الموقع الشخصي للدكتور مصعب عزَّاوي

يمثل سرطان الدم واحداً من السرطانات التي تشكل خطراً محدقاً بكل فرد منا وذلك لأنه كجميع أنواع السرطانات مرض قاتل قد يأتي دون سابق إنذار ، بالإضافة إلى بعض الصفات المؤلمة المتعلقة به ، والمتمثلة بكونه يصيب وبأشكال خطيرة منه الأطفال في أعمار صغيرة .

ويجدر الإشارة إلى أن وقوع سرطان الدم بين الفئات العمرية المختلفة وبأشكاله المتعددة قد ازداد وبشكل ملحوظ في السنين الأخيرة ، ويعزو أغلب الباحثين ذلك إلى زيادة مقدار التلوث البيئي عموماً والتلوث بالمنتجات الصناعية المعتمدة على الأساس النفطي دون وجود رقابة واضحة ودراسة مدققة عن تأثيرات هذه المواد ذات الأساس النفطي التي تستخدم في الدهانات والأصبغة والصناعات البلاستيكية أساساً وحتى في بعض مشتقات الأطعمة.

 

كشف جديد :

وفي إطار السعي العلمي عالمياً لإيجاد علاج فاعل لمرض السرطان ، تمكن فريق العمل البحثي في قسم علم الأمراض ( الباثولوجيا ) في جامعة إمبريال كولج اللندنية بعد ستة أعوام من البحث المستمر إلى إيجاد تقنية جديدة قد تمثل فتحاً علمياً باهراً من أجل علاج سرطان الدم خصوصاً ، وكافة أنواع السرطانات الأخرى في المستقبل غير البعيد إذا استطاعت الأبحاث الاستمرار في الكشف المدقق والتطبيق المتأني لهذه الطريقة على السرطانات جميعاً .

وتقوم هذه الطريقة في مبدئها على تطوير خلايا مناعية تؤخذ من جسم الشخص المصاب وبحيث تزرع في الأوساط الخارجية ، وتتم دراسة بنيتها تحت المجهر الالكتروني حيث يتم اختيار خلية أو مجموعة خلايا مناعية في الطور الأولي لنموها حيث لاتزال فتية جداً ، ثم يتم عقب ذلك تعديل مورثي بتقنيات الدمج المورثي في قلب نواة الخلية المناعية ، لتصبح قادرة من خلال التعليمات التي تمثلها المورثة الجديدة التي دمجت في الحمض النووي للخلية ، على أن تتعرض على الخلية الورمية وبشكل مبكر جداً خلال عملية تكاثرها الورمي وبطريقة تستند إلى التعرف على البنية الأولية لغشاء الخلية الورمية التي تحمل مورثاً يسمى WT/1  وفي مرحلة مبكرة تسبق عملية انتشار الخلايا الورمية من سرطان الدم في بقية أنسجة الجسم .

وبمعنى آخر تصبح هذه الخلية المناعية عقب إكثارها في المخبر ثم حقنها في جسم المصاب خلايا مناعية تقوم بدور الحراسة النشيطة ودور التحري المبكر للإمساك بالخلية الورمية وبأسرع وقت ، وبالتأكيد لاتشكل هذه الخلية المناعية المطورة أي ضرر على جسم الإنسان لكونها أساساً خلية طبيعية من جهازه المناعي طورت في المخبر لتقوم بدور الإنذار ومكافحة الورم بشكل مبكر .

وعقب الامساك بالخلية الورمية تستطيع هذه الخلايا المناعية أن تتعرف على الخلية الورمية كجسم أجنبي ضار، وتبدأ حينئذ عملية الهجوم عليه وابتلاعه وهضمه وبالتالي إيقاف الورم في مرحلة مبكرة جداً .

ويمكن أن تكون هذه الطريقة العلاجية ناجعة في علاج جميع أنواع السرطانات مستقبلاً، إذ أنها يمكن تطبيقها حالياً لعلاج مختلف حالات سرطان الدم على اختلاف حدثياتها المرضية بين الحادة التي تتطور غالباً عند الأطفال وتتفاقم بشكل سريع وخلال مدة قصيرة ، وبين تلك التي تتطور خلال فترة طويلة من الزمن يتخللها فترات من الهجمات الحادة ، والتي تسمى بأورام الدم المزمنة ؛ وفي المستقبل القريب يأمل الباحثون أن تكون هذه الطريقة ناجعة في علاج حوالي  180000 حالة سرطان دم في أوربا .

والعنصر الأكثر تشجيعاً في هذه الطريقة هو إمكانية تطبيقها بشكل فعال وبمنهج مشابه على أنواع أخرى من السرطانات الفتاكة كسرطان الرئة أو سرطان الثدي أو سرطان الكولون ، والتي تتميز الخلايا السرطانية فيها بمورثات شاذة تؤدي إلى بنية خاصة لغشاء الخلية الورمية مما تتيح تطبيق المبدأ العلاجي بالنسبة لهذه السرطانات أيضاً.

ونضيف أيضاً ، ميزة خاصة بهذا العلاج المبشر هو كونه قابلاً للإنتاج بتكلفة زهيدة نسبياً ، مما يتيح كسر حلقة الأغنياء والمفقرين بين شمال العالم وجنوبه الذي لا يستطيع في معظم الحالات تحمل نفقات المذهلة التي يتوجب عليه دفعها للشركات الاحتكارية التي تحتكر الدواء وإنتاجه وخاصة فيما يتعلق بالأدوية السرطانية الباهظة الكلفة إلى حد الإجحاف .

وهذه الفكرة الأخيرة التي تحدونا للسعي إلى تطوير أنظمة البحث العلمي وتقنيات الدراسة الحيوية الدقيقة على مستوى الخلية من أجل إدخال العلم في واجبه الضروري وطنياً وهو الوقوف أولاً من أجل الدفاع عن صحة الفرد في الوطن والمصلحة الشاملة التي تتناول الوطن الكبير وأفراده الذين تمثل صحتهم وسعادتهم الهم الأول والحقيقي لأي مشروع تنموي .

ـــــــــــــــــــــــــــــ

مصعب قاسم عزّاوي