كيف تحافظ على ذاكرتك
تعتبر الذاكرة من أهم المكونات الإبداعية الضرورية عند الإنسان لاستيعاب العالم المحيط به وبناء تصور واضح عن ماهيته وعن كيفية التعامل معه من خلال تسجيل وحفظ نتائج التجارب السابقة التي مّر بها الفرد خلال الفترة السابقة من حياته ، موضحة خلاصة تلك التجارب عندما تحفظ وتسجل لتكون لبنة أولية ضرورية للتعامل مع نفس الظروف في المستقبل بشكل أكثر فعالية ونجاحاً. وإن الذاكرة في أكثر الرؤى العلمية تدقيقاً ينظر إليها على أنها بنية عضوية تتواجد كنتيجة لنشاط الخلايا الموجودة في الجهاز العصبي الدماغي ، وتكون مسؤولة عن تسجيل المعارف والخبرات وتوفيرها بشكل ملائم لتخضع لتحليل الضروري لهذه المهمة الفكرية وتكون بذلك واحدة من أهم المعطيات الأولية التي يبني عليها الفرد نتائج تفكيره وقراراته . والنقطة التي سنحاول التركيز عليها في هذا المقال هي النظر إلى الذاكرة بشكل يقارب التوجه العلمي الحديث تجاهها ، والتي ينظر إليها على أنها مركب عضوي يتشكل نتيجة نشاط خلايا متخصصة في الجسم ، فيكون بذلك مثله مثل أي نشاط آخر في الجسم ، كالنشاط العضلي مثلاً ، يحتاج للتدريب للحفاظ على قدرته على العطاء والإبداع ، ويحتاج لطرائق معينة للحفاظ على حيويته وحمايته من الضمور ووقايته من الأمراض ، مع اختلاف الطرائق الملائمة لكل نشاط بعينه .
الذاكرة تبدأ بالضعف في العشرينات : تشير إحدى أهم الدراسات الحديثة المنشورة في مجلة علوم الأعصاب الدولية في عددها الأخير ، إلى وجود مستوى كبير من تردي الذاكرة يتناول الشباب ويبدأ بالظهور خلال فترة منتصف العشرينات من عمر الإنسان ، وخاصة عند أولئك الذين يتركون التعلم والنشاط الدراسي وينصرفون إلى الأعمال الاعتيادية ( الروتينية ) المحضة .
الحفاظ على الذاكرة : حقيقة يمكن الإشارة إلى مستويات ثلاثة من الإجراءات الوقائية والتدريبية التي تستطيع من خلال تكاملها مع بعضها البعض الوصول إلى درجة متميزة من الحفاظ على الذاكرة وقدرتها الحيوية الإبداعية ، وسنحاول المرور عليها فيما يلي :
أولاً : الرياضة والذاكرة : ونشير هنا إلى الأهمية العظيمة للتمارين التنفسية العميقة التي تسهم وإلى حد كبير في زيادة كمية الأوكسجين الواصل إلى النسيج العصبي الدماغي وتحسن بالتالي من حيوية الخلايا الدماغية من خلال تأمين حاجاتها الضرورية من الأوكسجين دون وضعها في حالة وجوب العمل ضمن وارد قليل من الأوكسجين والذي يشكل حالة تكاد تكون الأشيع عند أولئك الذين يتنفسون بشكل خاطئ دون أن يلحظوا ذلك وخاصة أولئك المدخنين بحيث يكون تنفسهم سطحياً ويمتد فقط لفترة قصيرة من الزمن وخاصة في الشهيق ، ويزيد الأمر سوءاً العيش في المناطق الحضرية التي تعاني في غالب الأحيان من سويات عالية من التلوث الهوائي الذي يعيق فعالية التبادل عبر أغشية الأسناخ الرئوية لما يسببه من التهاب مزمن خفيف الدرجة في الطرق التنفسية ، والذي تستطيع تلك التمارين التنفسية العميقة التخفيف من ضرره إلى حد كبير ، بالإضافة إلى أنها تزيد من تدريب وقـدرة عضلة الحجاب الحاجز ، مما يقود بالنتيجة إلى سوية أعمق من التنفس ودرجة أفضل في الحصول على الأوكسجين بكمية أكثر وفراً وأكثر ملائمة لخلايا الجسم عموماً .
ثانياً : التغذية والذاكرة : يمكن الإشارة بكثير من الاقتناع العلمي إلى أن نموذج التغذية التي يتبعها الشخص تسهم وإلى حد كبير في سوية الأداء الذي تستطيع ذاكرته القيام به ، وبالتالي إن تحسين وضبط نموذج التغذية لدى الشخص المهتم بصمته عموماً وبذاكرته خصوصاً يمكن أن يساعد في الوقاية من تردي الذاكرة الذي أشرنا إليه سابقاً ؛ وفيما يلي نشير إلى بعض أهم المحاور التي يجب الانتباه إليها عند التعامل مع هذا الموضوع : إن وجبة الإفطار الصباحي تعتبر علمياً الوجبة الغذائية الأهم التي تستطيع مد الجسم بدرجة متوازنة بحاجاته من العناصر التغذوية خلال فترة العمل النهاري ، وإن عادة عدم الإفطار الصباحي تقود الخلايا الدماغية للمعاناة من أزمة نقص الوارد من السكريات وبالتالي يجعلها مضطرة للعمل ضمن شروط فرط النشاط الخلوي من أجل زيادة فعاليتها في إنتاج أقنية نقل السكر على سطح هذه الخلية من أجل تمكنها من أخذ كمية أكبر السكريات التي قل تركيزها في مجرى الدوران الدموي ، حيث أن السكريات هذه تمثل وحدة الطاقة الأساسية الضرورية للنشاط الدماغي والتي تتوفر في كافة المواد الغذائية ذات الطبيعة النشوية التي تعتبر أكثر إفادة من السكر الصرف في تغذية الخلايا ، وإن وضع الخلايا الدماغية في حال فرط النشاط المذكورة دون تقديم حاجاتها بشكل معتدل ومتوازن ومتلائم من الناحية الزمنية وخاصة خلال فترة العمل النهاري سيقودها إلى الوقوع في دائرة الإجهاد وبالتالي تدني قدراتها الأدائية .
ثالثاً : تمرين الذاكرة : ويعتبر المدخل المكمل والضروري بالنسبة للمحورين السابقين أي الرياضة والتغذية ، ويتضح عملياً دور تمرين الذاكـرة في الحفاظ عليها من ملاحظتنا لأولئك الشيوخ الذين يستمرون في عمليـة التعلم واكتساب المعارف ، ويتمكنون بشكل مذهل من الحفاظ على سوية متميزة من أداء الذاكرة لديهم ، ويكمن التفسير العلمي لهذه الظاهرة بكون عملية التدريب المستمر للذاكرة تقود الخلايا الدماغية للبقاء نشيطة في حالة العمل ويشترط عليها أن تعمل وبجد لإنتاج البروتينات المسؤولة عن تخزين الذاكرة من خلال مراكمتها في شقوق النقل بين الخلايا العصبية فتصبح هذه الخلايا نشيطة ومتدربة وتتحمل جهوداً عالية دون أن يصيبها الإعياء مثلها مثل خلايا الجهاز العضلي لدى أولئك الذين يمارسون الرياضة ويكونون أكثر نشاطاً من أقرانهم غير المتدربين ، نتيجة تعود خلاياهم على النشاط الرياضي . ويمثل الابتعاد عن الحياة النمطية ( الروتينية ) السكونية التي تميل إلى أن تصبح حياة منفعلة مسيرة بالمطلق هدفها الأكل والشراب وما شابههما ، المدخل الأوسع للدخول في دائرة تردي الذاكرة ، حيث يصاب الدماغ عموماً بالخمول ويصبح أكثر عرضة للإصابة بكل أشكال التنكس الخلوي ، ولذا يجب السعي للابتعاد بشكل مطلق عن السكونية وعدم الاكتراث واللامبالاة ، لصالح الحيوية والقتال المستمر لإثبات الذات ، في وجه الصعاب التي تكاثرت في الزمن الذي نعايشه حالياً ، ولكنها لا يمكن أن تقودنا إلى التهالك والانهيار . وإن محاربة القلق ومختلف الظواهر الاكتئابية المبسطة التي يعاني منها الكثير من الأخوة والأصدقاء من خلال الاقتناع بأن دورية الزمن تقع دائماً بين مد وجزر وحتى لو كنا في الجزر فهذا يستدعي منا المشي قدماً مستخدمين كل العقلانية والدأب للوصول إلى البحر والانطلاق في مسيرة العمل الفاعل ، إذ أن زمننا الحالي أصبح شديد التعقيد ، وليس من السهل مغالبته بالركون إلى الاستكانة إلى شروطه وإنما يجب السعي وباستنارة عقلانية ، ناظرين إلى المدى البعيد ، إلى كل إمكانيات التغيير و إعادة البناء ومقتنعين أن القلق والاكتئاب لا يقودا إلا إلى الطريق الهامشي في هذه الحياة ولا يمكن أن ينتجا غير العقم الفكري ، والذي يشكل الآفة الكبرى التي تعرض ذاكرتنا للتردي والتنكس ، فلذلك ينبغي علينا التحلي بكل ما يمكن أن يدمج العقل في العمل من أجل الخير للفرد ذاته ولمجتمعه المحيط به .
وأخيراً ، نقول أن تضافر المداخل الثلاثة والعمل بها معاً هو الكفيل الوحيد بالحفاظ على الذاكرة التي من دونها يصب الاستمرار في عملية التواصل البناء مع الذات ومع الآخرين ، من أجل تحقيق الذات الفاعلة الصحيحة القادرة دائماً على الإبداع والعطاء على المستويين الشخصي والاجتماعي .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
|
