأهم من ذلك كله أنه يهدد استمرار التفوق المطلق للكيان الصهيوني إنتاجياً و اقتصادياً وعسكرياً على امتداد جغرافيا منطقة الشرق الأوسط بالشكل الذي يراد له أن يكون عليه حسب الرؤية الأمريكية. و لذلك كان  لابد من استباق أي احتمالات جنينية لتحقيق تلك الممكنات و مآلاتها باحتلال العراق بشكل مباشر لعلة امتلاك أسلحة التدمير الشامل أو غيرها من الاختلاقات التي عراها مايكل موريل.

خلاصة القول أن لب المأساة التي لازال العرب يعيشونها مذ خانهم شركاؤهم في الحرب العالمية الأولى الذين أضحوا مستعمريهم لاحقاً، هي أنه سوف يبقى النفط و الجغرافيا لعنتين مقيمتين في الأرض العربية إلى أن يغير العرب أحوالهم بأيديهم و أنفسهم.

 

د. مصعب قاسم عزّاوي

كاتب سوري مقيم في لندن