الموقع الشخصي للدكتور مصعب عزَّاوي

القدس العربي - 18-03-2016

نشرت مجلة العلوم للتغير المناخي  Nature Climate Change منذ أيام قليلة بحثاً للعالمين جيرمي بول، و الفاتح الطاهر من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في الولايات المتحدة، يدقق علمياً في مفاعيل واقع التغير المناخي بسبب الانبعاثات المهولة، و غير المقننة لغاز أكسيد الكربون في الغلاف الجوي منذ مطلع الثورة الصناعية في العالم الغربي، وحتى اللحظة الراهنة، دون أي تغير محتمل في الأفق المنظور للحد من التسارع المخيف في مستوى تلك الانبعاثات على المستوى العالمي. وخلاصة ذلك البحث العلمي الرصين بأنه و ابتداءً من العام 2070 سوف تضرب موجات من الحر الشديد منطقة الخليج العربي، لم تعرف الكرة الأرضية مثيلاً لها سابقاً، وبحيث تصبح أكثر الأيام حرارة التي تشهدها منطقة الخليج العربي في الوقت الراهن هي الحالة الاعتيادية و اليومية في معظم أرجائه الجغرافية و على مدار السنة. و هي موجات حر سوف تنال من معظم حواضر الخليج العربي و خاصة الساحلية منها،  وبالخصوص الدوحة، دبي، أبو ظبي، و العديد من المدن الساحلية في إيران كذلك.

 

وتستند الدراسة إلى معامل قياس يسمى معامل حرارة الفقاعة الرطبة Wet Bulb Temperature و الذي يقيس بشكل مزدوج معدلي الحرارة والرطوبة معاً، بحيث يعطي معاملاً وسطياً مركباً من الاثنين بعده يصبح من المستحيل حتى لأكثر البشر لياقة من الناحية الفزيائية الحياة ضمنه لأكثر من ست ساعات نظراً لعدم قدرة الجهاز الدوراني، و الوعائي على تبريد الجلد بالتعرق، و الأحشاء و الدماغ بتوسيع الدوران المحيطي إلى الحد الأدنى المطلوب لتفادي الوفاة بقصور قلبي وعائي، وصدمة حرارية قاتلة؛ وهو يقدر بالدرجة المركبة 35 للمعامل السالف الذكر، و التي تعني من الناحية العملية درجة حرارة 46 مئوية، ومعدل رطوبة 50%، و هو ما سوف تكون الحال عليه، و للأسف، في معظم دول الخليج العربي في العام 2070 إذا لم يتم التدخل الإسعافي للحد من انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون على المستوى العالمي و بشكل دراماتيكي و جذري في آن معاً، نظراً لاجتماع عاملين اثنين، الأول هو السماوات الصافية في الخليج و التي  تسهل التسخين السريع و الشديد لمياه البحر في الخليج، بالإضافة إلى ضحالة المياه فيه مقارنة بالمحيطات، و التي تسخن  بشكل أكبر و أسرع عندما تتعرض لأشعة الشمس المباشرة، مما ينتج مركباً مزدوجاً من الحرارة و الرطوبة يقاس بمعامل حرارة الفقاعة الرطبة الآنفة الذكر.

ويحق التفكر بالكارثة البيئية أعلاه بكونها كارثة لكل المسلمين على وجه البسيطة لكونها سوف تقود إلى تحويل فريضة الحج إلى فريضة شبه مستحيلة بالشكل الذي يراه المسلمين جميعاً الشكل الصحيح لأداء تلك الفريضة الركيزة في وجدان المسلمين جميعهم. وقد يفكر قائل بأن أجهزة التكييف المركزي قادرة على التكيف مع تلك التغيرات الطارئة، و التي تعتمد في جوهرها على توليد الطاقة الكهربائية بحرق المزيد من الوقود الأحفوري سواء كان نفطاً أو غازاً، بما سوف يفاقم الكارثة البيئية بإضافة ملايين الأطنان من غاز ثاني أكسيد الكربون، ومفاقمة هول الحلقة المفرغة التي تعيشها البشرية على شفا الهاوية البيئية الكونية  الآن. و لكن التساؤل المنطقي الواجب طرحه قبل كل التحليلات و الطروحات التزويقية أو الجذرية و الجدل السفسطائي هنا و هناك، هو السؤال البسيط عن كيف سيكون حال أحفاد أولئك الذين ينعمون ببرد أجهزة التكييف المركزي في الحواضر الخليجية راهناً، حينما تحيق الكارثة، وحينما ينضب الوقود الأحفوري الذي لن يستمر إلى الأبد، وماذا سوف يكون حال أبناء عمومتهم في اليمن الذين لم يحظوا ببحبوحة النفط القادر على تبريد هجير الصحراء إلى حين؟

إن الاستكانة إلى خيار أنه لا بديل عن النهج الثابت في استخراج كل الوقود الأحفوري الكامن في أرض العرب و حرقه، هو خيار أناني حتى نقي العظم، و مفسد في الأرض بكل المقاييس حتى لا يكون هناك فيها عيش للأجيال القادمة. وهنا نحن نتحدث عن خمسين عاماً؛ أي أقل من جيلين، قبل أن تكون الكارثة المطلقة، التي يحق لأحفادنا عدم الترحم علينا، حينما تفصح الكارثة عن وجهها الدميم المرعب دون تزويق البترو دولار، لما تركوا فيه من بؤس بيئي لا مخرج منه سوى بالبحث عن أوطان جديدة للجوء إليها. و أغلب الظن أنه لن يكون هناك متسع في أي أرجاء الأرضين لاستقبال من لم يفلح آباؤهم بالتفكر في مستقبلهم القريب،و حتفهم الذي يلّوح في أفقه المرعب.

يحاول الكثير من أبناء الخليج المتنعمين برفاهية مصطنعة عمادها ريع البترودولار فقط، بأنه لا بديل ممكن في المجتمعات الخليجية عن استخراج النفط و الغاز من أرضه، لأن البديل عن ذلك هو الموات الاجتماعي، و الاقتصادي لتلك المجتمعات. وهو حديث صحيح فعلاً،  و لكن للوهلة الأولى فقط. حيث أن القبول بصوابية الأطروحة الأخيرة يعني مقايضة الرفاهية المؤقتة، بموات الأجيال القادمة جميعها بدءاً من العام 2070 وما يليه؛ و هو ما يعني من الناحية العملية تأجيل الموات الجمعي للمجتمعات الخليجية 50 عاماً فقط بما يكفي ليتنعم الجيل الحالي ببحبوحة النفط، و بعدها فليأت لهيب جهنم على من بعده من أبناء و أحفاد.

إنها فعلاً مسألة تاريخية، و جمعية كبرى، تستدعي عملاً، و تغييراً جذرياً في نظام وبنيات عمل و إدارة المجتمعات الخليجية، يستند إلى تحول سريع من بنية الاقتصادات الريعية إلى اقتصادات إنتاجية يعمل فيها أبناؤها بسواعدهم في هجير صحرائها كما كان آباؤهم و أجدادهم، و لا تقوم على عمران قشري على شكل ناطحات تشيد باستغلال حاجة العمال الآسيويين الفقراء، و التي لا تحتاج إلّا إلى هزّة اقتصادية صغيرة لتصبح خاوية على عروشها كما كان الحال في 2008، وقبلها في أزمة تهاوي النمور الآسيوية الورقية في تسعينيات القرن المنصرم.  وهو حديث يستدعي طبيعياً التأمل في إمكانية استخدام فوائض عوائد النفط التي راكمتها الدول الخليجية خلال العقود المنصرمة، في تحويل المجتمعات الخليجية إلى مجتمعات إنتاجية بالاستناد إلى عمقها الحيوي العربي و الإسلامي، بدل استثمار جل تلك العوائد في سندات الخزانة الأمريكية التي قد تعلن إفلاسها في أي لحظة لتنهي بها أزمة دينها المزمنة التي قاربت العشرين تريليون دولار حتى الآن، وهو اتجاه تبنته اقتصاديات خرجت مهشمة من الحرب العالمية الثانية، ودون أن يكون لديها أي موارد طبيعية كمثل كوريا الجنوبية، و هي الآن تصنع كل ما تستهلكه و تصدر الكثير منه، و أهم من ذلك كونها تأكل مما تنتجه أرضها الجبلية القاحلة.

إنها مسألة مركبة و معقدة، لا يمكن لفرد أو أفراد أن يستنبطوا مخرجاً منها، و إنما فقط التنوير، و العمل المشترك، و الضغط الجمعي، و التحرك الشعبي الصابر و المصابر بكل أشكاله لمن يحق لهم أن يحلموا بمستقبل، وحياة طبيعية لأبنائهم، و أحفادهم، دون أن تكون هروباً يومياً من لهيب جهنم على الأرض لأن آباءهم استمرأوا السكوت الأخرس عن الحق، و الاستكانة المتخاذلة لسراب النعيم العابر، و الإفساد في أرض ما قد يدعى في قابل الأيام خليج الموات إن لم يسفعه أبناؤه و على عجل.

 

د. مصعب قاسم عزّاوي

كاتب سوري مقيم في لندن