الموقع الشخصي للدكتور مصعب عزَّاوي

تعتبر العطلة الصيفية ، فرصة على درجة عالية من المكانة عند الطفل ، وعند الأهل على حد سواء ، لكونها تضع الطفل على تماس مباشر مع رغباته التي يهدف إلى تحقيقها و التي قد تعاق بواقع الوقت المضبوط خلال فترة الدراسة في المدرسة ، لتبدو بذلك العطلة الصيفية المدخل الأساسي للطفل للسعي لتحقيق أمانيه الطفولية ، والتي تمثل في عملية السعي لإنجازها واحدة من المهمات الضرورية لبناء شخصية الطفل وتعلمه فن تلبية الطموحات الشخصية من خلال التلاؤم مع شروط الواقع الاجتماعي الكبير ، أي خارج حدود المدرسة .

 وبالنسبة للأهل ، تبدو العطلة الصيفية ، مدخلاً ملائماً لتنفيذ الرؤى التربوية المتعلقة بتنمية مهارات الطفل وتدريبه وفق المنهج الخاص الذي يتبناه المربي في العائلة ، ليتمكن الطفل من اكتساب معارف وخبرات ضرورية  قد يكون من الصعب تأمينها خلال فترة الدراسة في المدرسة .

وإنّ تلك الأهمية المرهفة التي تتمتع بها العطلة الصيفية عند الطفل نفسه وعند الأهل تحدونا لتلمس بعض الأخطار النوعية التي تحدق بالطفل  وبتطوره النفسي والفكري والحركي والتي أصبحت شائعة في السنين الأخيرة ، وأصبحت تهدد الطفل وبشكل غير مباشر لا يمكّننا من إدراك تأثيرها النوعي الذي يتسلل إلى الطفل خلسة ويقود في نهاية الأمر إلى عواقب سيئة أهمها سوء الأداء الذكائي والنفسي عند الطفل ، وسوء التواصل الاجتماعي مع الوسط المحيط ، وسنعرج فيما يلي على بعض من أهم تلك الأخطار ، ونحاول متابعة الباقي منها في مقالات قادمة:

 

أولاً :المتابعة المفرطة للتلفاز :

وتكمن الخطورة هنا في مجموعة من العناصر أولها هو الوقت الطويل الذي يقضيه الطفل في متابعة التلفاز، يشكل عائقاً نوعياً تجاه تعلم الطفل لشروط التعامل والاندماج مع الوسط المحيط به ، أي أنّ نقص الوقت الذي يقضيه الطفل في التماس مع المحيط الاجتماعي الذي ينتمي إليه يعود عليه بنقص الخبرات التي يجب أن يراكمها في المراحل الأولى لحياته  ، والتي تعتبر ذخيرة للمستقبل الذي يتطلب من الطفل الاندماج بالوسط المحيط به والتفاعل معه ، وامتلاك الخبرات الضرورية التي من الصعب اكتسابها لاحقاً في الأعمار المتقدمة ، لكون البنية الأساسية للمكونات الأولية للشخصية قد تكوّنت وتآلفت فيما بينها وأصبح من الصعب توليفها مع معطيات جديدة .

ومن ناحية أخرى تشكل المتابعة المطولة للتلفاز خطراً محدقاً بالطاقات الإبداعية والخلاّقة عند الطفل ، إذ أثبتت الدراسات أنّ الأطفال الذين يكثرون من متابعة التلفاز تتدنى لديهم القدرات على الإبداع والتخيل عموماً ، وذلك كنتيجة مبسطة لكون التلفاز وسيلة تقدم للطفل معظم العناصر التي يحتاجها في عملية لعبه اليومي و المفاهيم التي تحكم العلاقة بين عناصر اللعب التي يلعبها ، والتي  تتمثل في  شبكة العلاقات الموجودة  بين الأشياء التي يشاهدها في التلفاز ، فيصبح الطفل دون حاجة لتخيل صورة ذلك البطل المقدام وتخيل طاقاته وإنجازاته ، لأنّه يستطيع جلب ذلك النموذج الذي شاهده في التلفاز وتلبيسه بما يريد من مقولات وأفعال جديدة  دون الحاجة إلى كثير من التخيل ، وهذا ما حدا بأحد أهم العلماء في علم النفس عند الأطفال إلى الدعوة إلى إنقاص عدد ساعات مشاهدة التلفاز عند الأطفال لتصبح ساعتين على الأكثر يومياً ، والدعوة إلى عودة اللعب بالألعاب البسيطة التي تنمي طاقات التخيل عند الطفل كاللعب بعيدان الكبريت ، والمكعبات والألعاب المصغرة على شكل الجنود والحيوانات .

هذا بالإضافة إلى خطر تقديم أنماط مثل أعلى جديد غير ملائم لحاجات وطبيعة المجتمع الذي يعيش فيه الطفل ، فيتبنى تلك القيم الجديدة وغير المضبوطة من خلال متابعته للتلفاز والتي ستسيء لاحقاً لاندماج الطفل الاجتماعي وانسجامه النفسي مع مجتمعه .

 

ثانياً :المتابعة المفرطة للألعاب الحاسوبية  الإلكترونية :

قد تكون هذه القضية من أهم عناصر الخطورة التي يمكن أن تهدد تطور الطفل النفسي والحركي ، وذلك يكون من خلال أنّها تنطوي وبشكل شبه متطابق مع جميع الأخطار المتعلقة بالمتابعة المطولة للتلفاز والتي عرجنا  على ذكرها آنفاً ، هذا بالإضافة إلى خطر مهم وهو إمكانية حدوث ما يدعى صرع الألعاب الحاسوبية عند الأطفال ،  الذي ينجم عن التفعيل الشديد و المطول لبؤرة السيطرة العضلية الحركية مع بؤرة الاستقبال البصري في الدماغ ، وإهمال كل الوظائف الأخرى للنسيج القشري الدماغي ، وهذا ما يلاحظ من خلال اندماج الطفل المطلق باللعبة الحاسوبية، و إهمال الوسط المحيط به بشكل كلي تقريبا ً لصالح تركيزه فقط على اللعبة الحاسوبية  ، ويقود ذلك في نهاية الأمر، وعند تكرر العملية لفترة طويلة ، إلى حدوث تغيرات بنيوية ضمن بنية هذه الخلايا المسؤولة عن التنسيق العضلي الحركي المتعلق باللعبة الحاسوبية ، ويؤدي بالنتيجة إلى وجود بؤرة تفعيل كهربائي زائد تكون نقطة الانطلاق لإصابة الطفل بما يدعى الصرع المتعلق بالألعاب الحاسوبية والذي يتجلى بإصابة الطفل بنوب حركية ـ حسية  تشابه نموذج داء الصرع المألوف ، وتتزايد إمكانية الإصابة بهذا النموذج من الصرع في حال وجود استعداد وراثي لدى الطفل من خلال استعداد عائلي معروف للإصابة بداء الصرع .

وفي الختام لا بد لنا من  تكرار التشديد على أهمية إيلاء الكثير من الانتباه لأطفالنا خلال فترة العطلة الصيفية ، مع التركيز على السعي لتأمين استمتاع أطفالنا  - الأغلى على قلوبنا - بطريقة أكثر سلامة على الصعيدين الجسدي والنفسي ، حيث أننا يجب أن نتذكر دائما أن مستقبل الوطن والمجتمع ؛ متضمناً بالتأكيد  مستقبل كل هؤلاء الآباء والأمهات ، سيكون أمانة في أعناق هؤلاء الأطفال ، فالأولى أن نكون معطاءين أوفياء معهم  ليستطيعوا مستقبلاً أن يكونوا كذلك مع وطنهم ومعنا جميعاً ، إذ أن فاقد الشيء لا يمكن أن يعطيه .


ـــــــــــــــــــــــــــــ

مصعب قاسم عزّاوي