اضطرابات السلوك الاجتماعي عند الأطفال !..."الجانحون الصغار"

 

يشار بمصطلح اضطرابات السلوك الاجتماعي والتفارق عن الوسط الاجتماعي المحيط إلى مجموعة من الاضطرابات التي تنطوي على نماذج من السلوك الاجتماعي الذي يبديه الطفل ويميل من خلاله إلى كسر القوانين الاجتماعية المألوفة وبطريقة تفوق السوية المتوقعة من هذا الطفل من الناحية العمرية والمعرفية  ، ويمكن أن تبدأ هذه الاضطرابات بشكل مبكر قبل سن 10سنوات ويشار هنا إلى هذه الحالة بالبدء الباكر ، ويمكن في أحيان أخرى أن يبدأ في عمر يتلو سن 10 سنوات ويشار إليه هنا بالبدء المتأخر .


ويشار في بعض الأدبيات إلى الأطفال الذين يعانون من هذا الاضطراب بمصطلح الأطفال الجانحين الصغار وهو يمثل اضطراباً شائعاً نسبياً حيث يصيب وبشدات مختلفة وفترة زمنية متفاوتة نسبةً  بحدود 5% من مجموع الأطفال في عمر المدرسة الأولى والثانية ، وهو يصيب الذكور أكثر من الإناث بنسبة 9/1.

ويمكن أن نشير فيما يلي إلى المظاهر العامة التي تتفاوت في درجة وضوحها ،  وشدتها، وترافقها فيما بينها، وتشكل بمجموعها جملة الأعراض التي يتميز بها سلوك الاضطراب الاجتماعي لدى هؤلاء الجانحين الصغار ، ويتجلى ذلك بما يلي :

أولاً يمكن أن نلاحظ عداءً غير مفسر تجاه الأقران والوسط الاجتماعي المحيط الأكبر ، والتعامل مع هؤلاء جميعهم وفق نموذج من السلوك يميل لأن يكسر وبشكل مستمر الشروط الأساسية للحقوق العامة للآخرين والمجتمع عموماً ، ويبدو ذلك مستغربا ومفارقاً بشكل يكاد يكون كلياً لنموذج السلوك المتوقع من هذا الطفل وفقاً لعمره والخبرات التي تلقاها في حياته .


ونلاحظ أيضاً عدواناً تجاه الأطفال الآخرين والحيوانات أيضاً ، ومحاولة اصطناع الصراعات وحتى القتال المتكرر معهم ومحاولة إيذائهم بطرق قد تكون ذكية وبشكل سلبي يميل إلى الخبث يفوق القدرات الاعتيادية للأطفال .

وإنّ تحطيم الممتلكات الشخصية وتلك العائدة للغير ، وعدم الشعور بالارتباط والحميمية مع الأشخاص ومع المكان الذي يعيش فيه ؛ وتعتبر وسيلة إشعال الحرائق من الوسائل المغرية لمثل هؤلاء الأطفال ، لذا يجب الحذر من إمكانية تعاملهم مع الوسائل التي يمكن أن تؤدي لإشعال النار لما يعتور ذلك من خطر كامن .


و من الملامح المشاركة  لتلك الاضطرابات ، الإخفاق والتردي الواضح في الأداء الدراسي للطفل والهروب المتكرر من المدرسة واستخدام الكذب كوسيلة لتبرير الغياب المتكرر عن المدرسة . وغالباً يكون الطفل كثير الحركة لا يستطيع الاستقرار ويتحدث بشكل فوضوي غالباً ولا يستطيع التركيز والمتابعة في الأمور الدراسية لفترة مستمرة تزيد عن نصف ساعة وتراه عديم الاكتراث بالمواضيع التي تهم الأطفال عادة ومهتماً بأمور أخرى قد لا تكون من المواضيع ذات الاهتمام لدى الأطفال .


ويشيع لدى هؤلاء الأطفال الإدمان المبكر (تدخين ـ كحول ـ مخدرات) وخاصة عندما تبدأ تلك الاضطرابات بشكل متأخر بعد سن 10 سنوات كما ذكرنا آنفاً .


ويبدو لدى هذا الطفل عدم وضوح في رغباته وطموحه الشخصي ، وعدم قدرته على توضيح ماذا يريد وماذا يكره ، وإنّما يعتمد على السلوك العدائي أو عدم الإجابة على السؤال أو التهرب منه بشكل فظ عند طرح أسئلة تتناول مثل هذه المواضيع .


ومن العناصر المميزة لهؤلاء الأطفال سرعة تغير المزاج وتقلبه بشكل غير موضوعي وغير قابل للتفسير بشكل منطقي في غالب الأحيان .


ويجدر في هذا المقام الإشارة أولاً إلى أنّ اضطرابات السلوك الاجتماعي عند الأطفال تستدعي منّا رؤية شاملة تنظر بالمنظار الاجتماعي للمشكلة النفسية إذ أنّها تمثل مشكلة كبرى أخذت مظهراً موضعياً في الطفل ، وبمعنى آخر تمثل مشكلة في المجتمع أنتجت فعلها السلبي في اصطناع نموذج قلق من السلوك عند الطفل أصبح هو ضحيته وجلاّده بنفس الوقت إذا جاز لنا  استخدام هذا التعبير المجازي .


وهذا يستدعي منّا الإشارة إلى أنّ العائلة ذات الأداء الوظيفي المشوه والمشوش أو البنية غير المستقرة بالتوازي مع الأوساط المدرسية غير المواتية وخاصة عندما يسيطر نظام قسري مضبوط بشكل صارم، وبحيث يحدد ويؤطر بشكل سلبي ميول وحاجات الطفل ويميل لأن يقولبه وفقاً لأنظمة ومعايير أخلاقية وسلوكية مسبقة وجامدة بنفس الوقت ، لتكون عاقبتها الأساسية والأولى فقدان الطفل للشعور بحريته وقدرته على أن يكون عفوياً كما يشترط للطفل أن يكون ، لتتردى بذلك قدرته على محبة الوسط المحيط به ، لأنّ  تلك المحبة تمثل مفتاح الولوج إلى تكوين الشخصية الصحي من خلال الحرية المرشدة للطفل وممارسة تلك الحرية من خلال اللعب والعفوية أو حتّى محاولة خرق القوانين في محاولة لاكتشاف تفرد الذات ومن ثمّ تعلم القوانين الاجتماعية وتعلم الانضباط لاحقاً .


والذي يستطيع أن يحمي الطفل من هذا الشكل الجامد من الحياة هو الثالوث التربوي المهم والمتمثل بالهدوء والعقلانية والمرونة ، فالهدوء شرط أساسي للتعامل مع كل القضايا المتعلقة بتربية الطفل حيث أنّ الارتكاسات العنيفة التي يبديها المربي تعطي للطفل مثلاً سيئاً عن اتخاذ القرارات وتعلمه أن يكون بنفس الشكل ارتكاسياَ ، وبشكل عنيف في بعض الأحيان  .


أمّا العقلانية تقول بأنّ كل طفل يمثل حالة فردية تستدعي التبصر الجيد والبحث المدقق عن أسباب التطور الطبيعي للنضج النفسي عند الطفل وما يمكن أن يعترض ذلك من إشكاليات وكيفية حلّها بشكل يحمي الطفل من عقابيلها دون الوقوع في شرط العلاج التزويقي أو تغطية العيوب والإشكاليات بالترقيع القسري؛ إذ أنّ المطلوب هو التعامل مع الطفل بشكل يضع صحة الطفل النفسية بالمقام الأوّل والنظر بالمنظار الشامل للتحري عن أسباب أي إشكالية نفسية لحلها بشكل شامل لضمان التطور العضوي والنفسي الصحيحين للطفل .


والمرونة تأتي كمكمّل ضروري ومهم للشرطين السابقين إذ أنّها تعطي المربي والطفل إمكانية التفاعل البنّاء بين الاثنين ضمن شرط المحبة بينهما وليس شرط الرهبة والخوف ، لأنّ هذا الأخير يمكن أن يقود إلى الانصياع من قبل الطفل ولكنه بالتأكيد انصياع آني ومحدود بتغير الزمن وتقدم الطفل بالعمر إلى الحد الذي يصبح معه قادراً على أن لا يهاب المربي وقادراً على معارضته ، أمّا الشرط الأوّل ـ أي المحبة ـ فهو الضامن الوحيد الذي يعطي المربي مدخلاً ينمو ويتطور باستمرار ويصمد دائماً في وجه الزمن ، ويمكّنه من الدخول وبفعالية كبيرة ليقود الطفل إلى أفضل المعايير والأفكار ليكتسبها ويبتني لديه نموذجاً من السلوك الأمثل المناسب لطفل وحاجاته وبحيث يكون ذلك مستمراً وبشكل دائم بين المربي والطفل الذي سيصبح في وقت قادم ناضجاً ومحباً للمربي الذي قدّم له المحبة والحنان في طفولته .


وإنّ المؤثرات الشدية التي تؤثر على الطفل ومحيطه الاجتماعي وخاصة الأسري منه تلعب دوراً جوهرياً في تكوين مثل هذه الاضطرابات ، وأشير هنا إلى أنّ الإفقار الذي تعاني منه الكثير من العائلات والإهمال الاجتماعي لها ، الذي يتظاهر من ضمن ما يتظاهر به ببطالة رب الأسرة ، وما ينجم عن ذلك من مفاعيل سلبية تتناول البنية التي يناط بها تنشئة الطفل والحفاظ عليه في الوقت الذي تعاني هي من الإهمال والإفقار ، وهما كفيلان بجعل كل الشروط والمتطلبات الأساسية لتنشئة الطفل والعناية بصحته النفسية رهناً للسعي المحموم وراء اللقمة الكافرة ؛ و أكثر ما يتظاهر هذا في حالات العمل المبكر للأطفال قبل سن 14 سنة وما يترتب على ذلك من سويات ونماذج متدنية وظالمة من العمل المقرون بأجور زهيدة وضمن شروط سيئة من الاحترام لشخصية الطفل في هذه المرحلة العمرية التي تكون بها الشخصية أحوج ما تكون إلى الدعم والاحترام لضمان تكامل نضجها واتفاقها مع الوسط المحيط بها .


ويؤهب كل ذلك من الإفقار والإهمال الاجتماعي للعائلة والعمل المبكر للأطفال وصولاً إلى كل أشكال الظلم وانعدام العدالة الاجتماعية لتشكل وجهات نظر وآراء عميقة الرسوخ في نفس الطفل تتناول ردود أفعال ارتكاسية عميقة وفق قانون الارتكاس النفسي للظلم القائل (( إنّ الظلم يلد ويعيد إنتاج الظالمين من نفسه ضحايا الظلم )) ، ويكون ذلك من خلال التمرد على قوانين المجتمع عموماً والتخطيط المستمر المتمحور تجاه الدفاع الخاطئ عن الذات من خلال دفع الظلم بنفس الوسائل الخاطئة التي أنتجته وبذلك تنتج الأرض محصولاً جديداً بائساً لتلك البذور العقيمة التي اغترست عنوة فيها فأخرجتها عن صيرورتها الطبيعية التي تميل إلى العطاء واستبدلت ذلك بعكسه .


وهذا جدير بأن يجعلنا نبحث أولاً ليس في إصلاح وعلاج هؤلاء الأطفال الذين يعانون من اضطرابات السلوك الاجتماعي ، وإنّما يجب السعي بشكل علمي وعملي لعلاج واستئصال الأسباب الأولية التي أنتجت مثل هذه الحالة .


وإنّ إعادة إنتاج نمط المثل الأعلى وخلق نموذج جديد له وبشكل لا يتوافق مع واقع الطفل اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً ، ويكون ذلك غالباً من خلال وسائل الإعلام العولمية التي تقدم للطفل مادة معرفية تطرح القيم العليا للإنسان ، ونموذجاً للبطل الذي يناط به أن يحمي هذه القيم الجديدة البهلوانية ، ضمن الثالوث المرعب لوسائل الإعلام العولمي الإستهلاكي المتمثل بالعنف قدوةً ، وتسليع الإنسان والقيم مبدأ ً ، والأنانية والفردانية والانعزالية سلوكاً .


وإنّ نظرة متفحصة لما يقدم في وسائل الإعلام وخاصة التلفاز الذي يستورد معظم نتاجه المقدم للأطفال ودون مراعاة للشروط المتعلقة بملاءمته للصحة النفسية للطفل في مجتمعنا العربي ، ستصيبنا بالإحباط الممزوج بالأسف . إذ أنّ وسائل الإعلام الجديدة وخاصة التلفاز أصبحت الشريك الذي يقضي معه الطفل وقتاً قد يكون أطول مما يقضيه مع عائلته وأقرانه ، ونكون بذلك قد تركنا الطفل في تماس مع معطيات معرفية وضمن حالة سكونية غير فاعلة أقل ما يقال عنها أنّها غير ملائمة للاحتياجات التربوية المطلوبة في المرحلة العمرية للأطفال ، والتي تتمثل أساسا ًفي تنمية حس الجماعة والتعاون بحيث يصير التعاون والعمل مفتاح تحقيق المهمات المطلوبة من الطفل وليس العنف والقوة العظيمة لذلك البطل في ذلك المسلسل والذي يستطيع ومن خلال القوة الفردية وحدها أن يحقق المستحيل ، وبحيث تصبح القوة هي مفتاح حل جميع المشاكل وليس العمل والدأب والصبر والاستعانة والتعاون مع الآخرين .


ومن البديهي القول بأنّ تنمية القيم النبيلة التي يكون الطفل بأمس الحاجة لرفده بها لتكوين منظومته القيمية التي تتناول التمييز بين الخير والشر والصحيح والخاطئ ، تمثل واحدة من اللبنات الأساسية لتربية طفل صحيح من الناحية النفسية، ولكن النمط السائد في برامج وسائل الإعلام العولمي الجديد ، تتركز على النقيض من ذلك حول أنّ الأحلام الكبرى للطفل والمراهق الكبير تتركز حول مجموعة من قضايا الترف السطحي كامتلاك السيارة أو الألعاب المترفة والملايين ، مقدمة بذلك القيم الجديدة للاقتصاد العالمي الجديد ، الذي يقيس كل شئ بمعادله المالي ، فيصير الإنسان قابلاً للتسعير، ويصبح الكل مادياً ومعنوياً سطحياً وقابلاً للبيع والشراء .


وإنّ الخطوة الكبرى التي يمكن أن نقوم بها هنا لتخفيف الأذى إلى حدّه الأدنى ، هو محاولة استنفار جميع الطاقات العقلانية الموجودة عند الطفل ، والتي نظنها ضعيفة ، ولكنها على العكس من ذلك فهي منفتحة وقابلة للتطور إذا استطعنا تنميتها من خلال شروط الهدوء والمحبة والمرونة والدخول في علاقة حميمية مع الطفل تفتح لنا طريقاً لتنمية قدراته على التمييز بين الخطأ والصواب من خلال توضيح سبب حكمنا المنطقي على هذا الموضوع أو ذاك حين يشاهده في التلفاز مثلاً ، بأنّه خاطئ أو صحيح ، ويجب أن يكون توضيحنا ملموساً بأكثر ما يمكن وأبعد عن التجريد الذي يصعب على الطفل استيعابه ، ويجب التركيز على عنصرين لتنمية العقلانية الوقائية لدى الطفل :


الأوّل : هو حس العقل الذي يستطيع حل الأمور بالتفكير وليس من خلال الانفعالية والعنف .


الثاني : هو حس الجماعة والتعاون حيث أنّ الأعمال الصعبة لا يمكن إنجازها إلاّ من خلال التشاور والتعاون مع الآخرين مقتدين بذلك الشيخ الذي علّم أولاده أنّ قوتهم في اتحادهم وتعاونهم حين يكونون كحزمة واحدة متآلفة متعاضدة :
تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسراً         وإذا افترقن تكسرت آحادا


ويعتبر الإدمان على متابعة التلفاز والألعاب الالكترونية والحاسوبية ، واحداً من أهم العوامل المؤهبة لاضطراب السلوك الاجتماعي لدى الطفل ، حيث أنّ عملية الإدمان هذه تنقص من الوقت الذي يقضيه الطفل في التعامل مع الوسط المحيط به ،والذي يعتبر المدخل الأول والأهم ليتعلم الطفل كيف يصبح كائناً اجتماعياً من خلال استشرابه لثقافة التعامل الاجتماعي في الوسط الذي ينتمي إليه ، بالإضافة إلى بحثه عن استنباط وسائل جديدة للتعامل مع المستجدات التي يتعرض لها اجتماعياً ومعرفياً حيث تمثل هذه المستجدات الحاجة الجديدة للطفل والتي تتطلب منه أن يتعلم كيف يكون كائناً اجتماعياً وكيف يمكن أن يستكشف طاقاته للتأقلم والتفاعل مع الوسط الاجتماعي المحيط به ، وإنّ الابتعاد عن هذا الوسط والانكفاء على مشاهدة والألعاب الالكترونية ـ كما يفعل بعض الآباء لتسلية أبنائهم أو إلهائهم ـ بالتأكيد سيترك آثاره السلبية التي ستتجلى أولاً في نقص الخبرة الاجتماعية ونقص القدرة على استثمار المهارات الفردية في التعامل مع الوسط الاجتماعي المحيط وشروطه وبالتالي يشكل أرضية خصبة لنمو كافة أشكال اضطراب التواصل الاجتماعي عند هذا الطفل . وهذا دون أن ننسى ما ذكّرنا به دائماً عن دور الألعاب الالكترونية في زيادة الاستعداد للإصابة بالصرع .


إنّ جميع الألعاب التنافسية غير الجماعية والتي يمكن للطفل أن يشارك بها وخاصة في مرحلة الطفولة الباكرة ، وأخص منها نوعين اثنين :الأول : هو لعبة الكراسي الموسيقية ، والثاني : هو سباق الجري الجماعي ، حيث أنّهما يعطيان مدخلاً للطفل للبحث عن وسيلة للتفوق في هاتين اللعبتين يكون أقربها إلى ذهنه وأسهلها تطبيقاً هو استخدام القوة الجسدية لدفع الشريك في اللعبة وإقصائه عن منافسته وهذا هو عكس الدور المنوط باللعب في هذه المرحلة ، والذي يجب أن يكون مدخلاً لتعلم روح الجماعة والتعاون مع الآخر .


ولذلك فقد تكون أفضل الألعاب التنافسية هي التي تضع الطفل في حالة التنافس الإيجابي من خلال وجود فريق يمثل فوزه فوزاً للطفل ، مع ضرورة تغيير عناصر الفريق باستمرار بحيث يتعلم الطفل ضرورة التلاؤم مع الآخرين على اختلاف طباعهم ونجاحهم ودرجتهم في اللعب ، ومن الأفضل تحويل التنافس إلى حالة من الإبداع البنّاء من خلال نقل حالة التنافس المباشر ومفهوم الفوز والخسارة إلى الخلف قليلاً وإبداله بمفهوم المكافأة والإطراء الذي قد يحصل عليه الطفل من جراء تقديم عمل بنّاء وجميل كرسم لوحة بالتعاون مع رفاقه أو كتابة قصة جماعية أو تمثيل مسرحية ، وبحيث يكون هذا الإطراء المقدم من المربي أو الوالد مدخلاً لتفادي ثنوية الربح والخسارة حيث أثبتت الدراسات الحديثة في الطب النفسي عند الأطفال أنّ تلك الطريقة تمثل الوسيلة الأنجع في تشجيع الطفل على أن يكون اجتماعياً ومبدعاً .


أسس علاج اضطرابات السلوك الاجتماعي عند الأطفال :


قد تكون النقطة الأولى التي يجب الإشارة إليها عند التوقف عند المحاور الأساسية في علاج اضطرابات السلوك الاجتماعي عند الأطفال ، هي ضرورة التعامل المتأني مع هذا النوع من الاضطرابات لسببين :


الأول : هو شيوعها وتأثيرها على العنصر الأهم في تواصل الفرد مع محيطه الاجتماعي أي ما يبديه من سلوك حياتي يحكم علاقته وتعامله اليومي مع الآخرين وخاصة إذا كان المتأثر بها طفلاً يعتبر التواصل مع وسطه الاجتماعي مدخله الأهم والأول للنضج وتعلم كيفية الانتقال من سوية الكائن الحي الاعتيادي إلى سوية الإنسان المتكامل مع مجتمعه وبشكل فعّال .

الثاني : أنّ هذه الاضطرابات تحتاج إلى وقت ليس بالقصير لتعديلها ، وبالتالي يجب أن يكون الموجه الأول في أي خطة علاجية موجهة لهذه الاضطرابات هو العقلانية والهدوء وليس الانفعالية العشوائية ( وحتى لو كانت حسنة النية في جوهرها ) .
ونركز بشكل وطيد على أنّ العقاب والعزل والسجن وغيرها من الوسائل العقابية السلبية التي اتبعت ولا تزال تتبع ـ وبكل أسف ـ في ضبط هذا الاضطراب وغيره لم يثبت لها أي فاعلية في علاج هذا الاضطراب على الإطلاق ويجب الابتعاد عنها قدر الإمكان في سياساتنا المتبعة حالياً ، والسعي بشكل دؤوب ومرشد لاستئصالها جذرياً من أي توجه تقويمي تربوي يتبع حالياً أو في المستقبل .
ونضيف إلى ما سبق ، أهمية الابتعاد المطلق عن طرد الطفل الذي يعاني من اضطرابات السلوك الاجتماعي من المنزل أو التهديد بقطع المصروف المادي عنه لكونهما الخطأين الأكثر شيوعاً في سوق هؤلاء الأطفال إلى طريق الذي لا عودة منه ، ويجب بدل ذلك التوجه وبشكل متروي إلى تفهم الوضع النفسي السيئ للطفل وتطبيق الإجراءات الرادعة له بالتدريج دون أي إجراء عنيف
( كالطرد أو الضرب ) ، والسعي بشكل موازي لتفهم السبب الذي يقوده إلى ذلك مع محاولة تعديله وتفكيكه وتذويب علاقته مع الطفل ، وتجاوز آثاره التي يتركها على الطفل بالوسائل العلاجية النفسية المتنوعة والتي قد يكون أنجعها هو المعالجة النفسية الجماعية التي تستهدف خلق معنى جديد وهدف جديد للحياة عند هذا الطفل من خلال المشاركة في نشاطات جماعية ومجموعات عمل ولعب جديدة تعيد له الرغبة الطبيعية لدى الإنسان لمحبة الوسط المحيط به والعيش فيه ومن خلاله والاندماج عضوياً به ، ويمكن لترسيخ ذلك استخدام كل وسائل العلاج النفسي التحليلي ، والعلاج السلوكي لتدريب الطفل على اتخاذ منهج سلوك جديد أكثر ملائمة لناحية اندماجه بالوسط الاجتماعي بشكل أكثر حميمية وفاعلية ، والعنصر المشترك والأهم بين هذه الإجراءات كلها أنّها تحتاج إلى تعاون فعّال من الأهل وصبراً متأنياً وعدم استعجال لرؤية النتائج لتلك الإجراءات وذلك لأنّ سيرورة التطور العصبي المتسق مع الخبرات لديه ، ونضج  البنية النفسية الوظيفية لديه ، لا تنسجم وغير قادرة أساساً على تقبل إجراء مثل هذا التصنيف التبريري التلفيقي ، فيضطر الطفل إمّا لنسيان التوجيه الأخلاقي الذي تلقاه مسبقاً بعدم الكذب كأنّه لم يكن ، أو يعمد إلى قبول الكذب ويروح يمارسه وفقاً لمنهج الازدواجية التلفيقية الذي شاهده عند مربيه حينما يحتاج إلى مثل هذه الازدواجية ، وكلا الخيارين خطير للغاية فالأول يترك الطفل ضعيفاً دونما مناعة تربوية وثقافية تحميه وتدعمه للخطو تجاه النضج فيصبح مضطراً للوقوع في الكثير من التجارب التي قد تكون بائسة ليستطيع استنتاج منطقه الخاص به الذي قد يكون مصيباً ولكن بعد معارك مضنية ومستنزفة لطاقته الإنسانية ، أو تكون حاقدة بائسة وهذه هي الطاقة الكبرى التي يجب النظر إليها مسبقاً قبل ممارسة أي ازدواجية في السلوك التربوي الذي نقوم به . والثاني فهو يؤسس لشخصية بهلوانية بشكل مبكر يصعب عليها لاحقاً أن تعود عنى هذا النمط الذي ضحيته الأولى هو شعور الطفل الكامن بعدم الثقة بنفسه لأنّه غير منسجم وغير صادق مع نفسه أولاً فكيف له الخروج للاندماج مع المجتمع وهو مفكك وغير منسجم بنيوياً ووظيفياً من الداخل .


ولكن يجب التركيز هنا إلى أنّ محولة إخضاع الطفل إلى معايير تربوية وأخلاقية صارمة تتناول كل شاردة وواردة وكل صغيرة وكبيرة تتعلق بفعاليات الطفل الحياتية والفكرية تمثل عملية تنطوي على خطر كبير يتمثل بانسحاب الطفل من أي إمكانية لاتخاذ المبادرة الذاتية وبحيث يتحول إلى طفل فاقد لأهم ميزة في حياته المستقبلية ألا وهي القدرة على الإبداع واتخاذ القرار ، ويتضح ذلك بشكل أكثر وضوحاً من خلال النماذج المختلفة من حالات القلق التي يعاني منها هؤلاء الأطفال ، بالإضافة إلى أنّ حالة الصرامة المستمرة تفقد الصرامة دورها وقدرتها على الطفل إذ أنّنا نعرف وفق منهج التربية السلوكية ومنهج العقاب والثواب ، أنّ تكرار المؤثر وبشكل متواتر بعد فترة سيؤدي إلى إضعاف قدرته على الفعالية مما يضطر المربي إلى زيادة شدته للتعويض عن نقص التأثير هذا ، وهذا بالتأكيد سيقود إلى حلقة معيبة تكون نهايتها هو انعدام وخبو التأثير لمثل هذا النوع من الصرامة أو العقاب .

ولذلك فإنّ الحل الأفضل في مل هذه الحالات التي تستدعي تداخلاً تربوياً لتعديل سلوك الطفل هو استخدام سياسة مزدوجة ، القطب الأول لها هو محاولة التعامل مع الطفل وفق سويته الإدراكية بمنهج يعتمد إلى توسيع قدرته على تفهم الخطأ والصواب ولماذا يكون ذلك خطأ ً ولماذا يكون ذاك صواباً ، والقطب الثاني هو استخدام سياسة الثواب والعقاب ضمن سياق التربية السلوكية للطفل من خلال تطبيق مبدأ المكافأة وسحب المكافأة كسياسة أثبتت فعاليتها الجبارة في تعديل وتقويم السلوك عند الطفل ، فحينما يكون السلوك مستحباً يمكن تقديم المكافأة ويمكن أن تكون ملموسة أو معنوية والأفضل أن تكون معنوية ويجب أن تبتعد عن مفهم الرشوة من أجل استمرار السلوك الجيد وإنّما يجب أن تتلو السلوك الجيد ، ودون أن يكون لها تواتر ثابت يعرفه الطفل إذ من الأفضل أن تأتي بشكل عفوي إثر استحسان لطفل ما يأتي ضمن سياق العلاقة الحميمية بين المربي والطفل ، ويفضل كذلك أن نبتعد قدر الإمكان عن المكافآت المالية لما لها من أثر سلبي على تطور علاقة الطفل بالمال الذي يمكن أن يتحول إلى هدف راسخ في عمق البنية النفسية لديه ، وما يمكن أن ينتج عنه من ظواهر البخل والتقوقع المادي مستقبلاً .
وفي حال كان السلوك الذي أبداه الطفل غير مقبول تربوياً فحينها يمكن اللجوء إلى التهديد بسحب المكافأة وعدم تقديمها مستقبلاً ، وكمثال عليها يمكن التهديد بعدم القيام بنزهة ما أو بعدم الاشتراك معه في اللعبة الجماعية التي يحبها...الخ


وتعتبر هذه الوسيلة أنجع بكير من كل وسائل العقاب وخاصة الجسدي لأنّه أثبت علمياً على أنّه أضعف الوسائل التربوية قدرة على تعديل سلوك الطفل نحو الأفضل . ونشير أخيراً إلى ضرورة إبقاء حد عقلاني من المرونة والحرية للطفل في التعامل مع شؤون حياته اليومية ، واعتماد التوجيه وتعليم فن التفكير والتحليل والنقد لدى الطفل ، وإبقاء المراقبة اللصيقة ولكن دون أن تكون محددة لنشاط الطفل وحريته ودون أن تكون ملحوظة من قبله ، لكي نتمكن من التداخل السريع عند الضرورة ، ويعتبر ذلك بالتأكيد أفضل بكثير من الدخول في دوامة التسيير الشامل للطفل وعواقبها البائسة التي نحن أحوج ما نكون إلى عكسها من أجل ضمان نشوء أجيالنا صحيحة نفسياً وقادرة على الخلق و الإبداع والعطاء لخير مجتمعها ووطنها .


ـــــــــــــــــــــــــــــ

* د . مصعب عزاوي
طبيب اختصاصي بعلم الأمراض والدراسات الوراثية والمناعية ( لندن )
أستاذ مشارك في العلوم الصحية ( بريطانيا )
مدير المركز الاستشاري للعلوم التكنولوجيا ( دمشق )