الموقع الشخصي للدكتور مصعب عزَّاوي

القدس العربي - 26-08-2015

حسب تقرير السرطان العالمي للعام 2014 الذي تصدره منظمة الصحة العالمية فإن معدلات الإصابة بمرض السرطان تزداد "بمعدل مرعب"، و بحسب نتائج أبحاث المنظمة الدولية لأبحاث السرطان فإنه من المتوقع زيادة معدلات الإصابة بمرض السرطان عن المستوى العالمي الراهن بحوالي 70% خلال العقدين القادمين. و على الرغم من عدم وجود منظومات علمية مُحْكَمة في أي من الدول العربية لتسجيل وقوعات الإصابة بمرض السرطان في أي منها، فإنه لا يعتقد بمنطقية استثناء أي من الدول العربية من تلك التوقعات المهولة، هذا عدا عن أن الواقع و التجارب المحزنة لأطباء علم الأمراض و الأورام في الدول العربية تشي بإمكانية تواضع تلك التقديرات عما هو واقع الحال الصحي في الدول العربية.

 و يقوم منهج الإعلام الغربي المعولم، و من لفّ لفّه من جل المؤسسات الإعلامية العربية التي تستقي نتاجها الإعلامي من ذلك الأخير، على تقديم مرض السرطان خلال العقدين المنصرمين من خلال قصص مجتزأة من سياقها الطبي التكاملي، لتظهر مرض السرطان بكونه مرضاً وراثياً في معظم الأحوال كما هو الحال في التغطية الإعلامية لمرضي الداء السكري و البدانة، و هو توصيف مقصر منهجياً، و مخل علمياً، يهدف إلى تعمية الحقيقة، و تحميل الضحية وزر الجاني.

حقيقة أولية تدحض نموذج الدعاية الإعلامي التضليلي فيما يخص الأسباب الحقيقة لزيادة معدلات الإصابة بمرض السرطان على المستوى العالمي، ترتبط عضوياً بحقيقة أن الحوض الوراثي Genetic Pool  الذي يمثل استقرار حال المورثات و عدد الطفرات الطارئة عليها يبقى مستقراً لأجيال طويلة في مجتمع ما، و بمستويات تغير بطيئة جداً لا يمكن أن تفسر التسارع المهول في ازدياد وقوعات الإصابة بمرض السرطان على المستوى العالمي، أو تقدم أرضية علمية للتفسير التبسيطي لذلك الازدياد المرعب بكون مرض السرطان ذو أساس وراثي في المقام الأول. و تم التثبت منهجياً من تلك الحقيقة الأخيرة في دراسة بحثية موسعة أجراها مركز ضبط الأمراض في الولايات المتحدة على 53666 توأم حقيقي أتت  خلاصتها لتؤكد بأن فرضية اعتماد السبب الوراثي كأساس لتطور الأمراض و منها مرض السرطان ليست " علمية بالشكل الكافي". و الحقيقة العلمية المكينة تكمن فعلاً في أن في المؤثرات البيئية يمكن لها أن تعطل الوسائل الدفاعية الأساسية للجهاز المناعي للإنسان، و تقود إلى إحداث تغيرات وراثية، و طفرات مورثية، و تغيرات في فعالية عمل المورثاتEpigenetic Changes   يمكن لأي منها أن يقود في بشكل مباشر او غير مباشر  إلى تطور أشكال مختلفة من الأمراض و منها مرض السرطان.

في كتابه المهم المعنون بإعادة النظر في سياسات مرض السرطان يشير الطبيب سام إبشتاين إلى حقيقة أنه و منذ الحرب العالمية الثانية أصبح العالم أكثر تلوثاً بالسموم البيئية، من قبيل المركبات العضوية الصنعية، اللدائن، المبيدات الحشرية، و المشتقات النفطية، و مشتقات الغاز الطبيعي، و التي يصل عددها الإجمالي  إلى أكثر من 50000 مادة حسب سجلات  مركز ضبط الأمراض في الولايات المتحدة. و الحقيقة الكارثية فيما يتعلق بذلك العدد الهائل من المنتجات الصناعية و الكيميائية تم تكثيفها في العدد الصادر من مجلة العلوم الأمريكية  Scientific American  الصادر في شهر تموز من العام  2014،  بالإشارة إلى  أنه حسب القوانين السارية في الولايات المتحدة فإنه: " يحق للمصانع الأمريكية استخدام أي مادة كيميائية جديدة دون الحاجة لإظهار سلامتها الصحية؛ و أن مسؤولية إثبات الأخطار الصحية المحتملة عقب تداول أي منتج يحتوي تلك المادة تقع على عاتق وكالة الحماية البيئية في الولايات المتحدة" و تلك الأخيرة دأبت كل الإدارات الأمريكية المتعاقبة خلال العقدين المنصرمين على خفض تمويلها و دعمها إلى درجة مخزية تمثلت في حقيقة أنها لم تتمكن من إجراء أبحاث استقصائية شاملة سوى على 300 مادة كيميائية من أصل الـ 50000 السالفة الذكر، لتجد حسب ما تشير إليه الهيئة على موقعها الإلكتروني بشكل صريح بأن 135 مادة من تلك التي تم استقصائها  يمكن لها أن تسبب مرض السرطان Potential  Occupational Carcinogens، و هو ما يعني أن نسبة بحوالي 45% من المواد التي تمكنت الوكالة من تقصيها هي عوامل مسرطنة، و أنه من الناحية النظرية فإن هناك 22365 مادة مستخدمة في الصناعات الحديثة لازالت تنتظر أوان الكشف عن دورها في تصنيع مرض السرطان،  في الوقت الذي لازالت مصانع الولايات المتحدة و شركاتها العابرة للقارات، التي لم توفر ركناً من زوايا البسيطة إلا و اخترقته عولمياً بشكل أو بآخر، تقوم بإنتاج جميع تلك المواد، وتسويقها، و بيعها للمستهلكين الحالين، الذين يستقيم وصفهم  بأنهم ضحايا مرض السرطان الذين ينتظرون دورهم للولوج إلى مذبحه الكوني.

و يحق للقارئ الحصيف أن يتساءل عن دور المنظمات الدولية عموماً، ومنظمة الصحة العالمية خصوصاً في كشف و تعرية الاستخدام اللاأخلاقي لمواد و منتجات صنعية، و كيميائية في أي صناعة على المستوى العالمي، قبل التحقق بدراسات علمية محكّمة من عدم احتمال أن يشكل أي منها عاملاً مؤهباً للإصابة بمرض السرطان لحماية أبناء البشرية الذين ينتظرون من تلك المؤسسات حمايتهم. والإجابة المبسطة على تلك الأطروحة المنطقية، يمكن أن تتم تطبيقياً بالنظر إلى كيفية تمويل المؤسسات الدولية، و علاقة ذلك عضوياً بالتمويل الذي تحتاجه عضوياً و بشكل منتظم من الولايات المتحدة للبقاء على الحياة، و بشكل أكثر تشخيصاً يمكن نقل الإجابة إلى حيز التراجيديا العربية التي يكابد مفاعيلها راهناً كل ناطق بلسان الضاد بتمظهرات مختلفة، و التي تفصح عن نفسها في الرفض المزمن و التاريخي لمنظمة الصحة العالمية إجراء أي أبحاث لتقصي الآثار الصحية لاستخدام مئات الأطنان من اليورانيوم المُنَضَّب 238 المستخدم لتثقيل القذائف الخارقة للدروع في عملية عاصفة الصحراء التي أنتجت حكماً بالإعدام المؤجل الذي ينتظر أوانه على الملايين من أطفال و أبناء العراق الذين تمثل السرطانات التي تصيبهم نماذجاً مهولة و مرعبة من السرطانات التي لم تشهد البشرية مثالاً يضاهيها سوى في ضحايا القنبلتين النوويتين اللتين أسقطهما الأمريكان في اليابان، و ضحايا العامل البرتقالي الذي استخدمته الولايات المتحدة في حربها على الشعب الفيتنامي. و قد كان كاتب هذه السطور شاهد عيان لهول مكابدة أسى تشخيص بعض من تلك الأورام التي لم يرَ الأطباء في الغرب و الشرق مثيلاً لها في العقدين الأخيرين سوى في العراق الجريح.

و يمكن تفسير رفض منظمة الصحة العالمية في كونه النتيجة الطبيعية للعلاقة العضوية بين تلك الأخيرة، و الوكالة الدولية للطاقة الذرية القائم الفعلي بأعمال حماية سيطرة القوى النووية الكبرى على مستقبل البشرية بالقوة النووية تحت يافطات مختلفة لا تغير من الجوهر الوظيفي لتلك الوكالة. و تتمثل العلاقة العضوية بين تلك المؤسستين في اتفاقهما الموقع في العام 1959، و الذي قلما يشار إليه إعلامياً، و الذي يقتضي، على نحو لا يستند إلى أي أساس طبي موضوعي، بعدم قيام منظمة الصحة العالمية بأي بحث علمي يمكن أن يؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر على أنشطة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، و التي لم تمنح موافقتها لمنظمة الصحة العالمية و بعد مرور أكثر من عقدين من الزمن لإطلاق بحث علمي دولي يمكن له أن يكشف هول الجريمة التي تم ارتكابها بحق الشعب العراقي في عاصفة الصحراء. مع الإشارة الواجبة إلى أن اليورانيوم 238 المُنَضَّب يهاجر فعلياً مع كل عاصفة غبارية تمر بأرض العراق لتحمل معها ذرات اليورانيوم 238 المُنَضَّب، كما لو أنه غبار جهنم الذي يراد به إحلال الفناء المؤجل إلى حينه في كل المجتمعات التي تقضي شروط الجغرافيا الطبيعية تشاطرها مع الشعب العراقي عواصف صحرائه الغبارية، التي تكاد أن تكون حدثاً يومياً من البادية السورية و حتى الصحراء العمانية.

و الحقيقة العلمية الشاخصة هي أن مرض السرطان مرتبط عضوياً بالتلوث البيئي الذي يُعرّف عن نفسه طبياً بكونه فياضاناً من العوامل المسرطنة التي لا تستطيع البنية المناعية الطبيعية في الجسم البشري التعامل معها. وهو حقيقة تقتضي من كل فريسة محتملة لذلك الغول المتوحش بذل كل الجهود لمقاومة طوفان نموذج الحياة الاستهلاكية الذي حوّل الملايين من أبناء العرب إلى مستهلكين غير مستبصرين لما تُغرق مجتمعاتهم به الشركات العملاقة العابرة للقارات. و قد تكون أطروحة المفكر العربي سمير أمين بأن الاستقلال و الاكتفاء الزراعي و الغذائي للعرب بأنفسهم بالشكل الذي انتظم به أجدادهم لآلاف السنين هو الخطوة الأولى و اللازمة في طريق انعتاقهم من مستعمريهم القدماء و الجدد، هي الحصن البيئي العربي الأول الواجب إشادته في وجه طوفان صُنّاع مرض السرطان.

 

د. مصعب قاسم عزّاوي

كاتب سوري مقيم في لندن