الموقع الشخصي للدكتور مصعب عزَّاوي

القدس العربي - 16-11-2015

في الخامس من أكتوبر المنصرم تّم التوقيع على اتفاقية الشراكة العابرة للمحيط الهادئ و المعروفة اختصاراً بـ TPP. و هي اتفاقية تحدد شروط التجارة الدولية بين الولايات المتحدة و إحدى عشرة دولة أخرى تمثل في وزنها الاقتصادي 40% من حجم الاقتصاد العالمي. وهي اتفاقية سرية ظلت حكومة الولايات المتحدة تفاوض سرياً عليها بحضور ممثلين فقط عن أكبر 600 شركة أمريكية من المجمّع الصناعي العسكري المالي التقاني في الولايات المتحدة ودون مشاركة من أي من أعضاء مجلس النواب أو مجلس الشيوخ الأمريكيين، أو تمكّن أي من وسائل الإعلام و الصحف الأمريكية من الاطلاع على محتواها. و قد برر الرئيس أوباما تلك السرّية المطلقة، التي تتنافى مع مبادئ الديموقراطية الشكلية في الولايات المتحدة، بأن سلامة المفاوضات تقتضي تلك السرّية، و أنّ تلك الاتفاقية هي المفتاح الضروري لتحديد من سوف يكوم برسم ملامح وشروط الاقتصاد العالمي في المستقبل "هل هي الولايات المتحدة أم الصين؟". و بفضل جهود مؤسس شبكة ويكليكس جوليان أسانج تمكّن المهتمون من الاطلاع على بعض فصول تلك الاتفاقية التاريخية التي يراد لها أن تنسخ اتفاقية منظمة التجارة العالمية، وتحلّ محلها بصورة أكثر بشاعة. و قد يمثل المدخل الطبيعي لفهم ذلك القبح الوحشي التذكر بأنها اتفاقية سرية لم يتح لأي مواطن في الدول الموقعة عليها الاطلاع عليها، لكي لا تقود إلى انتفاضات شعبية في تلك الدول، و تمّ ترك القرار ليتم اتخاذه من قبل مفوضين عن تلك الحكومات مع ممثلين عن 600 من كبرى الشركات الأمريكية العابرة للقارات التي تريد الاتفاقية لها أن تحكم المستقبل الاقتصادي الكوني في القرن الواحد والعشرون.

 

و تنطوي الاتفاقية على تسعة وعشرين فصلاً تم تسريب أربعة منها، و أجزاء و مقتطفات من الفصول الأخرى من خلال شبكة ويكليكس. و تغطي الاتفاقية جميع مفاصل الحياة الاقتصادية، و الإنتاجية، و البيئية، و التقانية، و القانونية المطلوب من الدول الموقعة عليها الالتزام بها. وصولاً إلى تحديد شروط و قوانين العمل، وشروط الخدمات الصحية، والمصرفية. و أساس الرعب المرافق لتلك الاتفاقية يكمن في أنه لن يمكن لشعوب، و حكومات الدول الموقعة على الاتفاقية في المستقبل اتخاذ أي إجراء سواء بإرداة شعبية تخالف منطوق و شروط تلك الاتفاقية؛ حيث لا يمكن لحكومات تلك الدول الاستناد إلى تفويض الشعب الممنوح لها للقيام بذلك الإجراء، و إنما سوف يتعين عليها العودة إلى جميع الدول الموقعة على الاتفاقية لأخذ موافقتها، و خاصة الولايات المتحدة و شركاتها العابرة للقارات التي كان لممثليها الـ 600 الدور الأكبر في  صياغة المحتوى القانوني، و الصيغة التنفيذية لتلك الاتفاقية، مما يعني نهاية دور الحكومات الوطنية وتحول ذلك ليكون بيد تلك الشركات الأمريكية العابرة للقارات.

وقد يكون المثال النموذجي و الكارثي لذلك التوصيف الاستشرافي لمستقبل سيادة الدول المتآكلة مشخصاً في تمكين الشركات الاستثمارية في أي من الدول الموقعة على الاتفاقية من مقاضاة أي حكومة موقعة على الاتفاقية في محكمة دولية تتبع للهيئة التنفيذية للاتفاقية مباشرة، و لا تخضع للولاية القضائية لأي من السلطات القضائية المحلية في أي من الدول الموقعة على الاتفاقية،  لتعويضها عن الخسائر المستقبلية المحتملة التي يمكن أن تتعرض لها،  وليس الخسائر الحاصلة فعلاً، جراء أي إجراء تتخذه تلك الحكومة. و مثال صارخ على ذلك هو تمكن أي شركة أجنبية للتأمين الصحي من مقاضاة الدولة التي تعمل بها في حال قررت تقديم خدمات صحية مجانية لشعبها وطلب التعويض عن خسائرها التي يمكن أن تحدث في المستقبل جراء توقف صبيبها المالي جراء عدم الحاجة لها بسبب الخدمات الصحية المجانية التي تقدمها الدولة. وقد يلخص الصورة المأساوية لمستقبل البشرية في منظار مهندسي العالم الجديد حكاية كيف تمكنت شركة فيليب موريس الأمريكية لصناعة السجائر المشهورة من قبيل مارل بورو، بمقاضاة حكومات دول توغو، و أستراليا، و أوراغواي و طلب تعويضات عن خسائرها المحتملة في المستقبل، جراء محاولات تلك الحكومات سن تشريعات للحد من التدخين تقتضي بوضع لصاقة واضحة على علب السجائر تشرح بأن (( التدخين يؤدي إلى سرطان الرئة)). و هو ما اقتضى من دولة أوراغواي قبول تبرعات من أحد الجمعيات الخيرية الأمريكية لمساعدتها في تحمل نفقات التقاضي مع شركة فيليب موريس التي كلفت عشرات الملايين من الدولارات لحد الآن في محكمة دولية باهظة التكاليف، و الأهم من ذلك كله نكوصها عن قرارها الوطني التشريعي، و التنفيذي بوضع اللصاقة التحذيرية على علب السجائر كما فعلت دولة توغو الفقيرة أيضاً.

ويثير الفصل المختص بحماية حقوق براءات الاختراع للأدوية من تلك الاتفاقية المشؤومة رعباً كبيراً لدى كل المرضى في جميع أصقاع المعمورة، حيث لن يبقى هناك مريض على وجه البسيطة لن يتأثر به بشكل مباشر أو غير مباشر. ويمنح ذلك الفصل لشركات الأدوية العالمية الكبرى حق منع أي شركة أخرى للصناعات الدوائية من إنتاج الدواء الذي تحتكر حق إنتاجه لمدة تصل إلى  اثنتي عشرة سنة في غالب أنواع الأدوية، و إلى أكثر من عشرين سنة في بعض أدوية علاج الأورام الخبيثة حسب تحليل منظمة أطباء بلا حدود.  حيث تستطيع نفس الشركة المنتجة تمديد حقها الاحتكاري في صناعة صنفها الدوائي لمدة أطول في حال إجراء تطوير على الدواء ولو بشكل بسيط بحيث يحق لتلك الشركة تمديد مدة الحق الاحتكاري لمدة تصل إلى عشرين سنة أخرى قد يصبح بعدها الدواء غير ذي قيمة لظهور أصناف دوائية جديدة سوف تخضع للحق الاحتكاري أيضاً يبقيها بعيداً عن متناول مرضى العالم الفقراء. و هو ما يعني أن جميع ميزانيات الدول الفقيرة المنهكة أصلاً من التزاماتها لتلبية احتياجات الرعاية الصحية الأساسية سواء لمرضى السرطان أو الأمراض المزمنة الأخرى، سوف لن تتمكن في المستقبل القريب من تلبية تلك الالتزامات.

هو واقع مهول سوف يطل برأسه كونياً، و ظهرت بواكيره الكارثية في زيادة مرعبة قاربت التضاعف لعشرة أمثال خلال الأسابيع القليلة الماضية للعديد من أدوية أمراض السرطان التي تنتجها الشركات الأمريكية، التي شارك ممثلون عنها في صياغة تلك الاتفاقية المشؤومة، بعد أن اطمأنت إلى أنها سوف تستطيع الآن وبقوة تلك الاتفاقية منع العديد من الدول من إنتاج تلك الأدوية التي تحتفظ بحقها الاحتكاري المطلق ولسنين طويلة، و هو ما سوف يؤدي إلى تناقص في الكميات المتاحة من تلك الأدوية في المستقبل القريب في السوق العالمية،  ويبرر وحشياً رفع سعر تلك الأدوية المحورية في معالجة مرضى السرطان وخاصة مريضات سرطان الثدي.

إنها اتفاقية تلخص المنظار الأمريكي للعالم الذي تعتبره الولايات المتحدة فضاءها الاستراتيجي الذي يحق لها السيطرة عليه اقتصادياً، وصحياً، و معرفياً. عالم مظلم يحكمه قانون الغاب، و لا بقاء فيه للفقراء و المرضى؛ و الكل فيه عبيد مقهورون لخدمة غيلان العم سام، و شركاته المتوحشة العابرة للقارات.  

 

د. مصعب قاسم عزّاوي

كاتب سوري مقيم في لندن