الوجه الآخر للأغذية المعدلة وراثياً

 

لقد مثلت الهندسة الوراثية واحدة من أكثر المستجدات العلمية التي هبت على الحياة العلمية واليومية في وقتنا الراهن، ولكن بطريقة أكثر تميزاً من غيرها إلى حد كبير، وتمثل ذلك بانطلاقتها السريعة -وغير المرشدة في غالب الأحيان-  في عملية النقل بين البحث العلمي كحقل معرفي يسعى للبحث عن الحقيقة العملية وبين نتائج البحث العلمي التي تحتاج إلى النظر مطولاً وإلى الأمد البعيد آخذة مصلحة المجتمع الصحية والاجتماعية في المقام الأول قبل السماح لهذه النتائج بأن تأخذ طريقها إلى الحياة الاجتماعية اليومية.

وتمثل الأغذية المعدلة وراثياً واحدة من أكثر النتائج اليومية لأبحاث الهندسة الوراثية التي تمولها الشركات الكبرى زاعمة أن هذه الأغذية ستمثل المدخل العلمي لحل مشاكل الغذاء في العالم  الحديث لتطعم الفقراء جميعهم على اختلاف جنسياتهم، لتقضي بذلك على مشكلة عدم التوازن المرعب بين واقع التغذية في العديد من البلدان المفقرة –أو التي  تسمى بالنامية - وبين ذلك المستوى الذي تنعم به الدول الصناعية.

وكحقيقة أولية يمكن النظر إلى الواقع العام الذي تجري خلاله أبحاث الهندسة الوراثية الغذائية من خلال الإشارة إلى المعطيات الواقعية التالية:

1-إن أبحاث الهندسة الوراثية الغذائية وتطبيقاتها العملية، محكومة عموماً بسيطرة مجموعة من الشركات الاحتكارية الكبرى وعلى رأسها شركة مونسانتو الأمريكية- المتعدية الجنسيات، والتي كانت المتهم الأول في زيادة معدلات الهرمونات الجنسية ومشتقاتها في أجسام مستهلكي منتجاتها الغذائية والذي كان له الكثير من العواقب الوخيمة على أولئك المستهلكين، والذي أثارت أزمتهم بلبلة في نظام الرقابة الصحية في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا في خريف عام 1999، والذي انتهى كالعادة لصالح الشركات وليس المستهلكين.

2-لقد أخذت الهندسة الوراثية الغذائية طريقها إلى التطبيق العملي في الواقع الاقتصادي العالمي دون استشارة أو موافقة الشعوب أو حتى الحكومات في تلك الدول التي تزعم أن الديموقراطية وحقوق الإنسان رايتها الأولى، ويتضح ذلك من كون المحاصيل المعدلة وراثياً أصبحت تشكل موضوعاً للرفض الشعبي الشديد في وسط أوربا، ولكن بعد أن أصبح الكثير من المحاصيل على طول العالم وعرضه معدلة وراثياً وبشكل سابق على إدخال ذلك الموضوع في إطار الحوار الاجتماعي للقبول به أو رفضه ومثال ذلك كون منتجات فول الصويا جميعها أصبحت معدلة وراثياً بنسبة تقارب 95% من مجموع الإنتاج العالمي وينسحب هذا الأمر وبشكل تدريجي أ ومتسارع في بعض الأحيان على محاصيل القطن، البطاطا والبندورة.

توضيح علمي:
ينبغي التوضيح الأولي لماهية الفعل الذي تقوم به الهندسة الوراثية لتغير الصفات التي تتواجد بهذا النبات أو ذاك، وأولاً يجب الإشارة إلى أن الهندسة الوراثية وللوهلة الأولى تبدو قريبة من ناحية الهدف فقط من عمليات الاصطفاء التجريبي الذي يتم في المخابر أو في الطبيعة من خلال مزاوجة مجموعة من السلاسل النباتية المتباينة في بعض الصفات من أجل الحصول على جيل جديد يمتلك صفات أكثر تميزاً من ناحية الإنتاجية أو المقاومة للأمراض والظروف البيئية. وتمثل هذه الطريقة الأخيرة نموذجاً لإعادة استعمال وتطوير تقنيات التاريخ الطبيعي على الأرض في عملية تطور الأحياء والذي استخدمه بشكل فاعل غالبية الشعوب من أجل الحصول على سلالات حيوانية أو نباتية متميزة، وقد كان العرب من أكثر الأمم تقدماً في هذا الميدان وخاصة فيما يتعلق بتهجين سلالات الأحصنة والقمح في بادية سورية والعراق.

أما  الهندسة الوراثية النباتية فهي تقف على النقيض من جوهر آلية الاصطفاء الطبيعي إذ تعمد إلى إدماج نموذج مورثي جديد في الحمض النووي داخل نواة الخلية النباتية أي أنها تضيف أو تحذف مورثة من داخل الجينات الموجودة سابقاً في الخلية، لتمنح هذه الخلية صفات جديدة من خلال تغيير شيفرة  الأوامر التي يمثلها الحمض النووي في النواة والذي يقود عملية النشاط الخلوي لبناء الخلايا الجديدة التي تشكل في نهاية الأمر النسج المختلفة المكونة من تلك الخلايا وتشكل بمجموعها الكائن النباتي.

إن هذه المورثات الجديدة يمكن أن تكون مأخوذة من حشرة أو سمكة أو حتى الإنسان وتوضع ضمن الخريطة المورثية للنبات الذي يراد له أن يعدل وراثياً بحيث تصبح هذه المورثات دليلاً جديداًَ لإنتاج مجموعة من المواد الغذائية الحاوية على بروتينات وشحوم وسكريات لم تكن موجودة سابقاً في بنية هذا النبات والتي ستأخذ طريقها بالتالي إلى جسم الإنسان من خلال تناوله لهذا النبات كغذاء له.

ومن ناحية أخرى يجدر الإشارة إلى حقيقة علمية مهمة تتمثل في عدم قدرة أي من المتنطعين للدفاع عن أهمية الأغذية المعدلة وراثياً، على الجزم بأن هذا التعديل يمكن أن يبقى محدوداً فقط بهذه الصفة المرغوبة، ولكن الحقيقة هي أن هذه المورثة المعدلة يمكن أن تكون مسؤولة عن العديد من الصفات الجديدة، والتي قد تحتاج إلى فترة طويلة من الزمن وأجيالاً عديدة لتعبر عن نفسها ظاهرياً، وهنا يكمن بيت القصيد المتمثل بإمكانية خلق نماذج نباتية جديدة تنتج صفاتٍ غير مرغوبة أو حتى خطيرة ولكنها لن تظهر إلا بعد أن تصبح النموذج المسيطر والأشيع لهذا النبات في محيطه الحيوي والذي حل محل سابقه غير المعدل وراثياً (الطبيعي)، ويمثل هذا الموضوع جوهر الحقيقة المرّة الكامنة وراء الأغذية المعدلة وراثياً التي قد تهدد الأمن الغذائي البشري والنظام الحيوي الطبيعي الضامن الأهم لصحة الإنسان إذ أن هذه المحاصيل المستحدثة  بالتعديل الوراثي لم تخضع لأي دراسة كافية من الناحية الزمنية لتقصي آثارها المستقبلية على صحة الإنسان على المدى البعيد وليس القريب الآني فقط .

أهداف اقتصادية بلبوس علمي:

يتقدم المتنطعون للدفاع عن الأغذية المعدلة وراثياً العديد من الحجج مقدمين من خلالها مجموعة من الأطروحات النظرية والرؤى والفرضيات التي تقوم على أن الأغذية المعدلة وراثياً تمثل المدخل الوحيد لإطعام العالم الجائع، وإذا قبلنا فرضاً التسليم بصحة هذه الأطروحات فإنها يجب أن تنسجم مع المحاور التالية والتي تمثل جوهر الإمكانية لتقديم محصول ذي إنتاجية عالية وبتكلفة قليلة تكون في متناول الجائعين:

1-القابلية العالية للنمو في بيئات متباينة ابتداءً من النموذج الاعتيادي لهذا المحصول وصولاً إلى الأوساط غير الاعتيادية المغايرة من ناحية التربة أو المناخ.

2-تمتع النبات بصفات إنتاجية عالية تؤمن محصولاً وافراً من الناحيتين الكمية والنوعية ودون الحاجة إلى زيادة كمية المواد الكيميائية المضافة له في طور النمو أو استخدام المخصبات الزراعية الإضافية.

3-يجب أن يتمتع هذا النوع النباتي بقدرة النمو في المساحات والمشاريع الزراعية الصغيرة وليس فقط في شروط الإمكانيات التي تخدم المشاريع والمساحات الكبرى.

4-ويمثل العنصر الأكثر أهمية وحسماً، وهو أن تكون البذور رخيصة الثمن ومتوافرة بشكل شبه مجاني للفلاحين الفقراء في الدول النامية، ودون الحاجة إلى طلب البذور سنوياً من الشركات الاحتكارية الكبرى  المنتجة لها ووفق الأسعار التي تحددها.

5-يجب أن يكون الهدف الأساسي لهذه المحاصيل هو إطعام البشر ثم الحيوانات وليس العكس.


ولكن عقب محاكمة بسيطة تستند إلى تحليل أولي لواقع المحاصيل المعدلة وراثياً، فإننا نستطيع تلمس التفارق شبه المطلق بين واقع تطبيقات الهندسة الوراثية الغذائية والشروط السابقة، حيث يمكن أن نشير إلى البذور المعدلة وراثياً تحتاج في غالب الأحيان إلى نماذج عالية الجودة من التربة ولا تستطيع العيش في نماذج التربة العادية، بالإضافة إلى أنها تحتاج إلى كميات كبيرة من الكميائيات قد تصل إلى عدة أضعاف ما تتطلبه المحاصيل غير المعدلة وراثياً.

بالإضافة إلى أن نتائج الأبحاث المستقلة تشير إلى أن كمية الإنتاج منسوبة إلى المساحة في حالة المحاصيل المعدلة وراثيا تقل عن نظائرها في المحاصيل الطبيعية بمقدار 10% من نفس الصنف النباتي، وحقيقة تحتاج هذه النقطة إلى توقف مدقق عندها إذ أنها تمثل مفتاحاً ينسف كل الأساس الادعائي الذي استندت إليه شركات الهندسة الوراثية في دعايتها إلى أنها تسعى لسد حاجات العالم الجائع بوفرة إنتاجها.

ولا ننسى أيضاً أن نشير إلى أن غالبية المحاصيل المعدلة وراثياً تتناول تعديل صفات النباتات بحيث تصبح أكثر فعالية في تغذية الحيوانات من أجل تسمينها للحومها وليس لتصبح أكثر فائدة للإنسان وتلبية لاحتياجاته الغذائية التي قد لا تتوافق مع احتياجات الحيوانات.

ويجدر الآن الإشارة إلى نقطة شديدة الأهمية وتتمثل في الجوهر الحقيقي الكامن وراء الزعم الفاشل لدعاة الزراعة المعدلة وراثياً ويتمثل ذلك بنقطتين فرعيتين: الأولى وتتمثل في أن معدل الإنتاج العالمي للغذاء لا يشكو في الدرجة الأولى من النقص وإنما يشكو في المقام الأول من سوء العدالة والظلم في توزيعه ومن الإجحاف في وضع المعادل السعري للمنتجات الزراعية التي تباع كمواد أولية بأرخص وأبخس الأثمان للدول الصناعية التي تبيع منتجاتها الاستهلاكية والصناعية   المعتمدة على تلك المواد الزراعية الأولية إلى الدول  النامية التي تمثل المصدر الأكبر للمنتجات الزراعية غير المصنعة  ، و بأسعار خيالية تحتاج إلى كميات كبيرة جداً من المواد الأولية لتأمين سعرها الباهظ، ونذكر على ذلك المثال الاقتصادي الشائع المتمثل في أن الفلاحين في المكسيك يحتاجون لبيع أربعة أطنان من الكاكاو الخام للتمكن من شراء دراجة هوائية واحدة من المصنع المكسيكي ذي رأس المال الأمريكي.

والنقطة الثانية: وهي تمثل جوهر الهدف الاقتصادي من الأغذية المعدلة وراثياً والمتمثل في أن الهدف الحقيقي للشركات التي تنتج البذور المعدلة وراثياً يكمن في أنها ستعود وتحتكر صناعة المبيدات الحشرية والطفيلية الجديدة الملائمة لهذه المحاصيل المعدلة وراثياً.

وتعمد هذه الشركات وعلى رأسها شركة مونسانتو الأمريكية- المتعددة الجنسيات على إيهام المزارع بتخفيض كلفة الإنتاج من خلال إنقاصها لسعر الكيلو غرام الواحد من المبيدات الحشرية مقارنة بسعر النوع اللازم في الزراعات الطبيعية، ولكنها بالمقابل تتركه لوحده ليواجه الحقيقة المفجعة والعارية بأنه سيحتاج إلى كمية أكبر من المبيدات الحشرية والطفيلية ستصل إلى ثلاثة أضعاف ما اعتاد استعماله في الزراعات الطبيعية غير ا لمعدلة وراثياً وبالتأكيد فإن الدافع الأساسي لهذا الفرق سيكون الفلاح الفقير والمستهلك وليس الشركات الاحتكارية بالتأكيد، هذا بالإضافة إلى التأثير غير المحمود والذي قد يصبح خطيراً من جرّاء زيادة تركيز المضافات الكيماوية على صحة المستهلك وهذا يتوضح من خلال الازدياد البين في نسبة وقوع سرطان الكلية والسبيل البولي وبشكل عالمي.

واستجابة للنفوذ الواسع الذي تملكه الشركات الاحتكارية الكبرى على مراكز صنع القرار العالمي فإننا نستطيع أن نلاحظ كيف استجابت وكالة حماية المحيط الحيوي الأمريكية إلى طلب شركة مونسانتو لزيادة الحد المسموح به لاستعمال المواد الكيميائية في الزراعة إلى ثلاثة أضعاف ما كان مسموحاً به سابقاً، وهذا بالتأكيد سيقود إلى أن تطور الحشرات والطفيليات- التي تلاءمت مع مستويات معينة من المبيدات الحشرية وتوازنت معها حيوياً – مقاومة تجاه الكميات الأعلى من المبيدات الحشرية والطفيلية وبحيث تصبح قادرة على اجتياح الزراعات التقليدية التي تستعمل كميات أقل من المبيدات وبالتالي سيحتاج الفلاح إلى كميات أكبر من المبيدات التقليدية والتي هي أغلى سعراً كما أشرنا سابقاً، وبالتالي سيخسر ضمن قوانين السوق العمياء، وهذا ما سيقوده في النهاية إلى الرضوخ إلى المحاصيل المعدلة وراثياً وإلى استغلال الشركات الاحتكارية.

الغزو المورثي:
ولا بد لنا أخيراً من المرور على الفصل الأكثر خطورة في مؤامرة الأغذية المعدلة وراثياً، والمتمثل في تحكم الشركات الاحتكارية ومن خلال الاستخدام الوحشي للحقائق العلمية من التحكم بمصير الإنتاج الزراعي العالمي، والمتمثل بحقيقة الغزو المورثي الذي يشير إلى أن الجينات المعدلة وراثياً تستطيع أن تغزو المناطق الزراعية المجاورة والتي لا تستخدم الزراعات المعدلة وراثياً وهذا ما يدعى بظاهرة الغزو المورثي وذلك خلال عملية الإلقاح الطبيعي الذي يحدث من خلال الهواء أو الحشرات بين النباتات من نفس الصنف الحيوي، وبما أن الشركات الاحتكارية تعمد إلى تعديل المورثات بحيث تكون ذات صفات قاهرة أي أن الجيل الناجم عن تلاقح محصول معدل وراثياً وآخر غير معدل وراثياً سينتج عنه فقط محصول معدل وراثياً في معظم الحالات.

وحدا ذلك بعض العلماء من أن يحذروا من أنها فقط مسألة وقت حتى تجتاح المحاصيل المعدلة وراثياً كافة المزارع في أرض المعمورة، والحقيقة المفجعة تتمثل في أن تلك العملية قد بدأت، وتشير آخر الأبحاث إلى أن انتشار المحاصيل المعدلة وراثياً فاق إلى درجة هائلة ما كان متوقعاً حولها، وحقيقة يقتضي ذلك منا جميعاً وقفة مدققة تضع نصب أعينها رسم توجه عملي جديد وتحرك فعلي وفاعل من أجل الوقوف اجتماعياً وعلمياً بوجه أولئك المفسدين لجوهر الحياة الطبيعي والمهددين لاستمرار البشرية وسلامة المجتمعات والأفراد صحياً واقتصادياً.


ـــــــــــــــــــــــــــــ

* د . مصعب عزاوي
طبيب اختصاصي بعلم الأمراض والدراسات الوراثية والمناعية ( لندن )
أستاذ مشارك في العلوم الصحية ( بريطانيا )
مدير المركز الاستشاري للعلوم التكنولوجيا ( دمشق )