الموقع الشخصي للدكتور مصعب عزَّاوي

أولاً: حقائق عامة:

يعتبر سرطان الجلد النموذج الأكثر شيوعاً للسرطانات في أمريكا الشمالية، وهو يحتل المرتبة الثانية في انتشاره عالياً وفق آخر الإحصائيات، مترافقاً ذلك مع معدل ازدياد في وقوعه تفوق أكثراً تلك المعدلات المتعلقة بنماذج أخرى من السرطانات، هذا من ناحية، أما من ناحية علاقته بالوطن العربي فتشير آخر الأبحاث إلى ازدياد انتشاره في عدة دول عربية وعلى رأسها مصر.

 

بالإضافة لما سبق يجب أن نطرح قضية مزدوجة المظهر ومحورية الأهمية:

1-إن سرطان الجلد يمثل نوعاً من السرطانات القابلة للشفاء، وبنتائج مبهرة جداً في حال الكشف المبكر عنه، وقد تصل معدلات الحياة عند أولئك الذين عولجوا من سرطان جلد في مراحله الأولى أي من خلال الكشف المبكر عنه والتداخل العلاجي في وقت لم يتفاقم به السرطان وينتشر، إلى معدل يماثل ذلك الذين يصله أولئك الذين لم يصابوا بسرطان جلد أو غيره، وهذا ينطبق بشكل دقيق على نموذجين من سرطان الجلد هما: السرطان الوسغي،  والسرطان قاعدي الخلايا، كما سنوضح ذلك لاحقاً.

2-إن الكشف المبكر عن سرطان الجلد. كما سنوضح لاحقاً. إجراء بسيط وغير مكلف، ولكن للأسف الشديد فهو كإجراء وقائي قد يكون الأبعد عن الممارسة الحياتية للفرد العادي، والأقل تركيزاً عليه في الأدبيات الثقيفية حول مرض السرطان وخاصة في الوطن العربي، هذا إن وجدت هذه الأخيرة.

 

ثانياً: أنواع سرطان الجلد:

1.السرطان قاعدي الخلايا: يمثل النموذج الأشيع لسرطان الجلد، ويمكن أن يصيب جميع الفتيات العمرية على اختلاف حيثياتها الأخرى الاجتماعية الاقتصادية، ولكن هناك مقدرات أكبر للإصابة عند أولئك الأكبر من 40 سنة، وهناك صفة مميزة لهذا السرطان بأنه شديد الارتباط في حدوثه بأشعة الشمس، حيث أنه يصيب المناطق التي تتعرض بشكل متكرر لأشعة الشمس المباشرة وبشكل ذي طابع متكرر ومزمن.

ويتميز هذا النوع من السرطانات بأنه بطيء النمو الورمي، وأن النقائل تحدث فيه بعد وقت طويل نسبياً، وهذا يحيلنا إلى الملحوظة المشار إليها أعلاه عن الكشف المبكر عنه وإمكانية النتائج العلاجية المبهرة.

2.السرطان الوسغي: ويمثل النموذج الثاني في درجة الشيوع، حيث أنه والنموذج السابق يمثلان 98% من حالات سرطان الجلد، وهو أيضاً يصيب المناطق المتعرضة لأشعة الشمس بشكل متكرر ومزمن ولفترات متقاربة من حيث التواتر، وهو غالباً يقع في الوجه أو الرأس أو اليدين، وهو يختلف عن النموذج السابق يكون معدل النمو الورمي فيه أعلى، وإمكانية إحداث نقائل أعلى، وعلى الرغم من ذلك تبقى مقولة الكشف المبكر والنتائج العلاجية المبهرة مقولة صحيحة في هذا النموذج حيث أنه في حال التداخل العلاجي الباكر فإننا قد نستطيع الوصول إلى نتائج علاجية قريبة من الشفاء التام.

3.الورم الصباغي الخبيث: ويمثل النموذج الثالث لسرطان الجلد، وهو النموذج الأقل شيوعاً 2% من مجموع سرطان الجلد، وهو النموذج الأكثر سوءاً بين سرطانات الجلد لكونه، وعلى عكس النموذجين السابقين، يتميز بسرعة نمو كبيرة وإمكانية إحداث نقائل مبكرة، وبالتالي هذا يضعنا مباشرة مع ضرورة وجود منهج واضح ومنتظم للمراقبة المستمرة من أجل الكشف والتحري الدوري الذي يتيح الفرصة للكشف الباكر عن أي نمو ورمي محتمل لسرطان جلد من هذا النوع.

من إحدى الملاحظات المهمة المرتبطة بهذا النموذج من السرطان، بأنه معدل حدوثه في منطقة حوض البحر المتوسط تتزايد بشكل مستمر، وهناك إحصائية حديثة تشير إلى أن واحداً من كل 200 شخص سيطور سرطان الجلد من نموذج الصباغي الخبيث، وتطبق هذه الإحصائية ونتائجها على أولئك الذين ولدوا عقب سنة 1990 .

 

ثالثاً: عوامل الخطورة المؤهبة لحدوث سرطان الجلد:

هناك مجموعة من العوامل المتفاعلة فيما بينها، والتي تؤدي في حال وجودها مسبقاً عند الشخص ما، إلى ازدياد الاستعداد البنيوي لديه لتطوير سرطان جلد ونذكر هنا العوامل الأكثر أهمية، والتي استطاعت الدراسات الإحصائية والبحوث العلمية إثبات هذه العلاقة بين العوامل المؤهبة وازدياد وقوع سرطان الجلد:

1.وجود قصة عائلية للإصابة بسرطان جلد، وخاصة في حال إصابة أحد الأبوين أو الأخوة.

2.ذوي البشرة البيضاء والشعر الأشقر، وأولئك المصابين بداء النصوع (البرص) يمثلون فئة معرضة بشدة للإصابة بسرطان الجلد، لكونها لا تستطيع إنتاج صباغ الميلانين الذي يعطي للجلد لونه والذي يعد حاجز الوقاية الأولية من أشعة الشمس القادرة على إحداث أثر مسرطن على خلايا الجلد في حال غياب هذا الحاجز الدفاعي.

3.حروق شمس لأكثر من ثلاث مرات منذ فترة تزيد عن عشرين سنة مضت وخاصة في حال حدوثها في سني المراهقة الأولى.

4.قصة العمل عارياً وبوسط مكشوف للشمس لأكثر من ثلاث سنوات خلال فترة المراهقة.

5.وجود نمش على أعلى الظهر وبكثافة كبيرة.

6.وجود توسغات من مصدر تعرض مزمن للأشعة السينية المستخدمة في أقسام التصوير الشعاعي مثلاً وهذا يلاحظ بكثرة عند أطباء وفنيي الأشعة وأطباء الأسنان وهي تظهر بشكل قشور جافة على بشرة تميل إلى اللون الأصفر وهذا ناجم عن تأثير الأشعة على القدرة الحيوية للجلد على النمو وعلى تجديد نفسه.

7.وجود وصمات أو شامات في أماكن احتكاك وتخريش مستمر وهذه تلاحظ بشكل شاسع عند الرجال في منطقة الذقن التي تتعرض يومياً في حال وجود شامات في هذه المنطقة إلى تخريش من خلال حلاقة الذقن وهذا يجب أن يكون واضحاً في ذهننا في كل مرة نتعامل فيها مع هذه العادة اليومية؛ بالإضافة إلى تلك الشامات التي تتعرض للتخريش والاحتكاك المستمر في أماكن الضغط في الجسم كمنطقة الحزام الذي يوضع على الخصر وحالات الثديين عن النساء.

8.استعمال الكريمات التزويقية وبشكل مفرط على المناطق المعرضة للشمس، وخاصة تلك النماذج من الكريمات والمستحضرات الحاوية على مشتقات نفطية ذات طبيعة زيتية، والتي تحدث أثراً يزيد من الفعل المسرطن الذي تستطيع إحداثه الأشعة فوق البنفسجية الموجودة في طيف أشعة الشمس العادية.

 

رابعاً: عناصر الشك الموجهة لاحتمال وجود سرطان جلد:

هناك مجموعة من المظاهر الشكلية والوظيفية لبعض الآفات تمثل تظاهرات أولية لسرطان جلد، وهذا يقتضي إبقاء هذه المظاهر حافرة في الذهن لكي نستطيع تفعيل قدرات الكشف المبكر والتحري عند كل منا:

1.أي آفة جلدية وخاصة تلك الإصطباغية، أي الملونة، وتكبر بسرعة من الناحية الحجمية أو يتغير شكلها بسرعة.

2.تبدل اللون أو تموج اللون داخل شامة موجودة سابقاً وخاصة تلك المعرضة للشمس أو الاحتكاك المباشر.

3.تبدل حجم أو قوام أو شكل أو أي نزف أو تقرح في شامة موجودة سابقاً.

4.تلك الآفات التي تظهر بشكل اصطباغ حديث العهد مترافق مع تقرح جلدي أي تهتك في بشرة الجلد ولم تلتئم خلال فترة أكثر من 21 يوماً وخاصة تلك التي لا تملك حدوداً واضحة للآفة أو غير منتظمة.

 

وهنا يجب الإشارة إلى معلومتين أساسيتين:

الأولى وهي وصف شكل وبنية الشامة الطبيعية:

الشامة الطبيعية السليمة هي غالباً مدورة أو بيضوية مع حواف حادة وغالباً قطرها أمل من 6 ملم بالإضافة إلى أنها قد تكون غير ملونة أو بنية أو سوداء ولكن سوية اللون ومتجانسة واحدة في كل مساحة الشامة مع حدود واضحة جداً عن النسيج المحيط بها

والثانية: هنا مجموعة من الصفات الإضافية يمكن أن تكون عاملاً رديفاً في تحليلنا لتطور آفة معينة نحو احتمال سرطاني وخاصة نحو الورم الصباغي الخبيث والذي يتميز بصفات خاصة مميزة له تضاف على عناصر الشك السابقة:

1.التبدل في اللون ضمن الآفة نفسها، إذ قد نلاحظ منظراً يشبه خريطة الجغرافية ضمن الآفة المشكوك بها، عبر تبدل اللون من عديم اللون إلى البني وصولاً إلى اللون الأسود.

2.عدم تناظر الآفة، أي أنها تأخذ شكلاً دائرياً ونما تميل لأن تأخذ الشكل النجمي أو محيطاً غير منتظماً وغير واضح المعالم على الشكل حدود خريطة الجغرافية.

3.غالباً يكون قطر الآفة التي تحتمل بوجود ورم صباغي خبيث أكبر من 6 ملم.

 

خامساً: التحري والكشف المبكر عن سرطان الجلد:

إن المراقبة المستمرة لكافة أنحاء الجسم بالمرأة عبر النظر إلى نواحي الجسد كافة مرة واحدة في الشهر على الأقل مع التركيز على المناطق المعرضة للشمس أو الاحتكاك المستمر والتخريش، وبالاستناد إلى المعايير السابقة وعناصر الشك نستطيع اعتبار هذه الوسيلة خياراً ناجماً وملائماً جداً وكفيلاً بإنقاص خطورة سرطان الجلد والوفيات الناجمة عنه إلى درجة كبيرة جداً. أما في حالة أولئك الذين لديهم عوامل خطورة من تلك المذكورة أعلاه، فيجب عليهم بالإضافة إلى الطبيب لإجراء تحري سنوي ومسح شامل لكافة أنحاء الجسم المعرضة لسرطان الجلد، وأشدد هنا على أولئك المصابين بداء النصوع بضرورة استشارة الطبيب كل ستة أشهر على الأقل وخاصة أولئك الذين يزيدون عن 40 سنة عمراً.

 

سادساً: نصائح وإجراءات وقائية ضرورية:

1.معرفة مظهر الشامة الطبيعي وتسجيل موقع وعدد الشامات الموجودة لدى الشخص الذي ينوي البدء بمنهج مراقبة دوري لنفسه، وخاصة بالنسبة لتلك الشامات الموجودة في مناطق التخريش والاحتكاك.

2.التعامل اللطيف مع الشامات وخاصة في مناطق حلاقة الذقن والابتعاد عن العنف غير الضروري في الحلاقة اليومية.

3.الابتعاد عن بقاء المشتقات النفطية عند المتعاملين بها عن الجلد لفترة طويلة وخاصة في تلك المناطق المعرضة للشمس، وأخص منها هنا الشحوم المزلقة المستخدمة في صيانة السيارات لقدرتها العالية على النفوذية عبر طبقات الجلد، ويجب المسارعة إلى غسيل الجلد في حال تماسه معها بأقرب فترة ممكنة مع ضرورة إبقاء الصابون لفترة تتجاوز الثلاث دقائق ويعتبر الصابون العادي أفضل من الناحية الصحية من سوائل الجلي والتنظيف، كما سنوضح لاحقاً في بحث سرطان الكلية. ويعتبر ارتداء قفازات واقية هو الإجراء الأفضل في حال الاضطرار إلى التعامل مع مثل هذه المشتقات النفطية.

4.غسيل الوجه والمناطق المعرضة للشمس مرتين يومياً مرة واحدة منها على الأقل بالماء والصابون مع ترك الصابون لمدة دقيقة واحدة على الأقل ويأخذ هذا الموضوع أهميته في المناطق الملوثة بيئياً في المدن الكبرى بدخان السيارات والملوثات الأخرى المعلقة في الهواء والتي تتدخل في الفراغات التي توجد في مسام الجلد وتنجبل مع المفرزات الموجودة على سطح الجلد، وتستطيع بذلك البدء بإحداث تأثيرها المخرش والذي يؤدي بالنتيجة إلى زيادة الأهبة لحدوث سرطان.

5.الابتعاد المطلق عن حمامات الشمس الساعية إلى إعطاء اللون البرونزي للجلد لما تنطوي عليه من خطر لا يتصور أن أحداً يرغب بالمواجهة معه وأعني هنا سرطان الجلد، والابتعاد عن استعمال المواد القاصرة المزيلة للون، مثل الماء والأكسجين لكونها تحمل تأثيراً مخرشاً للجلد قد يؤدي في النهاية إلى زيادة الأهبة لحدوث سرطان كما وضحنا آنفاً.

6.الابتعاد عن الكريمات التزويقية الحاوية على دهون وزيوت من طبيعة نفطية والأفضل الابتعاد عن جميع الكريمات التزويقية عموماً لكونها تعيق قدرة التبادل مع الوسط الخارجي بالنسبة للمسامات في الجلد وفعالية التفاعل الحيوي مع الوسط المحيط وبالتالي تنقص من حيوية ونضارة الجلد عموماً، ويعتبر الماء أفضل منظف طبيعي وملائم بالنسبة لتوازن البشرة وصحتها ومهما تكرر تنظيف الوجه بالماء فإنه يعتبر مفيداً وليس هناك أي ضرر منه.

7.استخدام واقي شمسي في حال الاضطرار للتعرض للشمس لفترة طويلة ويجب أن يحتوي على العامل ( 15) ليكون فاعلاً بشكل كامل، وفي حال عدم توافر الواقي  الشمسي يمكن استخدام أي زيت نباتي بكميات قليلة تضع على المناطق المتعرضة للشمس بحيث تشكل طبقة عاكسة للضوء تخفف من الأثر الضار له، ويعتبر زيت فول الصويا أفضلها ويليه زيت الزيتون.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

مصعب قاسم عزّاوي