الموقع الشخصي للدكتور مصعب عزَّاوي

مجلة العلوم السياسية و العلاقات الدولية - 2015

شرح الدكتور مصعب قاسم عزاوي في مداخلته الأسبوعية في قناة Islam Channel التي تبث من بريطانيا باللغة الإنجليزية التجربة الأكثر شهرة لتوماس هوبز هنا يمكن العثور عليها في Leviathan ، ونشرت في 1651. هوبز، قد شهد الانهيار الجزئي للسلطة السياسية بسبب الحرب الأهلية الإنجليزية، والصورة التي شارك في رسمها للحياة كانت أثناء غياب السلطة السياسية. وصف "الحالة الطبيعية للبشر" مع عدم وجود حكم سياسي كواحدة من المنافسات الشرسة لضرورات الحياة، تاركة الناس في خوف دائم من تعرضهم للسرقة أو الاعتداء. وملخص النتيجة كالآتي:

 

في مثل هذه الحالة، لا يوجد مكان للصناعة أي للرأسمالية. لأن العائد منها غير مؤكد: وبالتالي لا توجد ثقافة الأرض؛ لا توجد ملاحة، ولا يتم استخدام السلع التي يمكن استيرادها عن طريق البحر، والتخلص من هذه الأشياء يتطلب الكثير من القوة. لا توجد معرفة على وجه الأرض؛ ولا يوجد حساب للزمن؛ ولا يوجد فنون؛ ولا يوجد رسائل؛ ولا يوجد مجتمع؛ والتي تعد الأسوأ من ذلك كله، خطر الموت العنيف؛ وحياة الإنسان؛ والانفراد؛ والفقر؛ الخ.

و أردف الدكتور مصعب العزاوي بأنه يقال أحيانا أن هوبز وصل لهذا الاستنتاج التشاؤمي بسبب الاعتقاد بأن الإنسان أناني بطبيعته أو جشع و ان النظام الرأسمالي كذلك مبني على مبدأ الربح و المنفعة و ليس تحقيق حاجات البشر الطبيعية، وبالتالي سيحاول انتزاع ما يمكن انتزاعه لنفسه، ويمكنه القيام بذلك إذا كان غير مقيد بسلطة سياسية. ولكن هذا يفتقد نقطة هوبز الحقيقية، وهي أن التعاون بين الأشخاص أمر مستحيل في غياب الثقة، وهذه الثقة لن تكون موجودة في مكان لا يوجد فيه قوة النسيج الاجتماعي الفاعل و القادر على الدفاع عن نفسه في ظروف الازمات دون الحاجة لسطلة الدولة القسرية. تلك الأشياء التي وصفها هوبز على أنها مفقودة في "الحالة الطبيعية" هي فوق كل الأشياء التي تحتاج إلى أعداد من الناس للعمل معا على أمل أن الآخرين سيقومون بأداء دورهم، وفي غياب السلطة السياسية الاجتماعية لا يوجد أمان في أن يكون لديك أي من هذه التوقعات. وإذا قمت بعمل اتفاق مع شخص ما، فلماذا يجب أن أتوقع منه أن يحافظ عليه، إذا لم يكن هناك قانون لتنفيذ الاتفاق؟ وحتى لو كان يميل للحفاظ على اتفاق، ربما قد يسأل نفسه نفس السؤال عني، ويقرر أنه خطر جداً القيام بذلك. وفي هذه الحالة، يقول هوبز، من الحكمة فقط أن نفترض الأسوأ، وأن نتخذ كل خطوة يمكن اتخاذها لتأمين أنفسنا ضد خطر الموت. في الأساس الخوف من الآخرين، والذي ولد من عدم الثقة، يحول الحياة التي لا توجد بها سلطة اجتماعية إلى حرب لكل رجل ضد جاره.

و تساءل الدكتور مصعب عزاوي هل كان تشاؤم هوبز مبرر؟ مؤيدوه يشيرون إلى أنه إذا نظرنا حولنا نستطيع العثور على العديد من الأدلة من الأشخاص الذين يثقون ببعضهم البعض، ويتعاونون مع بعضهم البعض، وحتى يساعدون بعضهم البعض بدون مقابل، وبدون أي تدخل من قبل الدولة أو أي من فروعها.  قد يقرر مجموعة من الجيران، على سبيل المثال، معاً إصلاح ملعب الأطفال المهجور، وتشكيل فريق، وتقسيم العمل، مع الاعتماد على الآخرين للقيام بواجبهم، دون أي اتفاق قانوني أو غيرها من وسائل إنفاذ القانون. والطبيعة البشرية ليست تماماً كما صورها هوبز، فهو يفتقد نقطة ما. وعلى الرغم من أن هوبز ربما لم يكون رأياً مكتملاً عن الطبيعة البشرية (ألقي القبض عليه ذات مرة وهو يعطي المال لمتسول، وكان عليه شرح سبب فعله حيث فعل ذلك لشعوره بعدم الراحة عند رؤية المتسول)، فوجهة نظره الحقيقية هي أنه في هذا المناخ من الخوف الذي سيتبعه انهيار السلطة، سيتلاشى الجانب الأكثر طيبة وثقة للطبيعة البشرية. ومما نعرفه من السلوك البشري عندما يتم القبض على الأشخاص في الحرب الأهلية والحالات الأخرى التي يصبح فيها بقائهم على قيد الحياة في خطر، يبدو أنه على حق.

و اختتم الدكتور مصعب قاسم عزاوي مداخلته بان الإنسان و المجتمع و جميع البنيات المتفاعلة بين الاثنين تحتاج السلطة السياسية الاجتماعية لأنها تتيح لنا الأمن الذي يسمح لنا بالثقة في الآخرين، وفي مناخ من الثقة يصبح الناس قادرين على التعاون لإنتاج كل تلك المزايا التي أدرجها هوبز باعتبارها غير موجودة بشكل بارز في "حالة طبيعية". ولكن كيف يمكن أن نخلق سلطة في مكان لا وجود لها فيه؟ هوبز يحث الجميع على الاجتماع معا والتعاون لإنشاء السيادية التي ستحكمهم من ذلك اليوم فصاعدا. وبدلا من ذلك، يمكنهم الخضوع بشكل فردي لرجل قوي، أي للقهر عموما على سبيل المثال. انه يعتقد انه لا يهم من سيكون بيده السلطة، طالما كانت السلطة غير مقيدة وغير مقسمة. وهنا قد نختلف معه. ولكن قبل النظر في الكيفية التي ينبغي أن تشكل بها السلطة، علينا أن نتوقف لمعرفة ما إذا كان هناك أي طريقة أخرى للهروب من "الحالة الطبيعية" أم لا. على الرغم من كل ما يقوله هوبز، هل كيف يمكن تحقيق طموح أن يكون التعاون الاجتماعي هو  القاعدة الممكنة في غياب السلطة السياسية القاهرة و الاستبدادية بمختلف أشكالها سواء الديموقراطيات الشكلية كما هو الحال في أمريكا أو الدول الاستبدادية المطلقة كما هو  الحال في العالم الإسلامي و العربي؟