الموقع الشخصي للدكتور مصعب عزَّاوي

أولاً: مقدمة:

إن تأملاً متبصراً في الطموح الوطني – الإنساني بمستقبل أكثر إشراقا لجميع أطفال الوطن الذين يناط بهم مستقبلاً  المهمة الأكثر أهمية والمتمثلة في الحفاظ على التميز الحضاري للوطن في خضم معركة العولمة الطاحنة لكل أولئك الذين يترددون أو غير القادرين على الحفاظ على تميزهم الحضاري- الإنساني ؛ يعتبر حافزاً موضوعياً وجوهرياً لأن نتوقف قليلاً لتفحص البنية المحورية في طرائق التعليم بحثاً عن أكثرها ملائمة وأقدرها على تقديم المعارف العلمية الملائمة لسوية عمر الطفل وقدراته بالإضافة إلى الشرط الضروري الذي بدونه تفقد العملية التعليمية جوهرها البناء، وأعني هنا الصحة النفسية المتكاملة للطفل التي تتجلى بكونه سعيداً ومتفائلاً ومحباً وقادراً على الإبداع ضمن شرط التفاعل الفاعل مع المجتمع ليأخذ دوره البناء فيه مستقبلاً، وليس فقط الارتكان إلى بنية انفعالية سلبية تقبل بالواقع خانعة للشروط السلبية الموجودة فيه غير قادرة على الإبداع والتغيير من أجل خيرها وخير مجتمعها.

 وأستطيع القول هنا كإشارة مبدئية إلى وجود كثير من التلقائية غير المنهجية في تقديم المعارف في المدارس الابتدائية تنطوي أساساً على خلل بنيوي في عدم معرفة المدرس لصوابية ذلك الطريق بدقة وإمكانيات الخطأ الفادح الذي يمكن أن تسببه بعض الطرائق الأخرى على مستقبل الطفل وقدراته المنوط بها إنضاج موقعه الاجتماعي؛ وبالتأكيد ينسحب ذلك على الممارسات التي تجري في بعض الحالات في المنزل بشكل خاطئ وغير موجه جدياً لإنضاج العملية التعليمية التي جرت في المدرسة ولذلك أول الأمر سنعمد إلى توضيح المفاهيم الأساسية التي تنظم تعلم الطفل ثم ننطلق إلى تطبيقاتها العملية وكيفية استخدامها بشكل بناء وفاعل.

 

ثانياً: مفاهيم أولية في سلوك التعلم عند الطفل:

يتناول التعلم عموماً محورين أساسيين متكاملين، الأول هو التعلم بوصفه اكتساباً لسلوك معين ومنهجية معينة لجهة كيفية التعامل مع المادة المعرفية التي يجب تعلمها، وحقيقة يمثل هذا الموضوع جزءاً جوهرياً من نجاح الطفل في حياته العلمية مستقبلاً إذا امتلك منهجية ملائمة لتلقي ومعاملة المعلومات ويعتبر هذا مفتاح التفوق الدراسي والشخصي اللاحق له . والثاني هو ترسيخ المعلومة أو مجموعة المعلومات التي تم تعلمها من خلال إدماجها بالمعارف الأخرى وتنسيقها بحيث تصبح جزءاً عضوياً من معارف الفرد التي يستخدمها في تعامله مع العالم المحيط به، وليس فقط الاطلاع على المعلومة وإنما هضمها وتمثلها معرفياً لتصبح بناءة وقادرة على العطاء.

ويعتبر المدخل الأساسي لتحقيق  هذين الشرطين هو التعامل مع مفهوم ومنهج الاشتراط التعليمي بشكل يعي تماماً جوهريته ووظيفته، وهو أساساً يعبر عن سلوك يتعلمه الطفل أو معرفة علمية يتعلمها يربطها عضوياً مع ظرف معين يكون مرافقاً لها ليصبح ذلك المرافق قادرا على إحداث نفس الاستجابة التي  ترافق  مع  السلوك الذي يقود إليها ، ونعطي مثالاً للتوضيح يتناول ذلك السلوك الذي يبديه الطفل عند عدم قدرته على حل مسألة معينة- تتناول موضوعاً قد اطلع عليه مسبقاً- فإما أن يوجه الطفل إلى أن يبقى هادئاً ويقبل موضوعياً بعدم قدرته على الحل مؤقتاً للبحث من جديد في المعارف الضرورية التي تمكنه من الحل، والأمثلة المحلولة التي تشابه مسألته والاستعانة برأي المدرس الأبوي الحميم والهادئ ثم العودة لحل المسألة، ويمثل هذا الوجه الإيجابي لسلوك الطفل المنشود؛ أو أن يوجه الطفل خطأً عبر تأنيبه والسخرية منه أو معاقبته جسدياً أو معنوياً للنكوص وتعلم الانسحاب والتيقن من عدم قدرته على الحل في هذه المسالة والذي سينسحب  لدى أول صعوبة لاحقة قد  يعاني منها في أي مسألة أخرى ، ليصبح النكوص والانهزامية سلوكاً مكتسباُ ، مما يقوده لاحقاً إلى أداء دراسي سيئ ونفور من جوهر العملية التعليمية.

ونضيف إلى المفهومين السابقين مفهومين آخرين يعتبرا مكملين لهما، الأول هو ترسيخ التعلم ويعاكسه الخبو الذي يطال المعارف العلمية، ويعني ذلك أساساً أن المادة التي يجب أن يتعلمها الطفل يجب أن تترافق بوسائل نوعية ترسخ استخدام الطفل لتلك المعارف وتعزز من إمكانية ربطها بحياته اليومية، وإلا فإن الانطفاء والخبو سيطالها وتفقد قدرتها الفاعلة وتفقد قدرتها الفاعلة بعد فترة من الزمن، وهذا حقيقة يمثل الوجه الآخر لذلك الخلل الذي تعاني منه العملية التعليمية في كثير من الأحيان ويتجلى بتغليب ظاهرة التلفيق والحفظ الأصم على حساب ترسيخ عملي وواقعية المادة المتعلمة  مرتكنين فقط على عملية  الاعتماد على الذاكرة فقط، والتي بالتأكيد تمتلك محدودية معينة بعدها ستذهب المعلومات إلى هاوية النسيان.

والثاني هو تعميم السلوك التعليمي، ويعني هذا أن الطفل إذا شكل توجهاً نفسياً معيناً تجاه موضوع جزئي من العملية التعليمية ككل والمدرسة بالتالي وينعكس ذلك سلبياً على أدائه الدراسي بالتأكيد...................
وبالتأكيد لا تمثل المدرسة فقط

احة للتعلم فقط، وإنما هي أيضاً مدخل للتفاعل الاجتماعي، ومن أحد أهم مظاهره هو تعلم كيفية الأداء الاجتماعي والشخصي ابتداءً من استدماج نموذج  للمثل الأعلى في المدرسة ألا وهو المعلم أو المعلمة ويكون من خلال الآلية التي تسمى الانطباع والتي تشير إلى تلك الآلية التي يقوم من خلالها الطفل بتبني نموذج السلوك عموماً الذي يؤيد المعلم أو المعلمة إن كان من ناحية المفردات أو من ناحية التعامل مع الآخرين أو حتى الحديث عن الأمور العامة، وكمثال نوعي على ذلك تشير الدراسات إلى أن الأطفال الذين يشاهدون أهلهم أو معلميهم يدخنون يكونون أكثر ميلاً للتدخين في المستقبل، ونفس الأمر ينسحب على الميل للشجار وعدم الاتزان في ظروف الشدة الاجتماعية، وكذلك استخدام المفردات غير الملائمة.

 

ثالثاً: المبادئ الأساسية في تقديم المادة التعليمية:

هناك عدة مبادئ تمثل المحاور التي تكامل الإجماع العلمي حولها وتم الاتفاق على أنها تمثل خلاصة البحث العلمي عن طرائق التعليم المنهجية الأكثر قدرة على الخروج من دائرة العشوائية غير الموجهة للانتقال إلى جو من المعرفة المنهجية لكيفية تقديم المادة التعليمية للطفل:

1- التعزيز الإيجابي: ويتضمن ترسيخ السلوك المقبول الذي يبديه الطفل وزيادته من خلال تقديم المكافأة عقب السلوك المستحب من الطفل خلال عملية التعلم وحقيقة تمثل المكافآت المعنوية من خلال الاستحسان والإطراء الوسائل الأكثر قدرة على تعزيز السلوك الإيجابي عند الطفل بالإضافة إلى جوهريتها في ترسيخ ثقته بنفسه مما يمكنه من الاندماج عضوياً وبشكل أكثر فاعلية بمجتمعه، وتدخل في هذا السياق أيضاً المكافآت الملموسة أيضاً.

2- التعزيز السلبي: ويتجلى ذلك بالميل عند الطفل للعمل بشكل دائب للحفاظ على المكافآت التي نالها أو على الأشياء التي يحبها، والتي يمكن أن يفقدها في حال أدائه غير الجيد في موضوع ما، كمثل التلويح بمنع مشاهدة التلفاز إذا لم يكن الأداء التعليمي جيداً، مما يقود الطفل إلى العمل إلى عدم فقدان ذلك الموضوع الذي يحبه، وتعتبر وسيلة التعزيز الإيجابي عبر تقديم المكافأة وهذه الوسيلة أي التعزيز السلبي عبر سحب المكافأة وسيلتين متكاملتين على الرغم من أن الأولى أكثر فاعلية على المدى الطويل ويجب استخدامها دائماً بطريقة هادئة ومتعقلة ودون إفراط أو مبالغة في أي منهما لكي لا تخرجا عن وظيفتهما الأساسية، لتقودنا إلى مشاكل أخرى.

3- العقاب: ويمثل الوسيلة التي يجب استخدامها بكثير من الحذر وضمن شروط محددة وواضحة، وهي عدم تناولها على الإطلاق الإيذاء والإيلام الجسدي (الضرب) أو الصراخ العنيف أو السخرية من الطفل والحطّ من شأنه، إذ أن ذلك كله يمثل المطب الأساسي الذي يعتبر الخطوة الأولى في قيادة الطفل إلى الإخفاق الدراسي. ويمثل العقاب هنا وسيلة لجعل الطفل يسعى عملياً في الاتجاه المعاكس لذلك المسبب الذي استدعى العقاب، ويتناول العقاب هنا نموذج التأنيب الهادئ للطفل والسعي إلى توضيح الأسباب الموضوعية التي جعلتنا نؤنبه، وإقناعه منطقياً بخطئه، وعند الضرورة تخفيض مساحة التواصل معه في النواحي التي يفضلها هو، مع الحفاظ على الحديث معه في الأمور الضرورية والمهمة كالمشاكل التي يعاني منها بشكل أساسي. وهنا أشير إلى أن العقاب بهذه الطريقة يجب أن يأخذ بعين الاعتبار أن يعرف الطفل لماذا هو معاقب، والتعامل معه على أنه قادر على أن يفهم مكمن خطئه وعواقب ذلك، لأن الطفل حقيقية وعلى عكس ما يتصور البعض – قادر وبشكل نوعي في كثير من الحالات استخدام ثرواته المنطقية المتواضعة لأن يستوعب بشكل جيد إذا ساعدنا نحن على ذلك.

4- الإنطفاء: ويشير إلى تخامد السلوك السلبي الذي يبديه الطفل عند تعامله مع المادة التعليمية، في حال عدم تعزيزه بالطرائق التي أشرنا إليها آنفاً، ويجري ذلك من خلال إهمال المربي المعلم لذلك السلوك السلبي من التعامل مع المادة التعليمية الذي يبديه الطفل، والتركيز فقط على ذلك النموذج البناء الذي سنسعى لتعليمه إياه وبالتالي فإن عدم الاقتراب وعدم السعي لتكرار الظروف التي تقود إلى مثل ذلك السلوك السلبي – مثل استخدام سلوك البكاء عند الإخفاق في حل مسألة ما. والدأب لتعزيز وترسيخ السلوك الإيجابي الذي يتمثل مثلاً بتعليم الطفل الهدوء والتعامل بروية مع المسألة التي أخفق في حلها سابقاً.

 

رابعاً: أسس تطبيق مبادئ التعزيز الإيجابي والسلبي ( تقديم المكافأة وسحب المكافأة):

كما نوهنا آنفاً تمثل طرائق التغريز الإيجابي والسلبي منظومات متكاملة تؤمن مدخلاً فاعلاً لترسيخ نموذج من السلوك المستحب عند الطفل، ولكن تطبيقها يجب أن يكون بكثير من الدقة والهدوء وعدم المبالغة والإفراط، وهذا ما سنوضحه من خلال الإشارة إلى المنهج الملائم والأكثر فاعلية في استخدامها في عملية التعلم والتعليم:

1- نموذج المكافآت المستمرة: وتمثل تقديم المكافآت دائماً عقب نفس الفعل المستحسن وبنفس الصيغة المتبعة لتقديم المكافآت، وتعتبر هذه الطريقة طريقة فاعلية في ترسيخ الفعل المتعلم في الفترة الأولى لتعلمه ولكن لمدة زمنية قصيرة، إذ أنه بعد ذلك يصبح التكرار وبنفس طريقة المكافآت محتاجاً إلى تعزيز هو نفسه، ولذلك من المفضل التوجه إلى الطرائق الأخرى الموازية في تقديم المكافآت وهذا ما سنطرحه فيما يلي.

2- نموذج المكافآت المجدولة: وتم تطبيق هذه الطريقة من خلال تقديم المكافآت فقط عقب عدد محدد و معروف مسبقاً من الاستجابات الجيدة والمستحبة والتي قام بها الطفل، وهذا يعتبر وسيلة لدفع الطفل إلى زيادة سرعة الأداء والتركيز من أجل الوصول عبرهما إلى العدد المطلوب، ومثال على ذلك نشير إلى تقديم المكافآت فقط عقب عدد معروف من العلاقات الكاملة التي ينجزها الطفل في مدرسته، وهذا بالتأكيد سيقود الطفل إلى زيادة الجهد والتركيز للحفاظ على تلك السوية الأدائية ضمن شرط أقل مدة زمنية.

ويجب بالتأكيد عدم الارتكان فقط إلى هذه الطريقة لوحدها وإنما التنويع مع الطرائق الأخرى للحفاظ على فاعليتها العالية.

3- نموذج المكافآت ذات المظهر العفوي: وتمثل الوسيلة الأكثر فاعلية والتي يمكن اعتبارها أكثر الطرائق فاعلية في ترسيخ الاستجابة التعليمية الطويلة من الطفل، ويرتكز منهجها على تقديم المكافآت عقب فترة زمنية غير محددة مسبقاً بقي فيها الأداء التعليمي للطفل مستحباً فيها، أو عقب عدد غير محدد من النتائج الجيدة التي أداها الطفل في سيرورة عملية التعلم وبحيث أنها تظهر عفوياً نتيجة استحسان المربي المعلم أو الأهل، وتعتبر هذه الطريقة الأكثر ترسيخاً للأداء الجيد، وتقوي ثبوت الأداء الجيد على فترة طويلة جداً من الزمن دون الحاجة إلى تكرار نفس المكافأة أو تقديم المكافأة خلال فترة محددة مسبقاً من الزمن؛ بالإضافة إلى ذلك فإن هذا النوع من المكافأة يرسخ أيضاً الشعور بالحميمية والمحب تجاه المربي المعلم أو الأهل إذ أن شرط العفوية في مظهر المكافأة يوازي صورة الحميمية والمحبة التي تفتح الباب لهذه المكافأة وبالتالي يجب الترسيخ والتأكيد على مثل هذا النوع من المكافآت. ومن الأفضل أيضاً في هذا النوع التنويع الواضح في أشكال المكافآت بين المعنوي والملموس على اختلاف أشكال تقديمها وأنواعها.

وأخيراً، نرغب بالتأكيد على وجوب العمل بشكل دؤوب وعقلاني من أجل الدفاع الذاتي، كل منا حسب طاقته، من أجل تكامل جهودنا المعرفية والتربوية، لاستنباط أفضل الطرق التربوية الرصينة والعلمية، لتقديم المادة التعليمية لأطفالنا في مدارسهم، مستنيرين بضرورة الحفاظ عليهم أصحاء نفسياً، سعداء، متفائلين وقادرين على الإبداع والعطاء، ومحبين لمجتمعاتهم ومستعدين للعمل والدفاع عنها.

ولا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال العمل المشترك كل منا حسب ميدانه للتأسيس لرؤية عربية واضحة تناسب أطفالنا الأحباء، وتفتح لهم الطريق ليقوموا بالمهمات التي سنوكلها إليهم لاحقاً، في بناء الوطن والمجتمع والحفاظ عليهما.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

مصعب قاسم عزّاوي