الموقع الشخصي للدكتور مصعب عزَّاوي

القدس العربي - 31-05-2015

عقب خديعة الامبراطوريتين البريطانية و الفرنسية للثورة العربية الكبرى المشخصة في اتفاقيات سايكس بيكو و ملاحقها في العام 1916، وما استتبعها من مفاعيل لوعد بلفور في العام 1917، تم التخليق الاعتباطي للبنيان الجغرافي و الكيانات السياسية في العراق و بلاد الشام بما يتوافق مع احتياجات المستعمرين، دون أن ينبني ذلك على أساس موضوعي تاريخي أو ديموغرافي، حيث كان ذلك لأسباب لوجستية محضة كما كان في تبادل الإنجليز و الفرنسيين السيطرة على دير الزور و الموصل حيث كانت تلك الأخيرة من حصة الفرنسيين حسب اتفاقيات سايكس بيكو، و استبدلوها بدير الزور مع الإنجليز لإراحة المستعمرين من الحاجة لخطوط إمداد طويلة فصارت الموصل عراقية و صارت دير الزور سورية، و أسباب أخرى شيطانية في جوهرها و ظاهرها كما في اصطناع الفرنسيين لدولة لبنان الكبير لمن يعرف و لا يتناسى حقائق التاريخ. و تركت تلك الحالة الشوهاء جغرافياً و سياسياً مفاعيلها لتشتغل تاريخياً و موضوعياً في إعاقة تكوين أي هويات وطنية لأبناء أرض الرافدين و بلاد الشام. فالحدود الوطنية التي يعيشون فيها لا تنسجم مع التاريخ الواقعي و الاجتماعي و الاقتصادي و البشري لتلك الدول. و هو ما أبقى تلك المفاعيل في حالة إرهاصات كامنة كالجمر تحت الرماد تنتظر الآوان الملائم لتعبر عن نفسها دون مواربة كما في حالة الزلزال الداعشي الذ يكاد أن يبتلع بلاد الشام  و الرافدين و أهلهما مجتمعين.

 

و يستطيع المتابع لسياقات ما يحدث في العراق و سورية راهناً تلمس عدم رغبة المارد العسكري الأمريكي، إن لم نقل ممانعته فعلياً، لأي جهد فعلي يمكن أن يؤدي إلى استئصال تلك الحالة الداعشية، سواءً بتقديم دعم فعلي للمعارضة السورية أو تسليح عشائر الأنبار، أو حتى تقديم غطاء جوي لتلك الأخيرة في دفاعها عن أرضها، في الوقت الذي يبدو للكثير من المراقبين بأنها تقوم بذلك لصالح قوات داعش في الكثير من الأحيان.

و على عكس الكثير من المراقبين الذين يرون بأن هناك تخبطاً في السياسة الأمريكية تجاه المنطقة العربية، فإن الوقائع تشير بغير ذلك، وتشير إلى أن السياسة الأمريكية منضبطة الخطى، و تسير في نهج لا يراد التصريح به، و إن كانت آثاره جلية في الإفصاح عن نفسها حتى الآن، و التي يمكن إيجاز محاورها الأساسية كما يلي:

أولاً: يمثل الكيان الداعشي حاجة عضوية للنظام السياسي الأمريكي الذي لا يستطيع أن يعتاش دون وجود عدو يتم تضخيمه حتى يراه المواطن الأمريكي يكاد يبتلع الولايات المتحدة بأكملها سواء كان ذلك الاتحاد السوفيتي، أو القذافي، أو صدام حسين، أو تنظيم القاعدة، أو داعش راهناً. حيث أن النظام السياسي و الاقتصادي للإمبراطورية الأمريكية يقوم على سيطرة حديدة للمجمع الصناعي العسكري المالي في الولايات المتحدة على كل مفاصل الدولة من خلال التحكم شبه المطلق في تحديد إمكانيات فوز ذلك المرشح أو ذاك لمجلس النواب أو الشيوخ، أو حتى رئاسة الولايات المتحدة، ليقوم بعد ذلك بدوره المناط به في تشريع و قوننة كيفية تحويل الجبايات الضريبية الهائلة التي تجمعها الدولة من مئات الملايين من مواطني الولايات المتحدة و جيش العمال المسحوقين فيها إلى المجمع الصناعي العسكري المالي الحاكم  الفعلي في الولايات المتحدة، بذريعة تعزيز القوة الرادعة و الدفاعية للولايات المتحدة تجاه ذلك العدو الافتراضي المختلق في كثير من الأحيان، و المُعَملق في جميعها.

ثانياً: ترى الولايات المتحدة في فوائض عوائد النفط التي راكمتها دول الخليج العربي خلال العقود الماضية، و التي تبلغ في أحسن أحوالها أربعة تريليونات دولار، فطيرة شهية لابد من دفع الأعراب من تقديمها سواءً برضاهم أو عنوة إلى الولايات المتحدة ممثلة بخزائن الاتحاد الفدرالي، و سنداته الخاسرة، و ديونه الوطنية التي تكاد تكون جاوزت عنان السماء، لتقوم عقب ذلك بتحويلها إلى الحاكم الفعلي في الولايات المتحدة وفق  شروط تكوين الطبقة السياسية الحاكمة في الولايات المتحدة التي عرجنا عليها آنفاً. ولتحقيق ذلك يجب دفع التوازن السياسي الهش في المنطقة العربية إلى المرحلة التي تمثل تهديداً وجودياً لكيان دول الخليج العربي، بالشكل الذي تمثله راهناً الحالة الداعشية عسكرياً و إيديولوجياً، بالتوازي مع انعدام شبه مطلق للخيارات البديلة لدى تلك الدول التي اعتقدت طويلاً بصلابة تحالفاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة و عدم تبدلها بتغير الأحوال، و هو ما أثبت الواقع عكسه في الاتفاق النووي الأمريكي الايراني كحد أدنى، وهو ما سوف يستدعي من دول الخليج إلى فتح خزائنها لرشوة المارد الأمريكي عله يتدخل فعلياً لتحييد التهديد الوجودي الذي تستشعره، أو اضطرارها للتدخل فعلياً بحك جلدها بنفسها كما يحدث في مستنقع اليمن الحزين، وهو ما سوف يقتضي استنزافاً طويلاً لقدرات و إمكانيات الدول العربية الخليجية المحدودة لأسباب موضوعية و ذاتية تتعلق جوهرياً بشواه تشكيلها الوطني البنيوي و الوظيفي بالشكل الذي حدده مستعمروها في سايكس بيكو، و الذي سيقود موضوعياً في نهاية المطاف إلى الضرورة بقبول استيلاء الأمريكان على ثروات الأجيال العربية القادمة في مقابل انتشالها من المستنقع اليمني واستنساخاته المحتملة في غير موضع عربي و خليجي، لعدم وجود بدائل فعلية و ملموسة لدى تلك الدول سوى القبول بذلك وفق معادلات و موازين القوة الراهنة.

ثالثاً: شخَّص مشروع جوزيف بايدن نائب الرئيس الأمريكي لتقسيم العراق ملخصاً واضحاً لما رآه بايدن كناطق مفوه باسم العقيدة السياسية الأمريكية الراسخة بأنه يمثل حرفياً استراتيجية للنصر الأمريكي، و هو ما تم التمهيد له بالانسحاب المتعجل  للأمريكان كمحتلين من العراق، وتسليمه مضعفاً إلى درجة المزيق إلى الإيرانيين، ليكملوا ما ابتدأه الأمريكان في تهشيم العراق مجتمعاً و دولةً ، وتسعير الشقاقات المذهبية و الاحتراب الطائفي و الذي يمثل داعش تمظهره الأكثر فجاجةً.

نعم لم يلاقِ المشروع الأمريكي قبولاً لدى العراقيين، كما هو الحال في رفض السوريين على اختلاف توجهاتهم لمبدأ تقسيم الوطن السوري، ولذلك كان لابد من استنباط قوة ثالثة تستطيع تحقيق ذلك المشروع الذي لا يمثل في جوهره استراتيجية للنصر الأمريكي حسب التعبير الذي لا لبس أو مواربة فيه لنائب الرئيس الأمريكي جوزيف بايدن، و إنما استراتيجية لانتصار الكيان الصهيوني، و إعادة هيكلة مفاعيل سايكس بيكو بتشكيل كيانات هي دول فاشلة في جوهرها، هويتها الأساسية دينية و مذهبية، مما يخلق مبرراً لوجود الكيان الصهيوني كآخر معقل للفصل العنصري على أساس ديني في العالم، و هو الذي ما زال يفتقده منذ تأسيسه، و هو ما يبدو أن السياسة الأمريكية عازمة على تخليقه واقعياً و هي ترتدي قفازاتها الناعمة البيضاء.

 

د. مصعب قاسم عزّاوي

كاتب سوري مقيم في لندن