نحن والوعي الاستهلاكي
قد يكون من أكثر المهمات إلحاحية على جدول الأعمال الثقافي التنويري في مجتمعنا العربي هو عملية القيام بوقفة نقدية مدققة عند مركبات العطالة الذاتية التي تقف بتعنت في وجه عملية الدفاع عن المجتمع العربي ضمن مخاضه الصعب الذي يجتازه حالياً للبقاء حياً وحراً وديموقراطياً ، وتمثل هذه المركبات حصيلة تنكس منظومات القيم من خلال عملية التهشيم التاريخي المتعمد لسيرورة النضج الاجتماعي ـ الاقتصادي المؤسسي والذي ينوس في مسبباته بين مركبات التناقض والسلوكية الداخلية وبين عناصر التأثير الخارجي التفتيتية التهشيمية والتي تتداخل فيما بينها بجدلية تجمع الكل ( الداخلي والخارجي ) في عملية التأثير . ويمكن لنا أولاً أن نركز على نموذج من الوعي التنكسي الاهترائي والمتمثل بالوعي الاستهلاكي والذي أصبح وفق المصطلحات الطبية حالة تحتاج التدخل التنويري ومن كل منّا حسب طاقته للوقوف في وجه التردي المتسارع في بنى الوعي والسلوك الاجتماعي ، وإلاّ فإنّه يمثل نذير شؤم على دخول المجتمع إلى دوامة الموت السريري وتحوله من مجتمع إلى تجمع من البشر فقط ، فاقداً بذلك صفة المجتمع كشبكة روحية إنسانية ـ اجتماعية اقتصادية توحد هؤلاء البشر وتجمعهم في بوتقة تدفق المصلحة الفردية من سلامة المجتمع وقدرته على العطاء .
السمات الجوهرية للوعي الاستهلاكي : سنحاول أولاً تلمس السمات الجوهرية والسياسية للوعي الاستهلاكي والتي تتمحور حول ثلاث مفاهيم نستطيع المرور عليها فيما يلي :
أولاً : النمطية الإسفنجية : والتي تتمثل في تحول الفرد الاجتماعي من المستوى الإنساني ( مادياً وروحياً واجتماعياً ) إلى مستوى الكائن البيولوجي ( وفق نموذج القطيع البشري ) والذي تحكمه نزعة سلوكية عمياء لتقليد أولئك الآخرين الذين يستهلكون أكثر ، واعتبار التقارب في درجة الاستهلاك معهم مدخلاً للتماهي بهم ، ضمن إحساس ضمني بالقزامة تجاههم ، والانصياع العبودي لما يدعى ( الموضة ) ، دون النظر بأي تدقيق نحو الأهمية الوظيفية لهذا النمط من الاستهلاك أو ذاك ، وبالتالي يكون سلوك النمطية الإسفنجية محكوماً بتفكير أحادي النظرة ( نمطي ) والذي يتقن فقط العمل باتجاه واحد يسير من تحويل المدخرات المادية إلى سلع استهلاكية قد لا تكون ضرورية للبقاء ضمن حد الكرامة الإنسانية وصيانتها .
ثانياً : القشورية السطحية : والتي تتمحور حول أنّ الوعي الاستهلاكي يركز في المقام الأول على جملة المواضيع الهامشية السطحية التي لا تمتلك أي أهمية تذكر في التأسيس لتطور الإنسان معرفياً وروحياً وتعزيز شعوره بتحقق ذاته قيمياً وأخلاقياً وإنسانياً ، وإنّما تبقى في حيز الحاجات المؤقتة السطحية ، والتي لا تمتلك أي قدرة على الصمود في وجه الزمن ، والتي تتميز أولاً بكونها غير إنتاجية ، فتكون السلعة الاستهلاكية تارة ( سيارة ) وتارة أخرى ( كساء على الموضة هذه أو تلك ) ، وأحياناً كثيرة ( هاتفاً نقالاً ) أو نموذجاً للاستهلاك على طريقة الرفاهية الأمريكية المعولمة والتي تستند إلى إطعام البطون وتنويم العقول ، حيث تصل مطاعم الوجبات السريعة منة خلال هذه القشورية السطحية إلى درجة التخمة ، بينما تعاني دور السينما وعروض المسرح الراقي والأماسي الموسيقية ، وقاعات المحاضرات في المراكز الثقافية من خريف مطبق مقفر .
ثالثاً : النكوصية الانتهازية على مستوى التفكير والسلوك : والتي تتمثل بتسييد قيم النفعية الوصولية القصيرة النظر والصبر والباحثة عن أيسر السبل ( والتي قد تكون أقلها استقامة ) لصالح الوصول إلى تلبية الهدف الاستهلاكي الذي يمثل في شكله الأول المنعكس في الوعي كسلعة يجب الوصول إليها بأي وسيلة كانت وضمن منهج قد يصل في بعض الحالات إلى الذرائعية التي تبرر الوسيلة بالهدف ، وبحيث تصبح البهلوانية والشطارة تختبئ تحته كل الطرق الملتوية المحمومة لتأمين تلك الحاجات الاستهلاكية .
|
