الكوابيس عند الأطفال

 

تعرّف الكوابيس عند الأطفال بأنّها تلك الحالة التي تقطع السير الطبيعي للنوم وتظهر على شكل رؤى من مكونات يومية حياتية أو معطيات خيالية وتبدو بأنّها تهدد وجود الطفل وأمنه الجسدي والنفسي ، أو تشوه رؤيته لنفسه أو رؤية الآخرين عنه ، وغالباً يستطيع الطفل تذكر تفاصيل الكابوس بشكل دقيق عقب الاستيقاظ وبشكل دقيق جداً ، وهذا ما يجعل العودة للنوم صعباً ، ويكون الطفل حينئذٍ متيقظاً بشكل شديد ومظهره يشير إلى قلقه وتوتره النفسي والجسدي بشكل مشترك .

و حقيقة تعتبر حالة الكوابيس حالة شائعة عموماً ولا توجد دراسة شاملة تحصي نسبة انتشار الكوابيس بين الأطفال ولكن تشير الدراسات إلى أنّ 10% من مجموع الأطفال يعانون من ظاهرة الكوابيس بشكل مستمر أو متقطع .

وأكثر ما تشيع الكوابيس عند الأطفال في عمر المدرسة الأولى وخاصة بين 6 ـ 8 سنوات وتميل لأن يخف تواترها عقب ذلك في معظم الحالات مع تطور الطفل من الناحيتين النفسية والاجتماعية.

 

العوامل المؤهبة لحدوث الكوابيس :

أ ـ يعتبر القلق كمتلازمة تضم أسباباً وأعراضاً جسدية ونفسية السبب الأكثر شيوعاً لإحداث الكوابيس عند الأطفال ، وإنّ كافة الأشكال الفرعية للقلق عند الأطفال يمكن أن تتظاهر بشكايات مرافقة تتمثل بالكوابيس الليلية التي يعاني منها الطفل ، ولذلك فمن البديهي أن المحاولة لعلاج كافة الأسباب المؤهبة للقلق عند الطفل يعتبر مقدمة صالحة لعلاج حالات الكوابيس عند الأطفال.

ب ـ إنّ الاضطرابات العائلية وخاصة تلك التي تنطوي على خلاف بين الأبوين تترافق مع محاولة كل منهما إدخال الطفل في معمعة الصراع والإيحاء له بخطأ الطرف المقابل وتنفيره بشكل غير مباشر منه ، وهو خطأ شائع في كثير من العوائل عندما تنقل خلافاتها وفق آرائها الشخصية إلى الطفل الذي لا يمتلك القدرة الحكيمة على تحليل الموضوع منطقياً ، وإنّما فقط يستطيع أن يرتكس له بشكل إحساس بعدم الاطمئنان الذي  غالباً ما سيتظاهر خلال نوم الطفل بكوابيس تعتبر نتيجة لحالة الصراع العاطفي والوجداني الكامن لدى هذا الطفل .

جـ ـ إن مشاهدة أفلام الإثارة والرعب والتي أصبحت للأسف موضوعاً شائعاً من الناحية الاستهلاكية والتسويقية ، يؤدي إلى خفض عتبة التوتر والارتكاسات القلقية عند الطفل ( أي يصبح مؤثر بسيط كافياً لأن يحدث الهلع أو القلق بأشكاله المختلفة ) وهذا يجب الابتعاد عنه بشكل مطلق إذا استطعنا إلى ذلك سبيلاً .

ء ـ سوء أداء وظائف الجهاز العصبي المركزي الناجم عن المتابعة المطولة للألعاب الإلكترونية والحاسوبية ( أتاري، ألعاب الحاسوب) وما ينتج عن ذلك من صرع الألعاب الإلكترونية .

 

علاج الكوابيس عند الأطفال  :

أ ـ قد يكون المدخل العلاجي الأمثل والأنسب هو محاولة معرفة السبب المؤثر الذي كان الزناد القادح لتشكل هذا الكابوس ، والذي هو غالباً ارتكاس قلقي عند الطفل ، ولذلك فإنّ علاج السبب المؤثر ومفاعيله هو المدخل الأنجع لعلاج هذا الكابوس .
ب ـ استخدام تقنيات الطمأنة النفسية للطفل مثل دعوة الطفل لأن ينام مع الأب أو الأم وبشكل يترافق مع تقديم الحنان وبشكل ملائم لسوية العمر الطفلية أي دون تقديم سوية من التعامل  اقل نضجاُ من سوية  النضج المطلوب للطفل  ( التعامل مع الطفل وفق عمره الحقيقي )، ومحاولة شرح أنّ الكوابيس ظاهرة شائعة قد تحدث عند الكبير والصغير ، وبأنّها ليست حقيقة وهي لا تعني شيئاً وإنّما هي فقط أحلام مزعجة كما أنّ هناك أحلاماً سعيدة ويجب عدم الاكتراث بها حتى لو تكررت ، وترك الباب مفتوحاً للطفل للتعبير عن أي ارتكاس نفسي عنده  تجاه موضوع  الحلم وما يمكن أن يتلو ذلك من حديث عن أي سبب يقلق الطفل عموماً حيث يكون ذلك كافياً بشكل عام لحل السبب الأولي لظاهرة القلق في حال تعاون الأبوين لمساعدة الطفل في حلّه .
مع ضرورة أن يشعر الطفل بأنّ الأهل مستعدون دائماً لتقديم الحماية والأمن بشكل عقلاني وهادئ في حال تكرر الموضوع ، وغالباً بهذه الطريقة نكون وضعنا الكوابيس على أوّل طريق  اللاعودة.
جـ ـ مع الأطفال الأكبر عمراً يمكن استخدام تقنيات العلاج النفسي التحليلي وذلك من خلال استعادة موضوع وبنية الحلم ومحاولة تحليله مع الطفل نفسه مستخدمين تقنيات العلاج النفسي التحليلي في محاولة الكشف عن الصراع النفسي العاطفي الكامن الذي يعاني منه الطفل والعمل معه بشكل مشترك لتفهمه ونقله إلى سوية الوعي وإخضاعه للمحاكمة المنطقية ومساعدة الطفل في بعض الحالات على حل بعض القضايا الفكرية التي تشكل إشكالية في توازنه النفسي وتعتبر طبيعية في مثل هذه المرحلة وخاصة قضايا تتعلق( بمعنى الحياة والسعادة ، الحب ، الجنس ، الخيار الأخلاقي ومعنى الخطأ والصواب) ، وهذا يمكن أن يتم مع أحد الوالدين إذا كان يمتلك السوية الثقافية المقبولة للقيام بهذه المهمة ، وإلاّ فإنّه يمكن الاستعانة بأحد الأطباء أو الأخصائيين النفسيين من خلال جلسة للحوار مع الطفل أو جلستين ، وغالباً تكون هذه الخطة كفيلة بحل المشكل النفسي وتبعاته وخاصة تلك المتعلقة بالكوابيس .

ـــــــــــــــــــــــــــــ
* د . مصعب عزاوي
طبيب اختصاصي بعلم الأمراض والدراسات الوراثية والمناعية ( لندن )
أستاذ مشارك في العلوم الصحية ( بريطانيا )
مدير المركز الاستشاري للعلوم التكنولوجيا ( دمشق )