الموقع الشخصي للدكتور مصعب عزَّاوي

أولاً : حقائق عامة :

تمثل هذه الاضطرابات مجموعة من الشكايات و الأعراض التي قد تتراوح ما بين المشاكل التي يمكن أن يعاني منها الطفل في فهم اللغة و الحديث الموجّه إليه أو للآخرين ، بالإضافة إلى مشاكل محتملة في اللغة التعبيرية عندما يريد الطفل التعبير عمّا يريد لغوياّ أو صعوبات في اللفظ لبعض الكلمات أو لبعض الحروف ، وصولاّ إلى التأتأة و قرائنها كالفأفأة و تقطع تدفق الكلام و عدم القدرة على الاسترسال في الحديث .

 و النقطة الأهم من الناحية الاجتماعية النفسية لمثل هذه الاضطرابات هو كونها تؤهّب لحدوث اضطرابات ثانوية في التواصل الاجتماعي مع الوسط المحيط منتجة سوء تكيف ملحوظ أو كامن مع هذا الوسط ، و ما يمكن أن يتركه ذلك من أثر كبير أو صغير على تطور الطفل من الناحية الأدائية الاجتماعية و بالتالي التكيفية و الدراسية ،و قد تكون هذه الشكاية ـ أي صعوبة التكيف مع الوسط المحيط اجتماعياً و دراسياً ـ العنصر الأهم الذي يقود إلى حالة القلق عند الأهل على وضع طفلهم النفسي .

و حقيقة تعتبر اضطرابات التواصل الجسدي النفسي اضطراباً شائعاً حيث يعاني منه تقريباً 5% من مجموع الأطفال في سن المدرسة و غالباً يظهر وسطياً بعمر 3ـ4 سنوات .

و يجدر بنا الإشارة إلى  التداخل العميق أن في مثل هذه الاضطرابات بين النفسي و بين العضوي (الجسدي ) حيث
أنّ أي شدّة نفسية يمكن أن تفاقم و بشكل كبير شكاية جسدية موجودة (كالتأتأة ) و أي تفاقم للشكاية الجسدية بسبب الإهمال مثلاً يؤدي إلى تفاقم نتائجها النفسية و بشكل كبير .

ومن النقاط الأكثر أهمية: هي أن الشفاء العفوي يحدث عند 50 % تقريباً من الحالات مع تقدم العمر فوق 24 سنة عموماً ، و في بقية الحالات يمكن أن يستمر معها المرض بشكل أو بآخر و بحدّة قد تتفاوت زيادة أو نقصاناً .

 

ثانياً : العوامل المؤهبة لاضطرابات التواصل الجسدي النفسي :

يمكن لنا المرور على الاسباب الجوهرية في تشكل هذا النوع من الاضطرابات و التي يجب النظر إليها بكثير من التدقيق لان كثيرا من جزئياتها قد تكون من المواضيع الاكثر خفاءً علينا :

1ـ هناك نموذج وراثي عائلي على شكل استعداد وراثي محمول على الصبغيات ، على شكل مورثات ( كامنة دون أن تستطيع التأثير ) ، ولكنها  يمكن لها أن تصبح ذات تأثير في حال التقائها مع مورثة ثانية مقهورة من نفس الطبيعة من الأب أوالأم – نتيجة للقربة الموجودة بينهما -  و هنا يأتي دور الاستشارة الوراثية و الابتعاد قدر الإمكان عن الزواج بين الأقارب بغض النظر عن طبيعة القربى رحماَ كانت أم دماً .

2ـ   سوء أداء وظائف الجهاز العصبي المركزي الناجم عن أذية عضوية طرأت على الجهاز المركزي أو المحيطي عند الطفل في المراحل الأولى لحياته أي إمّا خلال فترة الحمل أو خلال عملية الولادة أو ما بعد الولادة و الفترة الأولى لعمر الطفل .

3ـ الشدّة العاطفية المتكررة يمكن أن تكون السبب المؤهب و الشائع جداّ للتأتأة و هي جزء من متلازمات القلق المعروفة عند الأطفال و هنا يكون مفتاح العلاج لهذه الحالات ( كالتأتأة ، الحركات المتكررة اللاإرادية عند الطفل و خاصة رفيف الأجفان المتكرر) هو علاج العامل المقلق للطفل و هو أساساً إنقاص الشدّة النفسية التي يعاني منها .

4ـ الإهمال من الوسط المحيط و خاصة إهمال التواصل مع الطفل و تقديم حاجاته الملموسة و المعنوية و الذي يعتبر المدخل الأساسي لتأمين الاستقرار الجسدي و النفسي عند الطفل و يلاحظ ذلك في العوامل المأزومة من النواحي الاقتصادية و الاجتماعية أو في حالات الخلاف المستمر بين الأبوين و انشغالهما بذلك عن حاجات الطفل .

5ـ سوء التغذية و خاصة خلال السنتين الأوليتين من العمر عند الطفل و بالتدقيق فيما يتعلق بنقص الوارد من البروتينات و عوز الحديد الذين يمثلان عنصرين أساسيين في ابتناء وظيفة سليمة للتنسيق بين خلايا الدماغ و النسج العصبية المحيطية ، و يحدث هذا في حال العائلات المفقرة، و في حال الحصار الجائر على مجتمعات بأكملها كما يحدث في حالة الحصار الفاشي على العراق و الضفة الغربية و قطاع غزّة في فلسطين العربية و الذي بالتأكيد سيترك آثاره المستقبلية الخطيرة بإنشاء جيل لم يتح لقدراته الدماغية بأن تأخذ حقّها نتيجةّ لعوز البروتينات و عوز الحديد فتكون ضعيفة القدرة الابداعية ليس لأنّها كذلك حقيقة ، و إنّما لأنّها ضحية الفقر و الحصار.

6ـ اضطرابات وظائف التنسيق العصبي المركزي عند الأطفال المندفعين على الألعاب الإلكترونية ( الأتاري ، ألعاب الحاسوب ) وما يمكن أن ينتج عنها من متلازمات صرع الألعاب الإلكترونية عند الأطفال ، وذلك حيث أنّ هذه الألعاب تستدعي تركيزاً عالياً من قبل الطفل ولكن على مجموعة محددة من المهارات الذكائية وهي عموما ًوظائف التنسيق بين البصر والحركة العضلية دون أن تستدعي مهارات أخرى كاللغة و التفكير الإبداعي والحساب ، وينتج عن ذلك تفعيل شديد لبؤرة أو عدد محدد من البؤر في النسيج الدماغي مع عدم وجود تفعيل أو حتّى تخميد كامل للبؤر الأخرى المسؤولة عن المهارات الأخرى وهذا ـ أي التفعيل البؤري الشديد والتخميد المحبّط ـ هو الحالة المشابهة لما يحدث في نسيج الدماغ في حالات الصرع ،
أي أنّنا نصبح في حالة صرع كامنة تحتاج فقط إلى استعداد وراثي مبسّط أو عامل مفاقم آخر وقد يكون فقط ارتفاع حرارة عابر ليدخل الطفل في حالة تشبه حالة الطفل المصاب بداء الصرع ، وذلك لأنّ تلك البؤر المفعّلة بشدة تكتسب بعد فترة قدرة ذاتية على إنقاص الدرجة التي تحتاجها  لكي تتفعل وبعد فترة طويلة من الزمن تصبح شبه مفعلة بشكل دائم وهذا بالضبط حالة الصرع الكامن .

7ـ الإدمان على مشاهدة التلفاز والذي يعتبر حالياً من أكثر الأخطار تهديدًا للصحة النفسية للطفل في الدول الرأسمالية ، والذي ابتدأ ـ وللأسف الشديد ـ بتهديد أطفالنا في مجتمعنا العربي والذي يطرح مخاطره على سويتين اثنتين:

الأولى :  إنقاص التواصل مع المحيط الحيوي نتيجة للوقت الطويل الذي يقضيه الطفل في مشاهدة التلفاز ، والذي يجب أن ينصرف هذا الوقت في تعلم المهارات المطلوبة لإنضاج الطفل من الناحية المعرفية و الاجتماعية ،وأحد هذه الوسائل هو اللعب مع الأطفال الآخرين والذي يميل لأن يضمحل عند هؤلاء الأطفال .

والثانية :التمثل المعرفي لمعطيات البرامج التي يتفرج عليها الطفل في التلفاز أي تصبح رموز وشخصيات البرامج هي نفس رموز شخصيات اللعب الذاتي الذي يعتبر محورياً بالنسبة للصحة النفسية للطفل إذ من خلاله يتعلم الطفل كيف يركب وفقاً لرغباته وأحلامه شبكة من العلاقات بين الأشياء ؛ وإنّ تقديم رموز وشخصيات اللعب ليتبناها الطفل من خلال متابعته للبرامج التلفزيونية ، يجعله بعيداً عن حاجته للتخيل والخلق الإبداعي لشخصيات يدخلها في عملية لعبه ،فيصبح غير محتاج لأن يتخيل ذلك الفارس المقدام ، إذ أن ّصورته جاهزة من مسلسل الأطفال هذا أو ذاك ، و قس على ذلك أشياء كثيرة ومواضيع متعددة .

والحل هنا لا يكون بإبعاد الطفل عن مشاهدة التلفاز وإنّما محاولة تقنين المشاهدة من ناحية تحديد الزمن ومراقبة النوعية فيما يتعلق بمحتوى البرامج المشاهدة ، بالإضافة لحضّ الطفل على اللعب بالألعاب الأولية والبدائية والتي أثبتت التجارب دورها المهم والمحوري في تطوير قدرات التخيل والإبداع عند الطفل وأخصّ منها اللعب بعيدان الكبريت والجنود المصنوعين من البلاستيك ، ومثل ذلك كثير ، حيث يلجأ الطفل هنا إلى عملية تخيل إبداعية لربط علاقات جديدة بين أشياء جامدة ، وتعتبر هذه العملية محورية في تطوير قدرات الطفل على كل المستويات .

8ـ تعرض الطفل للشدة النفسية من خلال العائلة أو الأوساط المدرسية الصارمة من خلال تفعيل الهرمونات التي تفرز عند تعرض الطفل لشدة نفسية وخاصة حالة الخوف والقلق والتي تنتج انخفاضاً في عتبة التنبه العصبي أي الدرجة التي تحتاجها الألياف العصبية لتطلق عندها سيالة عصبية تؤدي إلى حركة ما ، وهذا ينتج عنه تفعيل لبعض السيالات العصبية الطبيعية التي كانت غير قادرة على إحداث حركة سابقاً وتستطيع حالياً إحداث الحركة نتيجة لانخفاض العتبة ، وتكون  النتيجة الأخيرة لهذه الفعالية هي مظاهر التأتأة أو الرعاش أو الغمز المتكرر التي يعاني منها الأطفال الذين يتعرضون للشدة والضغط النفسي المتكرر ولذلك يجب التركيز على ضرورة التعامل التربوي الرصين مع الطفل والابتعاد مطلقاً عن كل السياسات الإرهابية التي قد تتبع معه مثل الضرب والصراخ وما يشابهها .

 

ثالثاً : المظاهر العامة للطفل المصاب باضطرابات التواصل الجسدي النفسي :

1ـ يلاحظ مجموعة من الصعوبات في أداء إمكانيات التواصل الجسدي التي يتوقع أن يتمتع بها الطفل في هذا العمر ، وقد تجتمع عدة صعوبات مع بعضها أو تأتي فرادى:

أـ صعوبات في اللغة التعبيرية : وتتضمن اضطراباً في استخدام التعابير الملائمة بالنسبة لعمر هذا الطفل بالإضافة لأخطاء في القواعد اللغوية المتعلقة بضبط صياغة الجمل بشكلٍ صحيح .

ب ـ اضطراب في الاستقبال اللغوي : ويتضمن صعوبة في فهم الكلام واللغة الموجه للطفل وعدم القدرة على التفاعل معها بشكل ملائم لعمر الطفل .

جـ ـ اضطرابات في الأداء الصوتي : وتمثل صعوبة في تلفظ بعض الحروف والكلمات بشكل ملائم لعمر الطفل .

د ـالتأتأة وهي تقطع في  سيل وتدفق الكلمات وفي ضبط تواترها الإيقاعي الملائم للسوية الانفعالية للجملة ولسياق الكلام .

هـ ـ الحركات غير الطبيعية : كحركات الرعاش أو الغمز المتكرر الذي يعاني منه الطفل .

2 ـ وجود مظاهر لخلل عضوي في الجهاز العصبي المركزي يعتبر المنشأ الأولي لاضطرابات التواصل الجسدي النفسي ، وقد تتضمن مظاهر الخلل تلك عدة مكونات : ( اضطرابات التنسيق النفسي الحركي ، اضطرابات صرعية الشكل أو حتّى نوب صرعية تترافق مع اضطراب في مخطط كهربائية الدماغ أو اضطرابات حسية عصبية كما في اضطراب السمع أو الأعضاء الحركية المسؤولة عن التصويت .

3 ـ مظاهر الانسحاب الاجتماعي والخجل والتردد والارتكاسية الشديدة تجاه الوسط المحيط والتي تعتبر ناتجة بشكل مباشر عن سوء التواصل الأولي مع المحيط الاجتماعي .

 

رابعاً : أسس العلاج لاضطرابات التواصل الجسدي ـ النفسي :

1ـ تدريب لغوي مع طبيب أو أخصائي مؤهل لتدريب العضلات الأخرى المساعدة في النطق ، وتنمية مراكز السيطرة العصبية العضلية الأخرى في الدماغ من أجل تحفيز إمكانيات المعاوضة باستثمار الطاقات الدماغية الكامنة والتي تستطيع في كثير من الحالات أو في معظمها التغلب على كل إشكاليات النقص التي يعاني منها الطفل .

2 ـ تعليم الطفل على تقنيات الاسترخاء ( العضلي والتنفسي بالتمارين التنفسية العميقة ) وخاصة في الأعمار المتقدمة ، مما يتيح إنقاص الشحنة العصبية الانفعالية المرتفعة التي يعاني منها الطفل نتيجة للاضطراب العضوي أو نتائجه النفسية المرافقة .

3 ـ التركيز على دور العائلة العلاجي الداعم للتوجه العلاجي النفسي الهادف لتلافي وتعديل النتائج النفسية التي يعاني منها الطفل نتيجة للاضطرابات في مجال التواصل الجسدي ـ النفسي والتي تشكل أزمة حقيقة بالنسبة إليه ؛ ويكون الدور المحوري للعائلة هنا في ميدان التفهم العميق لحاجات وهموم الطفل ومعاناته وتقديم الدعم المعنوي المستمر له من أجل تعزيز الثقة بنفسه ، وترسيخ الإحساس لديه بالأمن الأسري الجوهري في تعديل عقابيل هذا الاضطراب .

4 ـ إدخال الطفل في مجموعات اللعب الجماعية الموجهة ، وفي مجموعات العمل المشترك في الأعمار المتقدمة ، بشكل يهدف إلى تنمية الإحساس بالجماعة والتفاعل معها بشكل بنّاء وبشكل يتوافق مع الحاجة الفطرية لدى الطفل لأن يكون كائناً اجتماعياً بنّاءً وفعّالاً ومحبوباً ، وذلك يؤدي بالنتيجة إلى إنقاص شعور الطفل بضعف التواصل الاجتماعي الذي يعاني منه وما ينجم عنه من نتائج ارتكاسية متعددة .

5 ـ الابتعاد المدروس والموجه عن كل المؤهبات التي ذكرناها وخاصة فيما يتعلق بمشاهدة التلفاز لفترات مطوّلة وأفلام الإثارة والعنف والألعاب الإلكترونية بالتخصيص ، بالإضافة إلى الابتعاد عن تلك الرياضات التي تؤدي إلى رضوض دماغية متكررة مثل المصارعة والملاكمة وضرب الكرة بالرأس وما ينجم عن ذلك من أذيات مجهرية في نسيج الدماغ قد تؤدي إلى تفعيل أو كشف خلل كامن في الجهاز العصبي للطفل ، هذا عدا عن كونها متهمة وبشكل كبير في زيادة  الأهبة لداء باركنسون وداء ألزهايمر( العته الدماغي الشيخي  ) في الأعمار المتقدمة .


______________________________________

مصعب قاسم عزّاوي