البعد النفسي للفعل الاستشهادي مقدمة: سنحاول التوقف في هذه الدراسة عند موضوع العمليات الاستشهادية البطولية التي ينفذها أبطال المقاومة العربية للمشروع الصهيوني الأمريكي في الوطن العربي ، وكيف يمكن لعلم النفس والطب النفسي التصدي لمهمة التفسير النفسي للفعل الاستشهادي الفدائي كفعل إيثاري عطائي الهدف والمنهج، وتوضيح تفارقه المطلق عن الانتحار كفعل إفنائي ذاتي بؤري مركز حول بؤس الذات المنفصلة عن الآخر. ويجب أن نشير إلى أن مهمتنا هذه هي مهمة على درجة عالية من الأهمية والجوهرية لكونها تتناول واجب الدفاع الذي يتوجب علينا-جميع الباحثين والمهتمين- الوقوف عنده لتبرئة ساحة شهدائنا من سيل التهم البائسة المكالة لهم. وينطلق اهتمامنا أساساً من نقطتين محفزتين اثنتين: أولاهما: هو رفضنا العلمي والأخلاقي لما يطرحه الخطاب السياسي الغربي عموماً والأنجلوساكسوني خصوصاً في أمريكا وبريطانيا، عندما يحاول إطلاق تسمية العمليات الانتحارية على الأفعال الجهادية الاستشهادية على الرغم من أن لغتهم وأدبياتهم تحوي مفردات مقابلة للفعل الاستشهادي أو الفدائي. وسنحاول توضيح ذلك الرفض من خلال اعتمادنا في مراجعنا في دراستنا هذه على ما تطرحه الكتب المرجعية في الطب وعلم النفس من معطيات حول الانتحاروعلى رأسها الدليل التشخيصي و الإحصائي للاضطرابات العقلية ( الطبعة الرابعة )، والذي يعد المنهج الرسمي للتشخيص في الجمعية الأمريكية للطب النفسي . ونستطيع التوضيح وبجرأة متكاملة بأننا نلتزم بالدقة العملية الصارمة في قراءتنا المتأنية والشمولية وغير الاجتزائية ( كما يروق لكثير من الغربيين فعل ذلك حينما يتعاملون مع نتاجنا الثقافي والاجتماعي ) لما يطرح من سمات متميزة للسلوك الانتحاري، محاولين بذلك المساهمة في افتتاح طريق جديد يتوجب علينا نحن الباحثين العرب- على اختلاف مناهجنا وأيديولوجياتنا- توضيح التفارق الكلي في مقارنة المحتوى النفسي للفعل الاستشهادي مع ذلك المتفق عليه في المراجع الأنجلوساكسونية وذلك أن أقوى أنواع الإدانة والدحض هي التي تأتي من فهم ذلك المتشدق بكيل الاتهام والتجريم لنا ولقضيتنا.
وثانيهما: ضرورة إضاءة بعض النقاط التي تغفل عنا نحن العرب أيضاً في محاولتنا للتفهم العقلاني الضروري بالتساير مع تعاطفنا الروحي الصميمي مع شهدائنا ومجاهدينا الأبطال حيث يمكن أن نقدر خطأً في بعض الحالات، حين يخالجنا بعض الظن بأن أولئك الاستشهاديين والاستشهاديات ينطلقون في مثل هذه العمليات لأنه لم يعد لديهم ما يخسرونه، ولكن هذا وأمثاله من بعض الخطل في التفسير يجافي الحقيقة العلمية والواقعية التي سنسعى معاً لاكتشاف جوهرها النفسي النضالي الأكثر عمقاً وعطاءً. ولتسهيل عملية التلقي، سنحاول في مقاربتنا هذه اعتماد منهج المقارنة الأكثر مباشرة، لتبسيط العرض وجعله أكثر يسراً في التمثل المعرفي لهذا الفرق الجلي بين الفعل الاستشهادي وعملية الانتحار، والذي هو الهدف الأسمى في دراستنا هذه.
ويمكن أن نشير في بادئ عرضنا إلى تفضيل تسمية الانتحار في النصوص المرجعية الأنجلوساكسونية بالسلوك الانتحاري، إذ أن الانتحار يعتبر نتيجة لنموذج معين من السلوك يوصف بأنه سلوك انتحاري وهو ينطوي على معالم سلوكية مميزة تتمحور حول أفكار إفناء الذات والقطيعة المطلقة مع الوسط الاجتماعي المحيط، ومحاولات تنفيذ الانتحار المتكررة ، والتي قد تتكامل في إحداها للوصول إلى الانتحار الفعلي، أو تبقى دون الوصول إليه فعلياً، وتظل في إطار السلوك الانتحاري.
ويمكن توضيح معالم هذا السلوك الانتحاري من خلال المرور على العناصر الجوهرية المميزة للبنية النفسية والسلوكية المرتبطة به والممثلة له، ومن ثم نستطيع مقابلتها مباشرة بتلك العناصر الأخرى المميزة للفعل الاستشهادي، وبحيث يمكن تلمس الفرق النوعي والعضوي بشكل جلي واضح. وسنبدأ فيما يلي بالإشارة إلى معالم السلوك الانتحاري:
1-انفصال الذات عن الوسط الاجتماعي:
قد يكون الملمح الأول المميز للسلوك الانتحاري هو التمركز المفرط حول الذات والتي غالباً ما تحتضر في بؤسها، حيث تنحصر رؤية المقدم على الانتحار برؤية نفقية محدودة لا تبصر إلا إعتام النفق الطويل دون بؤرة الضوء في آخره لشدة ضيقه وإعتامه فكرياً ونفسياً، إذ لا يتبين المقدم على الانتحار إلا انفصال الذات ووحشتها ووحدتها في محيطها الاجتماعي، والميل التراكمي لتكريس هذه العزلة دائماً.
ويلحظ في نفس سياق انفصال الذات عن محيطها الحيوي الاجتماعي، هو إحساس ذلك الشخص المقدم على الانتحار بعدم المقدرة على محبة الآخرين وعدم الاكتراث بالحياة وإمكانياتها المتعددة التي لا يمكن تفعيلها إلا من خلال التفاعل البناء مع الوسط الاجتماعي المحيط والذي يكون السلوك الانتحاري بأبعد ما يكون عنه، إذ يسيطر الشعور بفقدان القدرة على التفاعل العاطفي مع الآخرين والإحساس بالعقم النفسي المطلق وعدم القدرة على الانخراط إنسانياً في شبكة العلاقات الروحية الحميمة مع الآخرين ليبقى التفكير متمركزاً حول بؤس الذات المنفصلة عن واقعها وحاجاته وعن علاقتها الضرورية معه. وإن هذا البؤس يستمر في النمو بشكل تراكمي متصاعد ليعيد إنتاج نفسه بمرور الزمن وبشكل أعمق وأشد.
أما في حال الفعل الاستشهادي، فإننا يمكن أن نرصد الملمح الأول النقيض لانفصال الذات، والمتمثل في الإلتحام الكلياني بهمِّ ومعاناة الآخرين، منظوراً إليهم بكونهم جزءاً من الشبكة الروحية الإنسانية البسيطة التي يشكل فيها الفرد جزءاً لا يمكن له أن ينفصل عن معاناة أخوته في المجتمع الذي يعيش فيه، فيكون نتاج ذلك اندماج عضوي بالحالة النضالية اليومية، بحيث يدافع الفرد عن الكل، والكل عن الأفراد، ويصير الهمُّ الأكبر حاوياً ومذيباً لكل الحيثيات الجانبية الخلافية ضمن سعي نضالي ملموس للاتحاد بذلك الزخم النضالي الجماعي بحيث يمكن لنا أن نسميه وفق مصطلحات علم النفس بالمنهج الإيثاري في التعامل مع القضية الاجتماعية بحيث يصبح النضال والتضحية من أجل محبة الآخرين والحفاظ على سعادتهم هي المقام الأول قبل أي سعادة فردية، وتصبح بذلك مصلحة المجتمع في مطلق التقديم على مصلحة الفرد الضيقة وإن ذلك الوعي الاندماجي بلحظة التكاتف والإيثار المطلق ينتج تفاعلاً حميمياً يومياً ومنتجاً شبكة نضالية تشكلها لحمة جميع المجاهدين الذين يذوِّبون كل الخصوصيات الذاتية الخارجية عن إطار الوحدة الوطنية الجهادية ضد المحتل الغاصب، وبإقبال شجاع مؤمن بقدرة العطاء للذات المؤمنة بهدفها وحلمها النضاليين، المندمج صميمياً بمعاناة المجتمع الأولى وهمه الأول ألا وهو معركة التحرير التي تسير دائماً كما الوعي الإيثاري بشكل معطاء مستمر يعيد إنتاج العطاء والإيثار والتضحية لضمان إستمرار مهمة إعادة إنتاج المجتمع والحفاظ على الكتلة البشرية-الاجماعية التي يحتويها . 2- سلوك تدمير الذات: وهو واسم ملموس للسلوك الانتحاري، وتجمع عليه بإطلاق معظم أمهات الكتب الأنجلوساكسونية في مجال علم النفس والطب النفسي، والذي سنشير فيما يلي إلى الملامح العامة لسلوك تدمير الذات ضمن سياق السلوك الانتحاري:
يلاحظ على صاحب السلوك الانتحاري ميل للإقبال على الإدمان بأشكاله المختلفة وخاصة الإدمان الكحولي منه، وعلى الأدوية النفسية، المقترن بالإهمال الواضح لشروط الحفاظ على الصحة الذاتية، والإفراط في تناول الطعام وبعشوائية واضحة. والأهم من ذلك كله هو السلوك الإجرامي المتهور والذي يحكمه التوجه غير الواعي لدى صاحب السلوك الانتحاري برؤيته التي ترى عدمية وعبثية وجود الذات التي تعاني من انفصالها المطلق عن أي رابط اجتماعي أو أي شرط مطلوب للحفاظ على مصلحة الذات وبالتالي المجتمع، لإحساسه بالانفصال المطلق عن أي رابط يصله بذاته المدمرة أو بمجتمعه المنفصل عنه.
أما في حالة الاستشهاديين والاستشهاديات لا يمكن لأي كان أن يطابق بين سلوك تدمير الذات وبين هؤلاء المجاهدين، إذ لا يمكن وضعهم تحت نموذج تصنيفي واحد يحكمهم كما يحكم أولئك المقدمين على الانتحار، ولبُّ ذلك في أن هؤلاء الاستشهاديين لولا معركتهم النضالية الحاسمة للدفاع عن وجودهم الإنساني لكانوا أناساً بسطاء نموذجيين ،طلاباً ومعلمين وحرفيين ومختلف أشكال العمل المهني في المجتمع ، إذ أنهم كانوا قبل نضالهم التحرري منخرطين في مختلف الفعاليات الحياتية اليومية، وسيعود أسلافهم لحياتهم الطبيعية النموذجية عقب انتصارهؤلاء المجاهدين الأبطال. ومن ناحية أخرى، لا يمكن لأحد أن يطلق على هذا الطيف الواسع من التنوع في تلاوين ومشارب أولئك المجاهدين المنتسبين إلى مختلف الفصائل الوطنية والدينية على اختلاف سويات وعيها النظري والتطبيقي، المتوحد حول مهمات النضال الوطني التحرري، بأنهم ميالون للإدمان أو السلوك الإجرامي، فهولاء الشباب والفتيات الذين نفذوا العمليات الاستشهادية بالتأكيد ليسوا إدمانيين أو متهورين إجراميي التوجه، مذهبهم كسر العرف الاجتماعي والمصلحة الاجتماعية، إذ أن تحليلاً نفسياً أولياً للسيرة الذاتية لأولئك الشباب اليانعين كفيل بأن يعكس الجوهر الطيب والمرهف والبسيط، والذي لم يستطع القبول بالضيم والذل، فنظر إلى مصلحة الآخرين قبل المصلحة الشخصية، وضحى بأغلى ما يملك من أجل ذلك.
3- الجوهر الاكتئابي للسلوك الانتحاري : يجمع معظم المؤلفون على تزاوج الظاهرة الاكتئابية مع نموذج السلوك الانتحاري، وتذهب بعض الاحصائيات إلى القول بأن الاكتئاب الصريح يمثل توأماً للسلوك الانتحاري فيما يزيد عن 70% من الحالات، أما الحالات الباقية فتترافق مع ظواهر الاكتئاب المقنع والذي سيظهر عاجلاً أم أجلاً، حتى لو تأخر ذلك الظهور الواضح والجلي له إلى لحظة الإتيان بفعل الانتحار، إذ أن الاكتئاب هو محرك جوهري لذلك السلوك الانتحاري. ويمكن أن نشير فيما يلي إلى الأعراض الأساسية في حديثة البعد الاكتئابي للسلوك الانتحاري:
أ- تجريم الذات والإحساس بالقزامة النفسية وعدم القدرة على العطاء من أجل الذات نفسها أو من أجل الآخرين، المترافق مع إحساس مقيم بالعجز النفسي المطلق الذي يحول دون الرغبة والقدرة على القيام بأي فعل إيجابي نحو الذات والآخرين في الوسط الاجتماعي المحيط.
ب- الإحساس بغياب الطاقة والحيوية وفقدان القدرة على العمل والعطاء نفسياً وجسدياً، وعدم القدرة على الإحساس بالسعادة أو الألم في إطار من السوداوية المطلقة المتنامية حول الإعتام النفسي الداخلي.
ج- ضعف القدرة على التركيز الذهني والجسدي، وضعف أداء الذاكرة وعدم القدرة على استيعاب أبسط القضايا، والإحساس العميق بخواء الذاكرة التي تعجز عن تعلم أشياء جديدة أو استعادة ما كان واجباً تعلمه في وقت سابق لإظلامها كما البنى النفسية الأخرى.
د- ضعف القدرة على الأداء الفعلي الجسدي الدقيق، والإحساس بالخمول الشديد، وتردي معظم المهارات الحركية جميعها لصالح نموذج إنساني يعاني من الجمود العقلي والعضلي الحركي.
أما في حالة الاستشهاديين والاستشهاديات، فإننا يمكن أن نتلمس نقيض الجوهر الاكتئابي، والذي يمكن أن ندعوه: الجوهر الإشراقي للبنية النفسية الإيثارية المضحية، والتي يمكن لنا تمثل عناصرها المميزة والتي تشكل النقائض المباشرة لأعراض البعد الاكتئابي للسلوك الانتحاري. ولذلك سنعرضها بنفس الترتيب الذي وضعنا به أعراض البعد الاكتئابي للسلوك الانتحاري، لتبدو النقائض جلية في تفارقها وتميزها:
أ- الإحساس العارم بانصهار الذات المطلق في بوتقة الهم الجمعي، والتسليم المطلق بضرورة التضحية من أجل حرية الشركاء الآخرين في المجتمع المقاتل، وذلك ضمن إحساس مغرق في الاندماج بمعاناة المجتمع ككل، والتي تستدعي أسمى أنواع الفعل الإيثاري الاستشهادي كقمة وتتويج لكل الفعل النضالي الذي شكل جوهر حياة الاستشهادي السابقة، من خلال السعي ضمن كل السبل المتاحة المادية والمعنوية للدفاع عن المجتمع، والذي كان الفعل الاستشهادي قمته وجوهره الأسمى كعطاء إيجابي محمل بالأمل بتحرر المجتمع والذات الإنسانية التي تعاني في معركة تحررها.
ب-الانفعال العميق والتحسس المتوجع لكل المعاناة التي تحاصر المجتمع وذات الاستشهادي، مما يولد عنده ذاتاً نضالية متوقدة بالرغبة بالعطاء المطلق، والنضال الصبور الذي لا يقبل الاستسلام، وبنشاط عقلي وجسدي يصابر على كل الظروف الشاقة التي تمثل شروط الحياة اليومية في ظروف معركة التحرر الوطني، يحدوه الأمل الكفاحي بمستقبل متحرر لأولئك اللذين سيبقون بعده على أرضهم عقب انتصار المناضلين في معركة التحرر الوطني.
ج - التوقد الذهني والجسدي العالي والذي يعكسه التدريب الملحوظ والذكاء اللماح عند أولئك الاستشهاديين في التخطيط والدقة في التنفيذ، والسيطرة العصبية الناضجة على كل شروط التسيير العصبي- الفكري والتوازن العضلي الحركي، لاستثمار كل طاقات العقل المتعطش للتحرر والانعتاق من ظلم العدو المحتل.
د-النشاط الجسدي والعضلي الحركي العالي والذي يوضحه الصمود الأسطوري لأولئك الأبطال على كل الهمجية والبربرية لآلة القهر العسكرية للعدو الغاشم، حيث كان الصبر الاستثنائي على تحمل أقسى الظروف الجسدية والنفسية السلاح الأول في معركتهم النضالية التحررية .
4-اضطراب الشخصية الكامن في السلوك الانتحاري : إن اضطراب الشخصية هو اضطراب مستبطن دائماً في السلوك الانتحاري ويرافقه بنيوياً في الغالبية العظمى من الحالات، كما توضح ذلك بوضوح الأدبيات الغربية. ينطوي السلوك الانتحاري على نموذجين أساسيين من اضطراب الشخصية يتراوحان بين الشخصية الهلامية (الحَدَّية من الحد الذي يفصل شيئين)، والشخصية المعادية للمجتمع.
فالأولى: تتميز بعدم استقرار الوعي والسلوك تجاه مكتنفات الوعي تجاه الذات والمجتمع المحيط، ونحو البعد العاطفي في حياة الإنسان ، والميل الدائم إلى نوع من السلوك الأرعن غير المتبصر، والذي ينظر بمنظار التقزيم والاحتقار لذاته نفسها، واستعداده المتكرر لإيذائها المترافق بعدم الاكتراث بمشاعر وعواطف الآخرين، نتيجة الإحساس الجارف بالخواء العاطفي الداخلي . ويحكم المزاج الخنوع والمستكين صاحب الشخصية الهلامية، حيث يكون أول المنسحبين في لحظات الشدّة. بالإضافة إلى معاناته من أعراض التفارق والانفصال عن الواقع بطريقة تقارب مرض الفصام حيث لا يعود فيه الواقع مدركاً من الناحتين الذاتية والموضوعية، فيصبح الشخص بعيداً عن التفاعل مع النبض العام في المجتمع الذي يعيش فيه.
والثانية: ( أي الشخصية المعادية للمجتمع)، فهي تميز بتصرف أصحابها دون أي اكتراث بأي حق للآخرين، وبحيث يصبح مقبولاً كسر القوانين باستمرار والكذب، والسلوك المتهور الطائش، وعدم الشعور بأي مسؤولية تجاه الآخرين والعدوانية الصارخة تجاه الوسط الاجتماعي المحيط بمكوناته الحية والجامدة، وانعدام الشعور بتأنيب الضمير أو الندم لتألم الآخرين وهم جمعيهم- أي أصحاب الشخصية المعادية للمجتمع - يقتربون كثيراً أو قليلاً من مختلف أشكال السلوك الإجرامي. أما في حالة الاستشهاديات والاستشهاديين، فإننا نستطيع التأكيد مرة ثانية على كونهم منحدرين من مختلف الفعاليات الاجتماعية ومن مختلف المشارب الفكرية الأيدلوجية المنسجمة ضمن نسيج الحياة الاجتماعية العام الذي يعمل أولاً من أجل إنتاج متجدد لاستمرار حياة المجتمع وأفراده، وهذا يعتبر أول إشارة نحو عدم وجود أي اضطراب في بنى شخصيات هؤلاء الفدائيين، إذ أن أي بنية سلوكية تتعلق بالشخصية تصبح بنية مرضية حين تعيق اندماج هذا الفرد في وسطه الاجتماعي المحيط أو قدرته على العطاء من أجل البقاء فرداً اجتماعياً فاعلاً ومنفعلاً بشروط المجتمع الذي يعيش فيه.
وإذا ما حاولنا تقصي السمات العامة لشخصية الفدائي الاستشهادي، والتي تشكل صورة مناقضة إلى الحد الأقصى، لذلك النموذج المرضي في الشخصيتين الهلامية والمعادية للمجتمع واللتين تميزان السلوك الانتحاري كما أوضحناً سابقاً. فإننا نستطيع أن نشير إلى الملامح العامة التي تسم الشخصية الفدائية الاستشهادية: قد يكون العنصر الأول في هذه الشخصية هو الاستقرار المطلق في كل مكونات الوعي حول مفهوم النضال التحرري اللازم والضروري بأشكاله المختلفة الوسائل والمتطابقة الأهداف هو الاستقلال والحرية وصولاً إلى أسمى تلك الوسائل تضحية و إيثاراً في الفعل الاستشهادي. والسمة الثانية التي يجب المرور عليها، هي العمق الانفعالي بمعاناة الذات الداخلية كمعبر عن ألم المجتمع ككل من ويلات الاحتلال الغاشم؛حيث يكون هذا الانفعال مزيجاً بين الشفافية والرهافة التي لا تقدر على استمراء الظلم،وبين الإرادة الصبورة الجبارة لتحدي الحيف بنموذج نضالي يستدعي النموذج الأكثر سمواً من الوعي الذاتي- الاجتماعي الذي يتجاوز كل الخصوصيات الهامشية للذات ليصهرها في بوتقة الطموح والأمل الجمعي الذي ينظم كل الشبكة الاجتماعية بحيث يصبح الجوهر الأساسي للوعي هو الحفاظ على الذات من خلال الدفاع عن المجتمع وقابليته للاستمرار حراً عزيزاً، وبحيث يصبح تهديد المجتمع مماثلاً لتهديد الذات، والدفاع النضالي المستمر عن المجتمع هو الهدف الأسمى لبقاء الذات. وعلى النقيض من كل النماذج التنكسية الأنانية التي لا تعرف إلا الاحتماء بجحور الجرذان، يكون النسق العام للشخصية الفدائية هو الوعي الاستبسالي الصبور المقاتل والذي لا يقبل الهروب والانسحاب في لحظات الشدة، لإحساسه ووعيه المتجذر بأن معركة الدفاع عن بقاء المجتمع والأمة لا تحتمل التخاذل أو الاستكانة والخنوع كما يفعل بعض من يشترط بهم أن يكونوا في طليعة المتصدرين لمقارعة الغزاة الطامعين بكل الأرض وكل المقدرات، فيحاولون التعامي عن ذلك وفق فلسفة النعام والأنانية والقزامة المجهرية التي سيكون التاريخ وضمير الشعب لها بالمرصاد الذي لن يسامح أياً من المستكينين الخانعين.
5-الخواء العقائدي للسلوك الانتحاري: تشير الدراسات والأبحاث النفسية جميعها ومن ضمنها الدراسات المرجعية الأنجلوساكسونية التي يمثلها بشكل أكثر وضوحاً البحوث والإحصائيات الأمريكية، إلى أن السلوك الانتحاري يرتبط بشكل وثيق بالخواء العقائدي الذي يتمثل بعدم ارتباط صاحب السلوك الانتحاري بأي منهج خاص لتفسير العالم بحيث يكون ذلك المنهج مدخلاً يمكنه من فهم وتفسير التناقضات التي تتظهر في الشبكة الاجتماعية – الاقتصادية – الثقافية التي يعيش الفرد فيها . وينطوي منهج تفسير العالم على عدة اتجاهات تتمثل في المناهج الدينية المختلفة، والمناهج الأيدلوجية-السياسية المتعددة . وتوضح تلك الدراسات أن نسبة الانتحار أقل عند المسيحيين الكاثوليكيين والأرثوزوكس من تلك التي عند البروتستانت نتيجة الارتباط الأوثق للمجموعة الأولى بالتعاليم الكنسية المسيحية، أكثر من هؤلاء الآخرين الذين يبدو أنهم يرتبطون بشكل واه مع الكنيسة. وتكون نسبة الانتحار في المستويات الأدنى عالمياً عند المسلمين اللذين يرون تحريم الانتحار ولكنهم بالمقابل يجلّون الاستشهاد فهم أقل المنتحرين ولكنهم أكثر الشعوب تقديماً للشهداء، والتاريخ سيظل يذكر الجزائر أرض المليون شهيد، وسيتذكر تلك الأراضي العربية الأخرى المستعدة لتقديم الملايين الأخرى. وتكون نسبة الانتحار في أدنى مستوياتها أيضاً عند أولئك المنخرطين في منظومة إيدلوجية ذات طبيعة إنسانية، حيث تشير الدراسات إلى التدني الملحوظ في معدلات الانتحار عند الشيوعيين والاشتراكيين عموماً، وأعضاء أحزاب البيئة، والحركات النقابية والعمالية، والعاملين في حقل جمعيات المجتمع المدني ومؤسسات العمل الأهلي. وإن محاولة للتدقيق حول الغنى والثراء العقائدي عند الاستشهاديين والاستشهاديات سيكون فاتحة لحديث طويل قد تقصر عنه آلاف الصفحات، إذ أن نقطة العلام الأولى والأهم فيه هو تعدد مشارب ومرجعيات أولئك المناضلين وانسجام كل منهم مع النموذج العقائدي الذي يعتنقه ضمن إطار جامع وموحد لجميع الفصائل النضالية حول جوهرية العمل الوطني التحرري، ونبذ وتنحية كل الخلافات الايدلوجية الجزئية لصالح وحدة الصف الكفاحي، ويشترك في هذا جميع الفصائل الإسلامية الأصيلة في حركة الجهاد الإسلامي وحماس، وفصائل المقاومة الوطنية في كتائب شهداء الأقصى، والفصائل الاشتراكية الراديكالية في الجبهتين الشعبية والديموقراطية، وآخرها المثل القدوة في الصمود العقائدي الملتزم في حزب الله اللبناني. وقد أثبتت تجربة العمل النضالي التحرري في الجنوب اللبناني وخلال عملية مقاومة ودحر الاجتياح الصهيوني للبنان في عام 1982 وحدة جميع الفصائل الإسلامية، والقومية بشقيها البعثي والناصري، والاشتراكية الشعبية المتمثلة في مختلف الفصائل الشيوعية، بالإضافة إلى القوميين السوريين، في بوتقة النضال الاستبسالي الاستشهادي لطرد الغزاة الصهاينة وتحرير الأرض العربية التي كان تحرير الجنوب اللبناني هو تاجها الميمون ويتجلى ذلك البعد التوحدي المتجدد في الحركة النضالية الاستشهادية المترفعة عن كل الانتماءات الضيقة في الولادة المظفرة لسرايا كنيسة المهد لتحرير الأرض المقدسة، كحركة عربية مسيحية لتحرير المقدسات العربية المسيحية، معيدة بذلك إلى الأذهان تجربة ومحنة السيد المسيح الاستشهادي الفدائي الذي ستبقى الأيادي الغادرة الصهيونية وريثة لأسلوب تلك الجريمة النكراء التي اقترفها من يزعم الصهاينة بأنهم أجدادهم ، وهم حفنة من الخونة والقتلة فرقها التاريخ لتندثر تماماً جراء بؤسها وخيانتها وقيمها الغادرة المتهتكة . 6-التهتك الاجتماعي وهرم السلوك الانتحاري : وهنا يمكن أن نشير إلى ثلاثة عناصر مميزة للسلوك الانتحاري تستطيع أن تقدم بنية مكملة ووصفية لذلك التناقض الجلي بين سمات وملامح السلوك الانتحاري مع نقائضه الموجودة في الفعل الاستشهادي المضحي، وفيما يلي نشير إلى هذه العناصر الثلاثة. 1- تقدم أعمار المقدمين على الانتحار: إذ أن الإحصائيات تشير إلى أن هناك 85 شخصاً يقومون بالانتحار يومياً في أمريكا، وتكون النسبة بحدود 70% من أولئك المنتحرين حيث تكون أعمارهم فوق 40سنة والغالبية العظمى منهم تقع في الفئة العمرية التي تزيد عن 60 سنة. وإن السمة السابقة تتناقض جوهرياً مع المعطية الواضحة التي تشير إلى أن أغلب الاستشهاديين والاستشهاديات هم من الشباب اللذين تتراوح أعمارهم وسطياً بين 16- 28سنة، واللذين تشير الدراسات المرجعية إلى أنهم أقل المجموعات العمرية توجهاً نحو الانتحار.
2- التفكك والتهتك الاجتماعي في واقع المنتحرين: وتشير هذه الملاحظة الملموسة إلى انتماء المنتحرين إلى أوساط اجتماعية مفككة يسودها التهتك الاجتماعي والأسري، إذ أن نسبة الانتحار تتدنى كثيراً لدى اللذين يعيشون في وسط اجتماعي متلاحم عائلياً واجتماعياً، ولا يمكن لأحد أن يعتقد بكون المجتمع العربي النضالي في الأرض العربية الفلسطينية مجتمعاً مفككاً متهتكاً، إذ أنه في نتاجه الكفاحي وصبره النضالي أعطى مثالاً وصفياً عن المجتمع المتلاحم والرصوص كبيت واحد في المعاناة والمأكل والنضال، فأصبح المثال الحي عن المجتمع الذي يلد الاستشهاديين المناضلين وليس المنتحرين، إذ أن أكثر المجتمعات المتهتكة اجتماعياً وأسرياً توجد في أمريكا وليس في البنية العربية التي لا زال التلاحم الأسري والحميمية الاجتماعية أحد أهم المميزات التي تزداد الهجمة الإمبريالية- الصهيونية شراسة لنزعها من الوجدان العربي الشعبي الملتحم عضوياً من المحيط إلى الخليج بطموح التحرير والفداء.
3-الفقر الاجتماعي وليس الفقر المادي هو مقدم الانتحار: ويعتبر هذا العنصر من أكثر العناصر أهمية والتي تستوجب التدقيق المرهف والمتحفص، إذ أنه العنصر الأهم في دحض كل الادعاءات الانهزامية التي تقول بأن الفقر المادي والبؤس الاقتصادي هو الدافع الأكبر للانتحار ليستنتج منه مقولة خاطئة معرفياً وعلمياً تقول بأن الفقراء المسحوقين في الأراضي العربية المحتلة لا يجدون أمامهم إلا خيار الانتحار، وهذا الرأي هو الخطأ بعينه، والخطل المطلق. حيث تشير الدراسات المرجعية جميعها والانجلوساكسونية منها خصوصاً إلى أن الفقر الاجتماعي والروحي هو الذي يشكل الدافع الأكبر نحو الانتحار، وهذا ينطبق بشكل جلي وواضح على أولئك المنتحرين في الغرب وأمريكا حيث أن 80% من المنتحرين لا يكتبون أي وصية على الإطلاق حيث أنهم لا يجدون من يقرأ هذه الوصية ويكون مقرباً منهم من الناحية الروحية الإنسانية، مع الإشارة الضرورية إلى أن نسبة كبرى منهم تكون من المترفين اقتصاديا ولكنهم يظلون فقراء روحياً واجتماعياً. أما في حالة المجاهدين الفدائيين فإنهم على الرغم من فقرهم المادي فهم الأغنى والأثرى روحياً واجتماعيا، وأكثر التصاقاً بمجتمعهم، حيث تكون وصيتهم قبيل استشهادهم من أكثر الكلمات جرأة وتشخيصاً لمكمن الألم وخنجراً يدافع عن الحق الثابت في الدفاع عن الأرض والوطن، ويطعن كل أولئك الخونة بكلمات تشير إلى التحامهم اللصيق والعضوي بأولئك اللذين سيسمعون هذه الوصية من الفئات الشعبية التي كان الفعل الاستشهادي هو قمة التمثل النضالي لنبضها وحلمها في الكفاح لتحرير الأرض والوطن.
وأخيراً أود الإشارة أننا في توصيفنا وتوضيحنا لخصوصيات وملامح السلوك الانتحاري إلى أننا اعتمدنا بشكل مطلق على جملة المراجع الانجلوساكسونية و الأمريكيةمنها بالتخصيص التي تمثل مصادراً للبحث والدراسة في الغرب وأمريكا موضحين بذلك استعدادنا الكامل لمقارعة أي من القادرين على رفض أي من المعطيات التي أوردناها، ونشير قبل ذلك إلى أي من المحتجين علينا بالعودة لقراءة ما يكتب في أمهات الكتب الغربية عن السلوك الانتحاري والانتحار قبل التشدق علينا بتهم الموضة السياسية الأمريكية من قبل الإرهاب ودعم الإرهاب التي تحور كل كفاح وطني مشروع تكفله مواثيق حقوق الإنسان وشرعة الأمم المتحدة، وتحويله إلى تهمة بالإرهاب ومعاداة السلام. ونوضح بأننا ندين كل أنواع الإرهاب وعلى رأسه الإرهاب الصهيوني وإرهاب الدولة الأمريكي والذي هو بالتأكيد لا ينسحب على الكفاح الوطني التحرري المشروع في فلسطين الأبية وفي كل بقعة من هذا العالم فيها شعب يناضل من أجل الحرية والاستقلال.
و أود أن أكرر على دعوتنا إلى كل الأخوة الباحثين العرب والمهتمين جميعاً إلى المشاركة في التصدي الفكري والعلمي لكل الهجمات المضللة التي شنها القطب الإمبريالي الصهيوني على كفاح أمتنا التحرري، ومن أجل ذلك نعمل على صياغة هذا المقال وغيره باللغة الإنجليزية والذي سنعمل على نشره قريباً لكي يسمع ويعرف القارئ الغربي الرأي العلمي الصواب، ويعرف ما لم يعد أن يسمعه من الخطاب السياسي الغربي المضلل.
وأعيد القول بأن معركتنا الحالية قد تكون الأخيرة إذا لم تحشد الجهود كاملة وإلى الحد الأقصى لها من أجل الحفاظ على وحدتنا ولحمتنا الوطنية والنضالية لدعم صمود أهلنا الصابرين المكافحين بكل أشكال المساندة المادية والمعنوية والاستشهادية.
ــــــــــــــــ
*د . مصعب عزاوي طبيب كاتب صحفي ( سورية ، بريطانيا )
|